الباحث والناشط السياسي الأردني د. هشام البستاني ل الراية الأسبوعية :
- جديد المشروع الأمريكي إعادة تشكيل المجتمعات القُطرية إلي وحدات طائفية ودينية وإثنية وعشائرية أصغر
- الحالة في فلسطين مأساوية وتمثل تجسيداً للسيناريو المستقبلي المعتم.
- التهديدات الأمريكية لإيران غير قابلة للتنفيذ بسهولة
- الأنظمة العربية معلقة في الهواء ولا تمتلك أي شرعية تمثيلية.
- المقاومة المسلحة وليس الإسلام السياسي هي المستهدفة من الإدارة الأمريكية
- أمريكا خططت لغزونا سواء وقعت أحداث 11 سبتمبر أم لم تقع والبداية كانت هزيمة الاتحاد السوفييتي

حاوره - أسعد العزوني:
أكد الباحث والناشط السياسي الأردني الدكتور هشام البستاني ان المشروع الأمريكي يهدف الي تجزئة البلدان العربية القطرية الي وحدات دينية وعرقية وعشائرية اصغر.
وقال في حوار سياسي شامل ان الحالة في فلسطين مأساوية بالكامل وهي تجسيد حي للسيناريو المستقبلي المعتم مضيفا ان امريكا لن تنفذ تهديداتها ضد ايران لأسباب كثيرة منها ان لدي واشنطن 160 الف جندي في العراق وان ايران ترتبط بعلاقة تحالف مع حماس وحزب الله وحركة الجهاد الاسلامي .
واوضح د.البستاني ان امريكا كانت تخطط لغزو المنطقة سواء وقعت احداث 11 سبتمبر أم لم تقع.
وفيما يلي نص الحوار:
نري ما يجري في غزة والضفة، وفي لبنان والعراق، كيف تقرأ واقع الحال في الوطن العربي، وكيف تقرأ المستقبل؟ وهل هناك حل ما لنخرج مما نحن فيه؟
- يتنازع في الساحة العربية مشروعان، وعدة متغيرات مرتبطة بهما، وللأسف، المشروعان ليس لهما علاقة بالمشروع العربي التحرري بأي شكل من الاشكال.
الاول من هذين المشروعين، وأكثرهما خطورة، واعلاهما اولوية في المواجهة، هو المشروع الأمريكي الإسرائيلي القديم الجديد، وهو يبني علي الامتدادات الاستعمارية والانقسام الذي احدثه الاستعمار في الوطن المساحة العربية وتفتيتها الي دويلات قطرية عاجزة من تلقاء نفسها أو بنفسها عن استكمال مشروع تحرري حقيقي.
الجديد في المشروع الأمريكي هو الانفراد بالساحة العالمية (الاحادية القطبية)، والسير باتجاه اعادة تشكيل الجغرافيا السياسية التي كانت ثابتة نسبيا طوال الفترة ما بعد الكولونيالية وفترة الحرب الباردة، ومحاولة تطويق قوي صاعدة منافسة (الصين اساسا، واوروبا).
القاعدة الجديدة في المنطقة العربية علي ما يبدو هي "التفتيت"، واعادة تشكيل "المجتمعات القطرية" الي وحدات أصغر طائفية ودينية واثنية وعشائرية وعائلية، وقد لعبت الدولة التسلطية العربية وانظمتها القمعية دورا كبيرا في تسهيل انفاذ "التفتيت" من خلال اضعاف البني الاجتماعية والمدنية للشعوب (ومن هنا يمكن قراءة دورها الوظيفي في المشروع الأمريكي).
فبالاضافة الي نماذج العراق ولبنان وفلسطين المنفجرة فعلا، يستطيع أي مراقب موضوعي، حين يستعرض التناقضات الداخلية في الوطن العربي، ان يجد "قضايا تفتيتية قابلة للتفجير" في اغلب الاقطار: اقطار الخليج العربي واليمن علي قاعدة سني/شيعي، سوريا علي قاعدة سني/علوي/درزي/كردي، الاردن علي قاعدة اردني/فلسطيني والتناقضات العشائرية، مصر علي قاعدة مسلم/قبطي، اقطار المغرب العربي علي قاعدة عربي/امازيغي، وهكذا....
لا بد من ملاحظة ان الساحات المنفجرة فعلا بالصراعات الداخلية، هي ذاتها الساحات المقاومة (العراق، لبنان، فلسطين)، مما يشير بوضوح الي ان احد اهم اسباب انتاج التشكلات الاجتماعية المفتتة هي احتواء وتصفية الظواهر المقاومة بالتحديد، ومنع او تنظيم انتاج اشكال مقاومة جديدة.
