آخر تحديث: الثلاثاء1/4/2008 م، الساعة 02:03 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
الصفحة الرئيسية /دراسات
إرسال المقال طباعة المقال
في دراسة للمحامي الأردني مجلي نصراوين عضو القيادة القومية لحزب البعث (3):

في دراسة للمحامي الأردني مجلي نصراوين عضو القيادة القومية لحزب البعث (3):
حزب البعث لم يكن يملك إلا شعارات عامة خالية من المضمون


- عمان أسعد العزوني:في الجزء الثالث من الدراسة التي أعدها عضو القيادة القومية لحزب البعث المحامي الأردني مجلي نصراوين حول الأسباب التي ادت الي سقوط حركة 23 شباط في سوريا عام 1970 يركز علي أسباب ذاتية بقوله انه ما كان للأسباب الموضوعية أن تؤدي مفعولها ما دامت هي خارج إطار الحزب، لو لم تجد داخل الحزب العامل المساعد والذي من خلاله توجه ضربتها.مضيفا أن الأسباب الذاتية ليست مقطوعة الجذور عن الماضي. فبالإضافة إلي التراث الثوري المشرق الذي ورثه الحزب من ذلك الماضي، فقد حمل في الوقت نفسه إرثا كبيرا من النواقص الجوهرية والأخطاء والسلبيات قبل وبعد وصوله إلي السلطة ليس من المقصود ان نخترع أو نضخم الأخطاء ونعزلها عن ظروفها التاريخية إمعاناً في جلد النفس أو استرضاء بعض القوي المتحاملة علي الحزب كما انه ليس من المقصود إخفاء النواقص والأخطاء أو تقزيمها والتهرب من المسؤولية التاريخية بإلقاء أسباب فقدان الحزب السلطة علي القوي الخارجية المعادية.

وبين أن تسليط الضوء علي العامل الذاتي بالنسبة لحزبنا يحتاج إلي قوة مضاعفة واستثنائية وشجاعة أدبية لمواجهة السلبيات والأخطاء بغية تجاوزها ووضع الضمانات الأكيدة لعدم تكرارها وسد الثغرات التي اعترت مسيرتنا، لكي يصبح حزبنا فصيلاً رئيساً من فصائل حركة التحرر الوطني العربية مؤهلاً لتحقيق أهداف القومية في الوحدة والحرية الاشتراكية.

الغموض النظري

وقال أن نقطة الضعف الأساسية التي عاني منها الحزب هي عدم امتلاكه النظرية العلمية الكاملة التي تنير طريقه وتساعده في تحديد الأهداف المرحلية والنهائية بدقة اكبر وفي ضبط المستلزمات المادية والشروط الموضوعية والذاتية لتحقيق تلك الأهداف وعلي بناء الأداة الثورية الملائمة لمواجهة وحل المهام والمشاكل العديدة المستجدة المطروحة علي الحزب والسلطة (إذ لا حزب ثوري بدون نظرية ثورية).

فالحزب في بداياته لم يكن يملك إلا الشعارات العامة دون أن يعطي المضامين لتلك الشعارات. فالوحدة والحرية والاشتراكية بقيت في المرحلة التبشيرية كامتداد للمرحلة الرومانسية في الفكر القومي. وقد تجلي هذا الضعف من خلال مشاركة الحزب في السلطة في اكثر من بلد عربي دون أن يمتلك برنامجاً سياسياً واقتصادياً يسعي لتطبيقه في الحدود التي تسمح به المشاركة في الحكم، إلا بعض الشعارات السياسية المرحلية.

وعندما واجه الحزب الواقع الموضوعي من خلال استلامه السلطة في كل من سورية والعراق في عام 1963 كان المطلوب منه أن يضع دليلاً يستهدي به في حل المعضلات التي يواجهها والتي يفرضها الواقع العملي، وهكذا وضع المؤتمر القومي السادس من تشرين أول 1963 بعض المنطلقات النظرية لسد الثغرة في البناء الأيديولوجي للحزب رغم المعارضة القوية من قبل القيادة التاريخية للحزب، وقد جرت محاولة للارتداد عليها في المؤتمر القومي الثامن عام 1965 حين تقدم الدكتور منيف الرزاز بدليل نظري بديل إلا أن المؤتمر احبط هذه المحاولة.كنا نأمل أن تستكمل هذه المنطلقات أبعادها من خلال الممارسة العملية والتعامل مع الواقع الذي يكفل سد الثغرات وإكمال النواقص باتجاه تطوير نظرية شاملة تستجيب لكل تحديات المرحلة القائمة والمستقبلة.

وبين انه برزت في أواخر الستينات توجهات نحو الأخذ بالنظرية الماركسية، وتم تشكيل لجنة من قبل القيادة القومية في عام 1968 لوضع تقرير عقائدي يعتمد علي ما هو موجود - أي المنطلقات النظرية - وعلي ما يمليه الواقع وما تفرضه التطلعات المستقبلية علي ضوء التجربة والممارسة الفعلية، إلا أن التقرير كانت تشوبه النزعة اليمينية المحافظة ويعتبر ارتداداً عن المنطلقات النظرية. فلم يطرح علي المؤتمر القومي العاشر عام 1968.

