التعذيب الوحشي .. ملف مستفز وفاضح
- عندما يتحول الأمن القومي لفزاعة تبرر الجرائم..
- القطب القانوني في إدارة بوش يعلن:" سنعطي القانون إجازة "!!.
- وقطب آخر يصدر كتاباً للحديث عن ترزية القوانين في أمريكا!.
- التعذيب بأوامر الرئيس وحماية الضباط من ملاحقة القضاء..
يفتح الملف:حسام ابراهيم .."وقع السياط علي الظهور أشد من وقع القدر..والحس في هذا الوجود جريمة لاتغتفر "!!..كأن الشاعرة العراقية الراحلة نازك الملائكة قرأت مأساة أبو غريب وهي تبدع منذ سنوات بعيدة قصيدتها الباكية "سياط وأصداء"!!..ومن بين تلال الكتابات بعد خمس سنوات علي الغزو الأمريكي للعراق تبدو مسألة التعذيب ظاهرة بارزة..الجديد هذا العام شكوي صغار الجلادين والحراس في سجن ابو غريب من إدارة بوش ومحاولة الدفاع عن انفسهم!..تقول سابرينا هارمان التي تطوعت بالجيش الأمريكي والتقطت مئات الصور من داخل سجن ابو غريب في مقابلة مع مجلة نيويوركر أن أحدا في البنتاجون لم يكترث بأن مايحدث من تعذيب داخل هذا السجن الممتد علي مساحة 280 فدانا لايتعارض فحسب مع معاهدات جنيف وانما يشكل أيضا انتهاكاً جسيما للقانون الأمريكي بل ويتعارض مع الأساس النظري للعقيدة العسكرية الأمريكية..هنا في هذا السجن الذي تمتد جدرانه علي مسافة ميلين ونصف الميل واحيط ب24 برجا للحراسة ارتكبت فظائع ضد آلاف المعتقلين مثل التي شهدتها العصور الوسطي أو المعتقلات الهتلرية.
سابرينا هارمان أتهمت بارتكاب جرائم تعذيب في سجن ابو غريب لكنها تؤكد ان الجيش الأمريكي اتهمها ظلما بهذه الجرائم بعد اكتشاف الصور التي التقطتها داخل السجن حيث ترمح الكلاب المسعورة!!.. تقول سابرينا: ادانتني محكمة عسكرية في شهر مايو عام 2005 في عدة اتهامات من بينها اساءة معاملة المعتقلين وقضيت ستة أشهر في السجن ومع انني رأيت بأم عيني محققا بالمخابرات المركزية الأمريكية يقتل أمامي معتقلا عراقيا يدعي مناضل الجمادي دون ان يحدث أي شيء لهذا المحقق أو ينسب له أي اتهام بينما لوث طبيب السجن شرف المهنة باصدار شهادة يقول فيها ان المعتقل مات منتحرا!.
من بين الصور التي التقطتها سابرينا هارمان بعض صور لمناضل هو أحد ضحايا ابو غريب..
الوضع ذاته ينطبق علي جلاد آخر من جلادي سجن ابو غريب هو السيرجنت جافال ديفيز بالوحدة 372 التابعة للشرطة العسكرية الأمريكية والتي كلفت بحراسة سجن ابو غريب.. ادين مثلما ادينت سابرينا هارمان لكنه يؤكد ان كل المجرمين الكبار افلتوا من أي عقاب ويقول :"هذا مكان لم يكن يخطر علي ذهني ان نرسل له أي شخص حتي لو كان اسوأ اعدائنا.. ولأول وهلة صدمت عندما رأيت كل المعتقلين عرايا ثم تراجعت الصدمة بفعل صدمات جديدة لأبشع انواع التعذيب التي أودت بأرواح معتقلين".