المشروع الثاني في المنطقة العربية، هو المشروع الايراني. والاشكال في المشروع الايراني هو انه ليس ذا طابع تحرري، بل هو ذو طابع توسعي بصبغات طائفية/ أو قومية. ورغم انه يتصادم مع الولايات المتحدة ومشروعها الأمريكي ويتصارع معها، الا ان هذا الصراع هو علي قاعدة المكاسب ومناطق النفوذ، لا علي قاعدة التحرر. هكذا نستطيع ان نفهم "التناقضات" الظاهرية في السياسة الايرانية: دعمها للمقاومة في لبنان وفلسطين، ودورها القذر في العراق، ودعمها للولايات المتحدة في افغانستان.
لهذا السبب، لا يمكن للعرب ان يبحثوا عن خياراتهم التحررية في المشروع الايراني، وقطعا لا يمكن الا ان يكونوا تابعين وعملاء ان هم توجهوا الي المشروع الأمريكي/الاسرائيلي، ولا يمكنهم ايضا اللعب علي التناقضات بين المشروعين، لانهم ببساطة اضعف منهما، والمشروع الاضعف او الغائب فعليا لا يستطيع توظيف مشاريع قوية اقليميا ودوليا، بل العكس هو الصحيح.
والرهان الوحيد للمستقبل هو علي المقاومة، بكل معاني هذا المصطلح، لان المقاومة هي الوحيدة القادرة علي الدفع باتجاه اعادة التشكل الجمعي. وحتي لو اتخذت بعض اطراف المقاومة اشكالا طائفية، فان انتصارها لن يكون الا بالانتصار علي الشكل الطائفي نفسه لان هذا الشكل هو العقبة الاساسية امام انتصارها. وهذا هو مفتاح المستقبل. هنا نأتي للشق الثاني من السؤال: قراءة المستقبل.
ان المقاومة موجودة الآن في ثلاث ساحات/جبهات أمامية، وان كان الرهان المستقبلي هو علي المقاومة، فان المقاومات في الساحات الثلاث عليها اعباء انتاج المرحلة. الكيان الاسرائيلي هزم مرتين في لبنان (2000، 2006)، والولايات المتحدة تتلقي الضربات الموجعة في العراق الي الحد الذي بات الحديث عن انسحاب امريكي مطروحا بقوة من قبل كثير من المحللين، اما في فلسطين فالحالة مأساوية حقا وتمثل تجسيدا للسيناريو المستقبلي المعتم.
والمشروع التحرري العربي قد يعاد انتاجه بولادة جديدة ان استطاعت المقاومة العراقية تشكيل جبهة وطنية حقيقية بميثاق جبهوي، وان تصيغ هذه الجبهة رؤيتها العملية للأطر السياسية للفترة التالية لانسحاب الاحتلال (حكومة انتقالية تتبع مجلسا تنفيذيا واسع التمثيل من جميع القوي السياسية المناهضة للاحتلال، اضافة الي التشكيلات الاجتماعية المختلفة، اعلان فترة لاجراء انتخابات..... ) واخرجت الي النور برنامجا استراتيجيا مناهضا لأس الهزيمة الاول: القطرية والطائفية؛ وان استطاعت المقاومة اللبنانية المتمثلة بحزب الله تجاوز "الزاوية الطائفية" التي حشرها فيها خصومها وحرموها بالتالي من حصد ثمار انتصارها في حرب تموز 2006، والتحول الي قوة تحررية قومية ما فوق طائفية وما فوق قطرية؛ وان استطاعت المقاومة الفلسطينية استيعاب درس فتح وحماس من حيث ان ما يسمي "السلطة الوطنية الفلسطينية" هي ليست سلطة علي الاطلاق، ولا يمكن ان تكون "وطنية" ما دامت تخضع للاحتلال بكل صغيرة وكبيرة، وما دام اساسها وسبب وجودها يقبع في بنود اتفاقيات اوسلو التي تعني اعترافا بالكيان الاسرائيلي واعترافا بهيمنته علي اي عملية سياسية او اقتصادية او امنية في "المناطق الفلسطينية"، وان هذه "السلطة" هي الطريق السريع نحو التبعية والعمالة للمركز الاسرائيلي، وبذلك يثبت الفلسطينيون علي برنامج استراتيجي يرفض الاعتراف بشرعية الكيان الاسرائيلي، وشرعية اية "عملية" سياسية تعترف به او تخضع له، ويعاد الصراع الي الحاضنة القومية بدلا من الافق القطري الموصل حتما الي "مدريد" و"اوسلو" أخريين.