موضحا أن بعض الحزبيين ممن تصلح عليهم تسمية (اليسار الطفولي) تلقفوا هذا الاتجاه، فأخذوا يجاهرون بأنفسهم بأسلوب انتهازي بأنهم ماركسيون وأخذوا يعيبون علي الحزب يمينيته، وبدرت عن بعضهم سلوكيات مراهقة غبية أعطت صورة سلبية عن الماركسية. فمثلا'' كانوا يردون علي أي نقد لسياسة الاتحاد السوفيتي ومواقفه وخاصة فيما يتعلق بقضايانا القومية ولا سيما القضية الفلسطينية والقرار ،242 يردون علي هذا النقد بالاتهام بالعمالة واليمينية والانحراف وأخذوا يتباهون بالإساءة إلي مفهوم القومية باعتبارها نتاج المرحلة البرجوازية، وكذلك الدين وكأن الماركسي ينبغي أن يكون ملحداً. ومن أبرز الأمثلة علي الفهم القاصر بأن هناك تعارضاً بين الماركسية والمسألة القومية هو ما حصل مع حركة القوميين العرب التي كانت تنظيماً قومياً واحداً له قيادة مركزية واحدة.. وعندما أخذت الحركة بالماركسية... تشتت التنظيم القومي وتحول إلي تنظيمات قطرية بأسماء مختلفة... ولم يعد يجمع بينهم سوي الذكريات والاعتبارات الأدبية. ولا نبتعد كثيراً، فالحزب بعد سقوط نظامه في سورية، عقد مؤتمراً قومياً وقرر الأخذ بالماركسية اللينينية، وأجري المؤتمر تعديلاً علي اسم الحزب بحيث اصبح اسمه حزب البعث الديموقراطي الاشتراكي العربي فالبعث معناه لغوياً الاحياء وحسب ترتيب الكلمات والصفات: جاءت الديموقراطية ملتصقة بالبعث مباشرة كمضاف إليه بمعني أن البعث جاء لاحياء الديموقراطية... وجاءت الصفة العربية أي القومية في آخر الأولويات، في حين أن البعث من حيث الأساس هو بعث الأمة العربية واحياؤها والاشتراكية هي وسيلة، والديموقراطية إذا أردنا إضافتها لاسم الحزب لاجل تمييزه عن بقية التنظيمات التي تحمل نفس الاسم هي أيضاً وسيلة.

وقال: لا نظن بأن الماركسي الحقيقي يتخذ موقفاً سلبياً من القومية والدين باعتبارهما عنصرين هامين في حياة شعبنا وأمتنا خاصة وفي حياة شعوب الشرق عامة وهنا نستذكر رأي لينين في حواره مع الأمين العام للحزب الشيوعي الهندي (روي). والماركسية هي أداة تحليل للواقع الموضوعي والتعرف علي العناصر المحركة لهذا الواقع بغية تغييره، ولما كان الواقع يختلف من حيث المكان والزمان، فلا ضير أن يأتي تحليل الشيوعي الصيني لواقعه مختلفا عن تحليل الروسي لواقعه وكذا الكوبي أو اليوغسلافي أو الفيتنامي، ولا يشكل ذلك ظاهرة سلبية أو انحرافا وإنما هي ظاهرة عافية وصحية وفيها إغناء الفكر والتراث الماركسيين، وما النقل والتفكير الببغاوي إلا سببا'' للجمود الفكري والانهيار الأيديولوجي وما انهيار دول أوروبا الشرقية اثر انهيار الاتحاد السوفيتي إلا ثمرة هذا التقليد الأعمي والتبعية الببغاوية.


فقدان الديموقراطية

وحول هذه النقطة الارتكازية قال عضو القيادة القومية لحزب البعث انه وفي أي بلد متخلف، ينبغي أن يقوم التنظيم السياسي للسلطة الثورية الشعبية في ظروف البناء الاشتراكي علي أسس توفر الجمع بين وحدة القيادة وقوتها وبين ديموقراطيتها وشعبيتها. ولهذا فان مبدأ المركزية الديموقراطية هو الأساس الملائم لقيام مثل هذه السلطة - بعض المنطلقات النظرية - فالقيادة تأتي عن طريق الانتخاب - الطريق الديموقراطي- وتمارس المركزية بخضوع الهيئات الدنيا لقرارات القيادة وتوجيهاتها. فالديموقراطية ضرورة أساسية في حياة الحزب، حيث يجد الحزبي المجال رحبا'' للتعبير عن رأيه بكل شجاعة وصدق، وتتخذ القرارات بالأكثرية وتصبح ملزمة للجميع بما فيهم الأقلية، يسهرون علي تنفيذها ويدافعون عنها، والأكثرية والأقلية ليستا ثابتتين من حيث الكم أو مرتبطتين بأشخاص معينين، فهما متحولتان ومتغيرتان وفقا'' لطبيعة الأمور المطروحة علي النقاش وحسب وجهات النظر المتعلقة بهذا الأمر أو ذاك.مبينا ان صاحب الرأي المخالف- الأقلية- والذي لا يجد سبباً مقنعاً للتحول عن رأيه وموقفه إزاء قضية ما، من حقه أن يعبر عن رأيه مرة ثانية وثالثة ولكن في إطار المؤسسة التي اتخذت القرار. والانضباط الحزبي الثوري يمنع علي صاحب الرأي المخالف أن ينشر رأيه بين الأعضاء خارج إطار المؤسسة، والا يصبح الأمر خطيرا'' يأخذ طابع الاتصالات الجانبية ونشوء التكتلات.