التعذيب في سجن ابو غريب سياسة من سياسات الإدارة الأمريكية الحالية رغم كل الضجيج الذي ثار حول محاسبة القائمين بتعذيب المعتقلين.. انها توجيهات الإدارة وليست مجرد اخطاء أو تجاوزات فردية..هؤلاء الذين اتهموا بالتعذيب كانوا ينفذون توجيهات رسمية كما يؤكدون الآن..ولأنها سياسة عامة فلن تجد فارقا بين مايحدث في جوانتنامو ومايحدث في ابو غريب..وهكذا أيضا يتحول شخص مثل الكابتن جيمس يي من نموذج "للولد الطيب المسلم" كما وصفه جنرالات البنتاجون إلي ارهابي..كل ذلك لأنه رفض التعذيب وانتهاك حقوق الانسان..ماذا حدث للضابط الأمريكي جيمس يي في قاعدة بن بوش للتعذيب بجوانتنامو؟!.
كثير من الاهوال...
قبل يوم واحد من الذكري السنوية الثانية لاحداث 11 سبتمبر وجد الكابتن جيمس يي نفسه محاطا برجال من إدارة التحريات العسكرية وضعوه في الحبس الانفرادي وبعد خمسة أيام قدموا له مذكرة وقعها الجنرال ميللر تتهمه بالتجسس وتزعم انه علي صلة وثيقة بأشخاص معروفين بتعاطفهم مع الارهاب كما انه اخفي وثائق سرية في مقر اقامته بجوانتنامو مع تذكرة سفر إلي لندن مما يوحي بأنه كان يستعد للفرار خارج البلاد..فيما بعد ثبت ان هذه الادعاءات لا أساس لها من الصحة جملة وتفصيلا لكنهم اذاقوه الكثير من الاهوال..لم يكتفوا بتكبيله بالاصفاد والسلاسل وانما جردوه من كل ملابسه بحجة التفتيش الذاتي ووضعوا سدادات في اذنيه وعصابة سوداء علي عينيه..وبعد شهر من اعتقاله ابلغوه بأن قضيته اغلقت لا بسبب براءته وإنما لافتقار ممثلي الادعاء العسكري للمعلومات الكافية لتوجيه الاتهامات رسميا والاستمرار في القضية!.
حتي اسرته حاولوا ان يدمروها وان يفرقوا بين الكابتن جيمس يي وزوجته!..كانت الزوجة الفلسطينية الاصل قد عادت من سوريا لتقف بجوار زوجها في محنته فزارتها محققة من البنتاجون وقدمت لها صورا لجيمس يي مع سيدة أخري مدعية ان بينهما علاقة غرامية!..وبعد انهيار القضية راحت إدارة جورج بوش تتحدث عن "ادلة بحوزة الادعاء لايمكن كشفها لاعتبارات تتعلق بالأمن القومي"!..هذه إدارة لاتكل ولاتمل من استخدام "فزاعة الأمن القومي" لتبرير عدوانها علي حقوق الانسان وكرامة المواطن الامريكي.
مثلا بعد ان كشفت صحيفة نيويورك تايمز النقاب عن ان الرئيس جورج بوش سمح لوكالة الامن القومي بالتنصت علي مكالمات هاتفية لأمريكيين دون الحصول علي اذن قضائي وهو مايشكل انتهاكا للقانون الجنائي في الولايات المتحدة-اعتبرت الإدارة ان هذا البرنامج للتنصت يدخل في نطاق أسرار الدولة وذهبت إلي ان حماية هذه الاسرار تتطلب رفض أي دعاوي قضائية تطعن في شرعية البرنامج!.
بسبب هذه السرية فأن ماعرف عن دافيد ادينجتون وسياسات التعذيب التي يتبناها جاء بالضرورة من اشخاص آخرين مثل جاك جولدسميث الذي عمل من قبل في إدارة بوش فيما يعمل الآن استاذا للقانون بجامعة هارفارد وهو ذاته مؤلف كتاب "رئاسة الارهاب: القانون والقضاء في إدارة بوش"..هذا الكتاب يتضمن بين دفتيه وبصورة خلابة يوميات وذكريات للفترة القصيرة التي قضاها جاك جولدسميث كرئيس لمكتب الاستشارات القانونية بوزارة العدل تحت رئاسة المدعي العام جون اشكروفت.. يتحدث جولد سميث عن الصراعات بينه وبين ادينجتون والتي انتهت بخروجه من منصبه بعد تسعة اشهر فقط قضاها في هذا المنصب اعتبارا من شهر اكتوبر عام 2003 وهو يكشف عن ان صراعاته مع ادينجتون منذ الأسابيع الأولي لدخوله وزارة العدل.