ان لم يتحقق ذلك، فأغلب الظن اننا سنري النموذج الفلسطيني الحالي (دويلات مفككة خاضعة بالمطلق للمحتل دون احتلال مباشر) معمما علي مناطق التماس (العراق، لبنان فلسطين)، تليها تحولات مشابهة في الاقطار العربية الاخري.
هناك تهديدات بشن عدوان أمريكي علي ايران، في حال تنفيذ هذا التهديد، ماذا ستكون التداعيات في الخليج والشرق الاوسط؟
-رغم وقوفي ضد اي عدوان او تدخل امريكي في ايران، كما نقف ضد اي عدوان او تدخل امريكي في اي بقعة من العالم، فانني لا اعتقد ان التهديدات الامريكية لايران قابلة للتنفيذ بسهولة، ولذلك عدة تفسيرات موضوعية:
أ - للولايات المتحدة ما يزيد عن 160 ألف جندي في العراق، واذا اخذنا بعين الاعتبار حجم النفوذ الايراني الهائل في العراق حاليا، فسيتحول هؤلاء الي رهائن فوريين لايران، وقد يرتفع عدد القتلي الامريكيين يوميا من المعدل الحالي (5-10 قتلي) ليصبح مئة قتيل يوميا او اكثر، ولنا ان نتخيل ان كان العدد الحالي من القتلي يشكل ازمة للامريكيين، فيما ستكون عليه الحال ان تضاعف هذا التعداد عشر مرات.
ب - لايران علاقات وثيقة مع حزب الله في لبنان وحماس والجهاد الاسلامي في فلسطين، وهي جميعها منظمات مسلحة وقادرة علي ايجاع حليف الولايات المتحدة الرئيسي في المنطقة: اسرائيل.
ت - للولايات المتحدة قواعد عسكرية كبري في الخليج العربي، وهي كلها تحت مرمي الصواريخ الايرانية.
ث - ايران قادرة ببساطة علي ايقاف حركة النفط في الخليج العربي الي مضيق هرمز الواقعة بكاملها علي السواحل الايرانية.
ج - لايران علاقات دبلوماسية واقتصادية جيدة مع قوي دولية مؤثرة (روسيا والمانيا والصين)، وهي قد تلعب دورا مساندا او مهدئا علي اقل تقدير.
لهذا كله اعتقد ان عدوانا امريكيا علي ايران، او حتي توجيه ضربة لها، هو أمر مستبعد لكلفه العالية جدا، كما اعتقد ان التهديدات الامريكية لايران هي باتجاه تحقيق مكاسب امريكية في الملف العراقي، وصرنا نسمع كثيرا عن لقاءات أمريكية/ايرانية للبحث حول الترتيبات في العراق، ورغم مرارة عناوين هذه اللقاءات (امريكيين وايرانيين يبحثون عن الترتيبات في العراق!!) الا انها تؤشر بوضوح الي ما ذهبنا اليه من انعدام لوجود مشروع عربي مؤثر علي الارض في المنطقة العربية.
وإلي أين وصل مشروع الشرق الاوسط الكبير ولماذا نري تخبط الادارة الامريكية؟
- مشروع الشرق الاوسط الكبير يواجه عقبات كبري، ابرزها علي الاطلاق هو المقاومة المسلحة القادرة علي هزيمة العدو في الميدان، وهذه موجودة اساسا في العراق ولبنان، وان كان عدوان تموز 2006 علي لبنان هي مخاض ولادة الشرق الاوسط الجديد بحسب تعبير كوندوليزا رايس، واحتلال العراق هو نموذجه الرائد، فيبدو (من نتائج العدوان والاحتلال الفاشلين) ان المشروع مات اثناء الولادة، ولو مؤقتاً.
العقبة الثانية هي ان قوي دولية واقليمية لا تتسق مصالحها مع هذا المشروع، بل ان الادارة الامريكية النيولبرالية الغارقة في ثقتها بنفسها وانفرادها بالعالم، لم تعد تستشير حلفائها او تنسق معهم. فالاوروبيون (الاقرب جغرافيا الي المنطقة العربية والاكثر تأثرا بأحداثه) لديهم مشروعهم الخاص (الشراكة الاووبية المتوسطية) الذي لا ينسجم بالضرورة مع الشرق الاوسط الكبير، اما الصين وروسيا وايران فيجدون تهديدا استراتيجيا من اعادة تشكيل جيوسياسية علي تخومهم، وربما تأتي منظمة شنجهاي ومناوراتها العسكرية كجزء من مواجهة التمدد الامريكي المتسارع نحو الشرق بعد انهيار حائط برلين وسقوط اوروبا الشرقية وجمهوريات البلطيق في الحضن الامريكي واحتلال افغانستان.