معاهدات جنيف والعراق...
بدأت الصراعات بمجرد ان ابلغ جولد سميث السيد ادينجتون بأنه انتهي بعد دراسة قانونية إلي ان معاهدات جنيف تنسحب علي كل العراقيين داخل العراق وتوفر لهم الحماية بما فيهم هؤلاء المشتبه في كونهم من الارهابيين..اعترض ادينجتون علي هذا الرأي لأن الرئيس جورج بوش يري انه لايجوز تمتع "ارهابيين" بأي حماية تمنحها معاهدات جنيف..قال دافيد ادينجتون:"هذا قرار الرئيس ولايجوز لك ان تعترض عليه".. وعندما رأي جولدسميث ان برنامج المراقبة الذي تباشره وكالة الأمن القومي غير مشروع رد عليه ادينجتون: "إذا كنت تفكر بهذه الطريقة فان دماء مئات الآلاف من البشر الذين سيهلكون في الهجوم القادم ستكون في رقبتك"!.
وفي سياق نقاش جري بين الرجلين حول ما إذا كان من المتوجب ان تجري عمليات المراقبة والتنصت علي الاتصالات بمقتضي اذن قضائي كما ينص علي ذلك قانون الرقابة الاستخبارية الخارجية - قال ادينجتون متفاخرا:"اننا سنعطي هذا القانون البغيض اجازة"!.. ولما اوصي جولد سميث وبعض كبار المسؤولين في وزارة العدل بالذهاب إلي الكونجرس لاضفاء الشرعية علي برنامج الاحتجاز في قاعدة جوانتنامو-تساءل ادينجتون باستنكار:"لماذا تحاولون الانتقاص من صلاحيات الرئيس؟".
راح ادينجتون يشدد علي ان "الإدارة ستضغط.. وتضغط.. وتضغط حتي تجد قوة أكبر توقفها" ولم يخف ان هذه هي الاستراتيجية العامة لإدارة جورج بوش!.. يقول جاك جولدسميث في كتابه ان ادينجتون وتشيني اختصرا السلطة التنفيذية في كونها "صلاحيات لايجوز وضع قيود تكبلها" ورفضا كل الجهود والمحاولات لممارسة هذه السلطة عبر الاقناع والتشاور وبناء اجماع وطني وتوافق عام..فنائب الرئيس الأمريكي ورجل القانون الأكثر اهمية ونفوذا في إدارة بوش يعتبر ان مثل هذه المبادرات اظهارا للضعف ومن ثم فقد اشهرا الأسلحة لاطلاق النار علي أي قانون يشكل في نظرهما قيودا علي حركة السلطة التنفيذية وتصرفاتها.
هكذا تعامل ادينجتون وتشيني مع قانون الرقابة الاستخبارية بالطريقة ذاتها التي يتعاملان بها مع القوانين الأخري التي ينفران منها وراحا يتحايلان سرا علي هذه القوانين عبر حجج قانونية وتخريجات وتأويلات لنصوص التشريعات بحيث تشكل غطاء قانونيا لانتهاك القانون واستمرار العمليات التي تتنافي في الحقيقة مع جوهر القانون وروحه!.. لم يسمح دافيد ادينجتون حتي للمستشار القانوني لوكالة الأمن القومي بالاطلاع علي الحجج التي تستهدف توفير غطاء قانوني لعمليات التجسس التي تمارسها الوكالة وتتنافي مع القانون.. وعندما احتج مسؤولون اخرون بأن هذا النهج من السياسات كفيل بالحاق اضرار بصورة الولايات المتحدة عند حلفائها رد ادينجتون باشمئزاز كما يتذكر جولد سميث وقال بغطرسة:"هؤلاء الحلفاء لاوزن لهم"!.