العقبة الثالثة هي الرفض الشعبي العربي القاطع والعصي علي الاختراق حتي الآن لكل محاولات التطبيع مع الكيان الاسرائيلي واعتباره "جزء طبيعي ومقبول" في المنطقة العربية مما يمهد الطريق امامه ليتحول الي مركز هيمنة رأسمالي في المنطقة يتسيد مجموعة مفتتة من تشكلات اجتماعية ما دون قطرية. وما زالت "اسرائيل" منذ نشوئها تراوح مكانها في هذا الملف دون تحقيق اختراقات مهمة الا علي صعيد الانظمة، وهو اختراق ليس ذو اهمية بحكم انها جزء من المشروع الأمريكي/الاسرائيلي لا نقيض له.
هذا لا يعني ان الولايات المتحدة ستتخلي عن مشروعها، وبالتالي فان ادوات مقاومته يجب ان تطور باستمرار.
ولماذا توقف الحديث الامريكي عن "دمقرطة" الوطن العربي، وهل حقا كان بوش صادقا في دعوته هذه؟ ولماذا يتوقف الحديث عن الديقراطية عند الاسلاميين؟ ورغم ان الاسلام السياسي تحالف مع امريكا ضد السوفييت في افغانستان ومواقع أخري، ما سر مناصبة امريكا العداء للاسلاميين اليوم؟
- الحكومات العربية بمجملها هي حكومات معلقة في الهواء، لا تمتلك أي شرعية تمثيلية كانت، وهي في مكانها بحكم الارث الكولونيالي، وتستمر في مكانها بالدرجة التي تستطيع خدمة المشروع الأمريكي وتقديم التسهيلات له. والانظمة العربية ليست "ايقونات مقدسة" لدي الولايات المتحدة، كما انها ليست جزء عضويا ضروريا بالدرجة التي يمثلها الكيان الاسرائيلي علي سبيل المثال، وبالتالي فهي قابلة للاستغناء عنها في اي وقت تتوقف فيه عن كونها مفيدة بشكل او بآخر للولايات المتحدة.
الحديث الامريكي عن الديمقراطية حديث كاذب، الغرض منه اخضاع الانظمة العربية (التسلطية بطبيعتها) الي مزيد من الابتزاز لمزيد من الخنوع والتنازلات، ولا يرعب الانظمة التسلطية الفاقدة للشرعية الشعبية شيء أكثر من حديث "الديمقراطية"، وبالتالي فهي من أهم الادوات لابتزازها. اضافة الي ان "الديمقراطية" تبقي الخيارات الامريكية مفتوحة امام قوي اخري تتطلع لاستلام السلطة وبالتالي فتح قنوات للتفاهم معها واستكشاف مدي مقدرتها علي التوافق والمصالح الامريكية. من ناحية ثالثة يلعب ادعاء "الديمقراطية" دورا هاما في الدعاية الامريكية داخل الولايات المتحدة نفسها وعند قسم من جمهور من دول العالم الثالث، وبالتالي يشكل ذريعة اساسية للتدخل والهيمنة.
لهذا تقع الانظمة العربية فريسة للابتزاز والرعب: الابتزاز خارجيا من قبل قوي دولية قادرة علي قلبها في اي وقت؛ والرعب داخليا من أي اشكال سياسية تحمل شرعية شعبية ما (مثل الحركات الاسلامية)، خصوصا ان كانت هذه الاشكال يمكن ان تشكل بديلا مقبولا للامريكيين ومن الممكن التفاهم معها وفي العراق، يشكل الحزب الاسلامي العراقي احد اركان العملية السياسية العميلة للاحتلال، في حين يصطف الاخوان المسلمون السوريون الي جانب المنشق عبد الحليم خدام المقرب من الدوائر الفرنسية والامريكية، وبينما يعلن الاسلاميون في الاردن ثوابت سياسية راديكالية، فانهم لا يجدون غضاضة في الاجتماع مع المساعد الثاني لوزير الخارجية الامريكي عام 2001 اثر احداث 11 سبتمبر، وحتي الآن يجتمعون مع دوائر محسوبة علي اليمين الامريكي مثل ممثلي معهد كارنيجي للسلام، او منظمات معروفة محليا بتلقيها التمويل الاجنبي والامريكي خصوصا، اما حركة حماس في فلسطين فقد ارتضت لنفسها الدخول في "انتخابات تشريعية" والدخول في "مجلس تشريعي" وتشكيل "حكومة" ضمن اطر العملية السياسية الخاضعة للاحتلال الاسرائيلي والمؤسسة في اتفاقات اوسلو، وبدأت الآن تتحدث عن "دولة فلسطينية في حدود 67"، اي انها بدأت التعاطي مع الواقع كقوة سياسية سلطوية تريد المحافظة علي