الرواية التي يطرحها جولد سميث تحظي بأهمية وصدقية ليس فقط لأنه شاهد من داخل الإدارة الأمريكية علي ماحدث ويحدث وليس لأنه شغل موقعا قانونيا هاما داخل هذه الإدارة ولكن لأنه أيضا-وتلك مسألة هامة بقدر ماهي غريبة-يشارك ادينجتون الكثير من الاراء ووجهات النظر كما انه مثل زميله جون يو في كلية يال للقانون والذي كان صديقا يوما ما وشغل بدوره منصبا هاما في مكتب الاستشارات القانونية بوزارة العدل وعمل عن قرب مع دافيد ادينجتون لتبرير أكثر اراء الإدارة تطرفا حول ضرورة استخدام القوة المنفردة..كل هذا صحيح والصحيح أيضا ان جاك جولد سميث بني شهرته وصنع اسمه كحجة وعلامة في عالم الدراسات القانونية عبر العديد من الدراسات والمقالات المنشورة التي ابدي فيها شكوكا عميقة بشأن القانون الدولي وحقوق الانسان والمؤسسات والمنظمات الدولية!.
سلاح الضعفاء!!.
عندما كان جولد سميث يعمل بإدارة الاستشارات القانونية في البنتاجون كتب مذكرة لدونالد رامسفيلد وزير الدفاع حينئذ يظهر فيها ازدراء للقانون الدولي بوصفه "سلاح الضعفاء"!..كما اتهم دولا ومنظمات غير حكومية باستحداث" شبكة من القوانين الدولية والمؤسسات القانونية التي باتت تشكل خطرا علي المصالح الأمريكية " واوصي بأن تجابه الولايات المتحدة هذا الخطر!..بل ان جاك جولد سميث لايقل عن ادينجتون انتقادا للكوابح والقيود والضوابط القانونية في الداخل الأمريكي وهاهو في هذا الكتاب يصف القيود القانونية التي فرضت بعد فضيحة "ووتر جيت" الشهيرة في منتصف السبعينيات من القرن الماضي والتي اطاحت بالرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون تماما مثلما يري ادينجتون وتشيني بأنها "كانت من أهم العوائق التي اعترضت رد إدارة جورج بوش علي هجمات 11 سبتمبر"..كيف وصل اذن جولد سميث ودافيد ادينجتون وهما اثنان من اقطاب ومشاهير فقهاء القانون في أمريكا وبينهما كل هذه الاراء المشتركة واوجه التشابه إلي هذه المواجهة؟!.
في السرد الجديد لجولد سميث فان الامر يرجع إلي انه مخلص للقانون والعدالة اكثر من اخلاصه لشخص الرئيس وهو ليس علي استعداد للتحول إلي احد ترزية القوانين والتحايل علي القانون عند كل منعطف من اجل اضفاء شرعية علي رغبات الإدارة وتمرير ماتريده حتي لو كان يتعارض مع القانون والعدالة..وهو بحكم موقعه الخطير كرئيس لمكتب الاستشارات القانونية بوزارة العدل كان أول من شكل تحديا خطيرا للتيار الغالب داخل إدارة بوش والذي يتمسك بسلطة لاتكبحها كوابح ولاتعرقلها قيود.