مكتسبات هزيلة (سبقتها اليه فتح منذ مدة طويلة)، بدلا من الحفاظ علي نفسها في خندق المقاومة. ثم أن الاسلام السياسي ليس مستهدفا من قبل الادارة الامريكية، المستهدف هو المقاومة تحت اي مسمي، ففي امريكا الجنوبية وجنوب شرق آسيا تأخذ المقاومة شكلا يساريا (القوات المسلحة الثورية الكولومبية، الحزب الشيوعي الفيليبيني، الحزب الشيوعي النيبالي) فتحاربها الولايات المتحدة، وفي المنطقة العربية تأخذ المقاومة شكلا اسلاميا، فتحاربها الولايات المتحدة ايضا. القاسم المشترك هو المقاومة لا الاسلام. في الواقع لا مانع لدي الولايات المتحدة من التعاطي مع اسلام معتدل، بل وربما تفضل الولايات المتحدة تسليم المنطقة للاسلاميين المعتدلين لعدة اسباب، اهمها انهم يشكلون قوة ذات امتداد شعبي واجتماعي، وهم قادرون علي التحدث مع الناس وبلغتهم، ولديهم مؤسسات اجتماعية/اقتصادية/سياسية، علي العكس تماما من الانظمة العربية الحاكمة التي ليس لديها اي شيء من هذا، ولهذا تضطرالي المنع والقمع للحفاظ علي سلطتها وبالتالي الحفاظ علي المصالح الامريكية، وهذا يولد اوضاعا قابلة للانفجار او توليد ظواهر خارج نطاق السيطرة في أي لحظة، لذا فالاسلاميون قد يكونون بديلا اكثر ذكاء واطول امدا وهذا يمكن ان يفسر لنا مقدار رعب السلطة السياسية في الاردن ومصر من الحركة الاسلامية، رغم ان هذه الاخيرة لم تتحول الي الراديكالية وما زالت تمارس انشطتها ضمن التفاهمات التقليدية. الجديد ان الانظمة بدأت تري ان بدائل انجع قد تكون في طور التشكل، وبالتالي فهي تحاول تفتيتها داخليا، فيما تخوض معركة علاقات عامة خارجية لاقناع الامريكيين ان هؤلاء الاسلاميين ليسوا معتدلين علي الاطلاق (اعتقال ومحاكمة النواب الاسلاميين الذين زاروا بيت عزاء الزرقاوي في الاردن، التأكيد المستمر علي الروابط مع حماس، خوض معارك علي قواعد اجتماعية مع قيادات الحركة الاسلامية مثل الحملة الاخيرة علي امين عام حزب جبهة العمل الاسلامي في الاردن بدعوي تهجمه علي العشائر) وبالتالي الاشكالية المزدوجة هنا ان الحركة الاسلامية المتعطشة للسلطة لا تري انه لا افق في المعادلات السياسية سوي بالخضوع للاملاءات الامريكية والاسرائيلية لأن السلطة التي تتعطش لاستلامها ذات بنية تابعة، ولعل مثال "السلطة الفلسطينية" ساطع في وضوحه، فضمن اشكال سلطوية تابعة، ليس هناك اسهل من خنق وابتزاز من يكون علي كرسي الحكم وعلي الجهة الاخري، تدفع الاجراءات التي تمارسها الانظمة لتفتيت الحركات الاسلامية المعتدلة، لنزول اجزاء من هذه الحركات تحت الارض وتوليد مجموعات وظواهر عنفية تدمر المجتمع، بل ان الانظمة ربما تتعمد هذه المسألة لأنه عندها تثبت نظريتها (الموجهة للخارج) بأن الحركات الاسلامية المعتدلة هي عنفية في جذرها ولا يمكن التفاهم معها، في حين يصبح المجتمع بحاجة للسلطة لأنه يفترض انها قادرة علي الحفاظ علي أمنه.
منذ تفجيرات " البرجين " في امريكا، ونحن نتعرض لغزوات امريكية لاحتلالنا وتغيير منظومتنا القيمية وابدالها بمنظومة القيم الامريكية ويركزون علي حرية المرأة، حرية الصحافة، ومؤسسات المجتمع المدني، ما التعليق المنطقي علي ما جري ويجري؟
- ان أول الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها الكاتب أو المحلل هو اعتبار 11 سبتمبر فاصلاً بين عهدين، أو علامة تاريخية فارقة أحدثت انقلاباً كلياً فيما بعدها. والمقارن ما بين المرحلة السابقة لسبتمبر 2001 (هجمات نيويورك وواشنطن) وما تلاها، قد لا يجد اختلافاً بيناً في نوعية السياسة الأمريكية والرأسمالية الغربية عموماً، المسألة هي مسألة كمية وحسب.