لم يكن بمقدور إدارة بوش تجاهل اعتراضات جولد سميث مثلما حدث مع شخصيات اخري لأنه ببساطة كرئيس لمكتب الاستشارات القانونية بوزارة العدل هو الرجل الذي يرأس الجهة المكلفة داخل السلطة التنفيذية بتفسير القوانين الفيدرالية في الولايات المتحدة وتأسيسا علي ذلك فاذا مارأي مكتب الاستشارات القانونية بوزارة العدل ان برنامج إدارة بوش لمكافحة الارهاب مشروع ولايخالف القانون فان هؤلاء المكلفين بتنفيذ البرنامج لابد وان يشعروا بالطمأنينة بأن احدا لن يكون في مقدوره مقاضاتهم بتهمة انتهاك القوانين الفيدرالية..انها الجهة المسؤولة عن الفتاوي القانونية داخل الإدارة الأمريكية أو كما وصفها جولد سميث "الجهة التي تطلق الضوء الأخضر لرجال السلطة التنفيذية بالتحرك والعمل مع ضمانة راسخة بأنهم لن يدخلوا السجن".
ولأن البيت الأبيض يعرف انه تخطي مرارا وتجاوز كثيرا الحدود التي وضعها القانون الجنائي بشأن جرائم الحرب والتعذيب والتنصت فقد كان لابد وان ينزعج من موقف رئيس مكتب الاستشارات القانونية بوزارة العدل وان يعتبر معارضة جولد سميث غير مقبولة بأي حال من الأحوال..انه الرجل الذي سرعان ماأظهر بعد تعيينه في هذا المنصب يوم السادس من اكتوبر 2003 استعداده لأن يقول "لا" خلافا لما كان عليه سلفه جاي بايبي..لقد اصطدم جولد سميث كثيرا بإدارة بوش واختلف معها واكد علي سبيل المثال ان معاهدات جنيف تحمي المدنيين العراقيين ليثير غضب ادينجتون.
وفي مطلع عام 2004 استقر رأي جولد سميث علي ان برنامج التجسس لوكالة الأمن القومي يشكل انتهاكا لقانون الرقابة الاستخبارية الذي يحظر التنصت دون اذن قضائي علي المكالمات الهاتفية والمراقبة الالكترونية للمواطنين الأمريكيين والأشخاص الحاصلين علي حق الاقامة الدائمة في الولايات المتحدة فيما اتفق معه في هذا الرأي القانوني المدعي العام جون اشكروفت ونائبه جيمس كومي ومدير المباحث الفيدرالية روبرت موللر.
مذكرة شنيعة...
وفي شهر يونيو عام 2004 قام جاك جولد سميث بسحب المذكرة الشنيعة لوزارة العدل حول التعذيب والتي كان قد اعدها الخبير التشريعي وأستاذ القانون جون يو في شهر اغسطس 2002 بناء علي طلب البرتو جونزاليز.. هذه المذكرة في الواقع تسمح لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية "سي اي ايه" باستخدام اساليب استجواب عنيفة مثل ضرب الرأس وصفع الوجه والتغطيس في الماء والايهام بالاغراق والحرمان من النوم والوقوف لوقت طويل في اوضاع صعبة والتعرض بصورة متعاقبة لمصادر حرارة شديدة وبرد رهيب فيما تسعي لاقناع ضباط المخابرات بأنهم لن يتعرضوا لأي ملاحقة قضائية رغم استخدامهم لهذه الأساليب التي تنتهك مواد القانون الجنائي الأمريكي بشأن التعذيب!.
قال جاك جولد سميث:انتهي رأي إدارة الاستشارات القانونية بوزارة العدل إلي ان الرسالة التي تحملها هذه المذكرة الشنيعة التي صدرت يوم الأول من اغسطس 2002 هي رسالة واضحة لضباط المخابرات وفحواها:بمقدوركم استخدام اساليب عنيفة دون ان يعني ذلك بالضرورة انها اساليب تعذيب وحتي لو اقترفتم اعمال تعذيب فستجدون حماية بل ولكم ان تتأكدوا انه إذا غابت الحماية الظاهرة فان قانون التعذيب لاينطبق عليكم طالما انكم تعملون بمقتضي سلطات رئاسية وبموجب تفويض الرئيس..محققو وكالة المخابرات المركزية وهؤلاء الذين يشرفون عليهم ويتعرضون لضغوط للحصول علي معلومات للحيلولة دون وقوع هجمات جديدة علي أمريكا وجدوا في هذه المذكرة القانونية "درعا ذهبيا" وكما قال احد ضباط "السي اي ايه" فيما بعد فان المذكرة قوبلت بينهم بفرحة غامرة.
لم يصل جولد سميث لهذا الرأي المعارض بسهولة أو بخفة..فمن وجهة نظره يتوجب علي إدارة الاستشارات القانونية بوزارة العدل ان توافق علي أي تصرفات أو اجراءات لرئيس الدولة طالما ان هناك حججا قانونية معقولة وكافية للدفاع عن هذه التصرفات والاجراءات..وهكذا فان السياق يظهر بوضوح ان رجل القانون الذي يسعي للدفاع عن الرئيس جورج بوش وتبرير اجراءاته لم يجد أي حجج قانونية معقولة تمكنه من اداء واجبه وهذا السياق يكشف أيضا عن نوعية رجال قانون اخرين مثل دافيد ادينجتون..وقد استحق جاك جولد سميث رغم ملاحظات ومآخذ عديدة ماحظي به من اشادة واسعة علي موقفه الشجاع والمناهض لسلطة تنفيذية لاتقيدها قيود ولاتضبطها ضوابط وهو موقف له ثمنه سواء علي المستوي الشخصي أو المهني.
وعلي سبيل المثال فان صديقه القانوني جون يو قاطعه تماما بسبب هذا الموقف اما قانوني اخر هو باتريك فيلبين الذي احتفظ بصداقته مع جولد سميث وايد موقفه في إدارة الاستشارات القانونية فقد حرم من منصب هام كان قد رشح له في الإدارة..فإدارة الرئيس جورج بوش لاتحب "الرجل الذي يقول لا"!..كل ذلك رغم ان الخلافات بين جولد سميث وادينجتون هي خلافات في الدرجة والأسلوب وليس النوع والجوهر فجاك جولد سميث قلما وجه انتقادات للسياسات العنيفة للإدارة وتكتيكات الاستجواب التي تنتهجها وكالة المخابرات المركزية أو اخفاء المحتجزين في سجون سرية فضلا عن المحاكم العسكرية والظروف القاسية للمعتقلين في قاعدة جوانتنامو..فهو لايعترض علي هذه الاجراءات القاسية في حد ذاتها وانما يري انه من الأنسب ومن دواعي الفطنة والكياسة الحصول علي تفويض تشريعي من الكونجرس ليكون غطاء قانونيا لتلك الاجراءات!.
أسوأ من الشر!!.
لم يفلح جولد سميث في منع عمليات التعذيب بموجب مذكرة جون يو والتي تسمح بكل انواع التعذيب باستثناء القتل وهي المذكرة التي وصفها القاضي مايكل ميوكاسي في جلسة استماع اثناء ترشيحه لمنصب المدعي العام بأنها "اسوأ من الشر"..انها المذكرة التي اسست لعمليات التعذيب والتنكيل والاذلال بل والقتل في سجن ابو غريب وهنا فان البعض ينتقد جولد سميث بشدة لأنه لم يحاول التأكد من حظر استخدام التكتيكات التي اباحتها هذه المذكرة الشنيعة حقا..والقاضي مايكل ميوكاسي ذاته راوغ في الاجابة عما إذا كان اسلوب ايهام المعتقلين بالغرق يدخل في نطاق التعذيب المحظور ام لا!!..والمعني المباشر لمواقف رجال قانون مثل جولدسميث وميوكاسي ان المخابرات الأمريكية استمرت في انتهاج هذه الأساليب الوحشية من ايهام المعتقلين بالغرق لحرمانهم من النوم وصفعهم علي الوجوه وضرب رؤوسهم وارغامهم علي الوقوف لساعات طويلة في اوضاع بالغة الصعوبة.