إن امريكا بصيغتها الحالية: الإمبراطورية ذات القوة الغاشمة والإيديولوجيا النيولبرالية، كانت لا شك قادمة مع أو بدون 11 سبتمبر. ولو لم تحدث هجمات 11 سبتمبر، فأغلب الظن أننا كنا سنعيش الحقبة التي تلتها، ولكن متأخرين قليلاً.
بالتالي إن ما قد يرقي إلي مستوي التحول التاريخي هو النقطة التي انتصرت عندها المنظومة الرأسمالية علي الاتحاد السوفيتي و"الكتلة الاشتراكية". وليس الإاتصار بحد ذاته هو العلامة الفارقة، بل هي التحول المطرد والمتسارع نحو التخلص من دولة الرفاه الاجتماعي و"كلفها" العالية. إن رأس المال -الباحث دائماً عن شروط تعظيم أرباحه- كان يجد عائداً استثمارياً وقائيا من دولة الرفاه ذات الضمان الاجتماعي الممتاز والتأمين الصحي الشامل، والانفاق العام كان "شراً لا بد منه" للحفاظ علي الاستقرار الداخلي، ومنع إنتقال أي عدوي من الشرق تتحدث عن عدالة اجتماعية ومساواة ومحو فوارق طبقية وتأمين احتياجات أساسية دون مقابل (مأكل، ملبس، مسكن، تعليم، صحة) وفي ظل غياب "قطب آخر"، وانحسار النشاط الاجتماعي/ السياسي لليسار الراديكالي في العالم، وغياب بديل أيديولوجي ثوري ذي حضور، أصبحت دولة "الرفاه الاجتماعي" كلفة باهظة لا مبرر لها (علي الصعيد الداخلي)، وأصبح العالم ملعباً مفتوحاً بلا منافسين (علي الصعيد الخارجي). هكذا كان علي أمريكا أن تخلع قناعها "الديمقراطي" و"المتمدن"، وترمي بإسطورة "العالم الحر" بعيداً، وتتمدد داخلياً وخارجياً، وتملأ الفراغات التي تركها "القطب" السابق.
كان علي أمريكا في هذه المرحلة أن تفكر فيما ستفعله ضمن هذه الاوضاع الجديدة، وجاءت الاجابات عن أسئلة التحول الجديد بنبذ "دولة الرفاه الاجتماعي" لإنعدام جدواها وارتفاع كلفها الاقتصادية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.
ومن ثم فهذه الحضارة "الجديدة" ليست جديدة بأي مقياس، بل هي استحضار لآليات ما قبل رأسمالية، أنها القوة الغاشمة دون رادع سوي الأرباح، وهذا لا يتناقض مع التطور التاريخي للرأسمالية في مرحلتها النيولبرالية، فالأمريكيات لا تجد غضاضة في استعمال آليات لا ترقي إلي مستوي تطورها التاريخي ما دام ذلك يخدمها في السياق العام.
هذا أحد جوانب المسألة، الجانب الآخر هو أن صقور الحرب في الإدارة الأمريكية ذوي النزعات اليمينية المتطرفة لم يولدوا من الفراغ، ولم يهبطوا بمركبات فضائية قادمين من مستودع للراديكاليين الأمريكيين علي المريخ مخصص لحالات الطواريء لقد كانوا في صلب المؤسسات الأمريكية منذ أمد طويل، وخصوصاً تلك المعنية بأحداث تغييرات خارجية، مثل مؤسسة بيت الحرية Freedom House، التي تعرف نفسها بأنها منظمة غير حكومية، تأسست عام 1941علي يد النيور روزفلت (زوجة الرئيس الأمريكي المعروف) وويندل ويلكي (منافس زوجها الخاسر في الانتخابات)، وتعني بخلق التغيرات الديمقراطية في العالم عبر إنشاء شبكات مرتبطة بها في المناطق المستهدفة، وهي كذلك تعمل من أجل "سياسة أمريكية خارجية متدخلة" Engaged، ومن أجل إدخال "إصلاحات السوق الحر"!! وإذا فككنا شيفرة الجمل المذكورة اعلاه والمستقاة من النشرات التعريفية ب Freedom House، نكتشف ان المسألة برمتها هي مسألة "تدخل" من أجل المصلحة الأمريكية. وربما لن نستغرب كثيراً إذا علمنا أنها أستهدفت بشكل رئيسي منطقة وسط وشرق أوروبا، وكان لها دور كبير في أحداث الزلزال هناك، حيث مولت ولا تزال عشرات المنظمات غير الحكومية في تلك البقعة من العالم.
إن هذه المؤسسة المهمة ذات النزعة "الديمقراطية" (المفترضة طبعاً)، تحوي في هيئة أمنائها أشخاصاً غير ديمقراطيين تماماً: دونالد رمسفيلد، بول ولفوتز، ومنظرهم الأول صامويل هانتنغتون! لقد كان هؤلاء، إضافة إلي ما يمكن أن نصنفه الآن من "المعتدلين" كبرجنسكي، طرفاً فاعلاً في البنية الاستراتيجية الأمريكية قبل أن يكونوا في صف صنع القرار الاول، وصعدوا إلي مواقع القيادة والتأثير عندما أصبح الظرف الموضوعي يستدعي وجودهم، والظرف الموضوعي هذا هو 11 سبتمبر. بهذه الصورة، تمهد "الامبراطورية" لنفسها علي المدي الاستراتيجي وإن كان انفراد قوة عظمي بالعالم يشكل مشكلة حقيقية، فإن هذه المشكلة تتحول إلي كابوس مرعب إذا كانت هذه القوة أمريكا بأيديولوجيا نيولبيرالية، ولا تلتفت إلي شيء سوي الأرباح والأسواق والنفط، ويصنع قرارها مديري الشركات العملاقة بعد أن تحولوا الي سياسيين تثبت لنا الحقائق حجم تمثيل مديري الشركات الكبري في الإدارة الأمريكية الحالية (بعضهم ترك موقعه)، فالباحث عن تاريخ اعضاء الادارة الامريكية في موسوعة "ويكيبيديا" علي الانترنت يجد التالي: الرئيس دبليو بوش هو المدير السابق لشركة "هاركين" للنفط؛ نائب الرئيس ديك تشيني هو الرئيس السابق لشركة "هاليبيرتون" للنفط؛ وزير الدفاع السابق دونالد رمسفيلد هو المدير السابق لشركتي "جنرال أنسترومنتس" الصناعية و"سيرل" الصيدلانية؛ وزير الدفاع الحالي روبرت غيتس كان عضو مجلس أمناء شركة "فيديلتي" للاستثمارات، وعضو مجالس ادارات الشركات التالية: NACCO الصناعية، شركة برنكر الدولية، شركة باركر للتنقيبات، شركة التطبيقات العلمية الدولية؛ وزير الخزانة السابق بول أونيل هو المدير السابق لشركة "الكوا"؛ وزير الخزانة الذي تلاه جون سنو هو رئيس سابق لشركة CSX؛ وزير التجارة السابق دون إيفانز هو المدير السابق لشركة "توم براون" للنفط؛ وزير الخزانة الحالي هنري بالسون هو رئيس سابق ل"جولدمان ساكس"، رئيس موظفي البيت الأبيض السابق أندرو كارد هو الرئيس السابق لجمعية مصنعي المركبات الامريكيين؛ وزير الجيش السابق توماس وايت هو مدير سابق في شركة "أنرون" للطاقة؛ وزير الجيش الذي تلاه فرانسيس هارفي هو رئيس سابق لمجموعةIT المتخصصة بالتعهدات الدفاعية؛ وزير القوات الجوية السابق جايمس روش هو مدير سابق في شركة "نورثروب غرومان"؛ غوردون أنغلند وزير البحرية السابق ونائب وزير الدفاع الحالي هو رئيس سابق لشركتي جنرال داينامكس ولوكهيد، اما وزير البحرية الحالي دونالد ونتر فهو مدير كبير سابق في شركة "نورثروب غرومان"!!!