وقف القانون عاجزا امام إدارة متهورة تندفع مهتاجة ومتعطشة للانتقام من هجمات 11 سبتمبر 2001 وهي مستعدة للاعتداء علي صلاحيات السلطتين التشريعية والقضائية وهذا ماحدث بالفعل..هذا مايخرج به المرء من شهادة جولد سميث في كتاب "رئاسة الارهاب" ويلاحظ الكاتب دافيد كول ان إدارة بوش رفضت حتي توفير غطاء قانوني مناسب لهذا الانتقام مثلما كان يريد رجل مثل جاك جولد سميث..اليست مآساة ان يصل الأمر في أمريكا إلي حد تمني مسؤولين كبار في الإدارة ان يكون في مقدورهم اعطاء القانون اجازة؟!..فالإدارة تنظر للقانون باعتباره خصما يعرقل خطواتها!..ولم يكن ذلك علي خطورته كل مافي الأمر.
انما الأخطر كما يقول جولد سميث ان هذا الوضع دفع بمسؤولين في إدارة جورج بوش للشعور بعداء سافر وشخصي للقانون لأنهم ادركوا انهم قد يجدوا انفسهم وراء القضبان لارتكابهم افعالا باسم حماية الأمن القومي وهم يعرفون تماما انها مؤثمة ويعاقب عليها القانون!.
وفي عالم مابعد 11 سبتمبر 2001 قاد ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي التيار الداعي للتخلص من "عقدة ووتر جيت" والعودة لمنح صلاحيات واسعة للرئيس حتي يتمكن بنجاح من إدارة الحرب علي الارهاب!.. ومن بين القوانين التي يري هذا الفريق ان هناك حاجة لاعادة النظر فيها ذلك القانون الامريكي الخاص بجرائم الحرب والذي يعتبر ان انتهاك بنود محددة لمعاهدات جنيف فضلا عن قانون الاستخبارات الذي يشترط الحصول علي اذن قضائي للتنصت علي الاتصالات الهاتفية للمواطنين الأمريكيين والأشخاص الحاصلين علي اقامات دائمة في الولايات المتحدة..السؤال الكبير هنا:هل يقف القانون بالفعل عائقا امام مكافحة الارهاب كما يعتقد رجال مثل بوش وتشيني وادينجتون؟!.
فريق بوش-تشيني-ادينجتون يري بالفعل ان القانون يحد من الخيارات والبدائل المطروحة في محاربة الارهاب ولكنها رؤية يعتريها العوار حقا فمثلا القانون المنظم لأنشطة الأستخبارات لايحظر التنصت وكل مافي الأمر انه يشترط الحصول علي اذن قضائي لضمان الجدية وعدم انتهاك حرمات البشر وخصوصياتهم بلا مبرر تماما كما أن القانون الخاص بحظر التعذيب لايمنع استجواب أي متهم بأي أسلوب شريطة عدم تعذيب المتهم لأنه ببساطة قد يكون بريئا ثم ان التعذيب في حد ذاته جريمة لاتبررها أي أفعال اقترفها شخص ما وهي جريمة تولد المزيد من الجرائم وليست التجربة النازية ببعيدة عن الأذهان!.. وعبرة التاريخ تقول ان الملتزمين بالقانون وشرائع الانسانية ينتصرون في نهاية المطاف بينما الهزيمة مكتوبة علي كل الطغاة.
مضت إدارة الرئيس جورج بوش بعيدا علي طريق من شأنه ان يحول بقية العالم الي اعداء لأمريكا وترددت اصوات داخل الادارة في واشنطن تطالب "باعادة تعريف التعذيب" كسبيل للافلات من المسائلة القانونية عن جرائم تعذيب ارتكبت بذريعة محاربة الارهاب وحتي يتسني لها الاستمرار في ممارسة التعذيب..نعم المقصود ازاحة القانون او "القوة الكبري" التي تضع قيودا علي تنفيذ الشعار الغريب بعد احداث 11 سبتمبر "اضرب..اضرب..اضرب"!...
شعار الزمن الأمريكي الرديء وادارة لم تقرأ التاريخ جيدا ولم تفهم عبره!. |