كل هؤلاء من أقطاب الشركات، ومنهم عدد لا بأس به من المديرين السابقين لشركات النفط والطاقة، وذوي علاقة عضوية بالمجمع الصناعي-الحربي الأمريكي، إلي الدرجة التي دعت شركة "شيفرون" للنفط لإطلاق اسم "كوندوليزا رايس" علي إحدي ناقلاتها النفطية! ويوم 11 سبتمبر، حانت ساعة "إعادة التنظيم الكبيرة" علي المستويين الداخلي والخارجي، داخلياً: فصل العمال من وظائفهم، ودخلت قوانين وإجراءات قمعية جديدة حيز التنفيذ، ودخل الاقتصاد المنهار دورة جديدة لصالح شركات النفط والسلاح. أما خارجياً: فقد رأت أمريكا أن الوضع بات مناسباً لحسم سيادتها علي العالم نهائياً، خصوصاً في وجه مراكز امبريالية صاعدة ومنافسة كأوروبا والصين، هذا الحسم لن يأتي إلا بالسيطرة علي النفط سيطرة تامة بدأت بحرب الخليج الثانية، وتستمر الآن بزخم متسارع جداً منذ 11 سبتمبر بالسيطرة علي نفط حوض قزوين، والاحتلال الذي يزكم الانف برائحة النفط في العراق، والجاثم الي جوار احتياطات اخري كبيرة في الكويت والسعودية وايران. كما أكملت أمريكا حلقتها النارية الضاربة حول العالم، فهي، إضافة إلي أساطيلها البحرية المتنقلة، تملك قواعد في أوروبا، الجزيرة العربية، وسط آسيا، كوريا، واليابان، معطية لنفسها قوة النار والمرونة الكافيتين لضرب أي دولة "مارقة" أو تنظيم "ارهابي". حتي منظري الحقبة الامريكية الحالية، صامويل هنتنجتون وفرانسيس فوكوياما، رغم اختلافهما المنهجي، إلا أنهما يتفقان مع ما عرضناه سابقاً من أن 11 سبتمبر هو حدث في التاريخ لا انقلاب فيه. فهنتنجتون- مستبطناً صراع الحضارات الخاص به طبعاً- يري أن ما يمكن أن يشار إليه كعلامة تاريخية هو "عصر الحروب الإسلامية" التي "بدأت عندما كانت الحرب الباردة تنتهي في الثمانينيات من القرن الماضي" (راجع مقالة: "عصر الحروب الإسلامية" في مجلة نيوزويك، عدد دافوس الخاص، ديسمبر 2001 - فبراير2002). أما فوكوياما فيتساءل عن 11 سبتمبر: "ما الذي يحصل هنا؟ هل سنشهد بداية لعقود طويلة من "صدام الحضارات" واضعة الغرب في مواجهة الإسلام؟î منذ ما يزيد علي عشر سنوات، قلت إننا وصلنا نهاية التاريخî هذه النظرية تظل صحيحة، إن هجمات 11 سبتمبر تمثل - فقط - حركة ارتجاعية عنيفة يائسة ضد العالم الحديث".(أنظر مقالته: "هدفهم: العالم الحديث" في عدد نيوزويك السابق الذكر).
هكذا إذاً، يتفق المنظران الرئيسيان لحقبة النيولبرالية المتوحشة: ان نقطة الارتكاز التاريخية هي نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي، أما 11 سبتمبر فهي "حركة ارتجاعية يائسة" كما يراها فوكويوما، أو، برأي هنتنجتون، فإن "الحرب الجديدة، كما يسمي مسؤولي الإدارة العنف الذي بدأ في 11 سبتمبر، هو ليس جديداً علي الإطلاق. انه إستكمال وتصعيد لأنماط سابقة من العنف تورط فيها المسلمون"، أي الأمريكيون، إذا فككنا شيفرة هنتنجتون السحرية! وهكذا، لنحلل بصورة أكثر صواباً، ولنضع 11 سبتمبر في سياق صحيح، نعيد قراءة جمل فوكوياما وهنتنجتون الأخيرة كما يلي: إن هجمات 11 سبتمبر تمثل حركة ارتجاعية عنيفة يائسة ضد الهيمنة الأمريكية المتوحشة المتمثلة بالولايات المتحدة. و"الحرب الجديدة" أو الحرب ضد "الإرهاب"، ليست جديدة علي الإطلاق، بل هي استكمال وتصعيد لأنماط سابقة من العنف تورط فيها الأمريكيون في سياق الهيمنة الأمريكية علي العالم، وخدمت احداث 11 سبتمبر كذريعة لها الحرب ضد "الإرهاب" هي حرب نفط وأرباح وهيمنة بامتياز، لا حرب ديانات ولا صراع حضارات، وهي حرب بدأت فعليا منذ بدايات انهيار الاتحاد السوفييتي وصعود الرأسمالية النيولبرالية أوائل الثمانينيات، حين تراجع المفهوم الكينزي في الاقتصاد لصالح اطلاق الحرية الكاملة للسوق كما نظر لها فريدرش فون هايك وطبقها رونالد ريغان في الولايات المتحدة ومارغريت تاتشر في بريطانيا. أما 11 سبتمبر 2001 فهو الدليل الساطع علي كفاءة الأمريكيات في استخدام الاحداث، والخداع، ونثر النظريات المضللة لأسس الصراع بما يوافق هوي المتلقي، فتتحول مقاومة الأمريكية من فعل تراكمي ايجابي الي دوران في المكان بقصد البقاء لا أكثر. |