وقال ان عدم الأخذ بالديموقراطية داخل مؤسسات الحزب وعدم السماح للرأي المخالف أن يعبر عن نفسه داخل المؤسسات، يضطر صاحبه للتعبير عنه خارج المؤسسة وهذا يؤدي إلي الشللية والتكتلات وممارسة أساليب غير ديموقراطية لفرض رأيه، وقد شهد الحزب عدة انشقاقات وانفجارات سببها عدم استيعاب قيادات الحزب للرأي الآخر وسببها أيضا عدم انضباطية صاحب الرأي المخالف.مضيفا أن الحزب الذي لا يطبق الديمقراطية داخل صفوفه ومؤسساته، يصعب عليه إذا ما استلم الحكم في أي بلد أن يطبق الديمقراطية داخل الجماهير.كما أن حركة 23 شباط عام 1966 التي جاءت بأسلوب غير ديموقراطي باستعمال القوة المسلحة ضد القيادة القومية بعد استنفاذ كل الوسائل والأساليب الديمقراطية لحل الخلاف لدرء الأخطار التي كانت تهدد سورية والعودة الي شرعية قرارات المؤتمرات القومية وخاصة المؤتمر السادس والمنطلقات النظرية، هذه الحركة أدانها المؤتمر القومي التاسع من حيث الأسلوب وأكد علي ضرورة حل الخلافات الحزبية ضمن المؤسسات وبأسلوب ديموقراطي، وتأسيساً علي ذلك فإننا في الأزمة مع وزير الدفاع التزمنا بتوجيه المؤتمر التاسع ولجأنا إلي الأسلوب الحزبي ودعونا إلي المؤتمر القومي العاشر الاستثنائي وطرحنا عليه الأزمة القائمة والمخاطر التي تهدد الحزب وسورية بعد وفاة عبد الناصر والفراغ الذي تركه وراءه وضرورة تأهيل الحزب وسورية لملء هذا الفراغ وكذلك بعد تصفية المقاومة الفلسطينية، مما يحتم تحصين الجماهير العربية ضد اليأس والإحباط. وقد اتخذ المؤتمر قراراته بدعم استراتيجية الحزب المعتمدة من المؤتمرات السابقة وقرر الطلب من وزير الدفاع ورئيس الأركان التنحي عن موقعيهما... وكانت النتيجة انقلابا علي الحزب والقيادة وقد دفعنا ثمن الديموقراطية سجناً وقتلاً وتشريداً وتجويعاً.

عدم تحقيق الفرز العلمي

وفي هذا السياق قال نصراوين أن بنية الحزب لم تكن متجانسة أساساً منذ المرحلة التبشيرية وقبل استلام الحكم، ولكنها تطورت بشكل ملموس باتجاه الطبقة العاملة والفلاحين غير أنها بقيت تحمل سمات البرجوازية الصغيرة التي تتصف بالتردد واختيار الطرق السهلة. ومما زاد في هشاشة بنية الحزب تلك الأعداد غير القليلة من الانتهازيين والوصوليين الذين زحفوا علي الحزب بعد استلام السلطة وساهموا في تسميم أجواء الحزب وتسميم حياته الداخلية. مبينا ان قيادة الحزب وضعت خطة نظرية لمعالجة هذه الظاهرة من خلال إيجاد مدارس الاعداد الحزبي، أو من خلال اتخاذ الإجراءات المضادة للبرجزة وإمكانية الحصول علي منافع مادية في مجال السلطة والحزب كما وضعت خطة عملية باتخاذ قرار بزج الجهاز الحربي في العمل الفدائي وتفصل كل المتقاعسين ومحترفي الثرثرة الثورية. ولكن أزمة الحزب قد أجهضت اكثر هذه المخططات التي كانت بحاجة الي وقت طويل.موضحا كذلك أن شرط ملاءمة البنية الطبقية للحزب مع أهدافه وشعاراته الاشتراكية مسألة ذات أهمية قصوي في حياة الحزب وتقدمه وتطوره، وهذا الشرط لم يتحقق .وأن غياب الرقابة الشعبية علي الحزب واحتكار السلطة ورأسمالية الدولة وعدم الانسجام الطبقي في بنية الحزب، ساهمت مجتمعة أو منفردة في نمو البيروقراطية الطبقية وتقوية الاتجاهات اليمينية في الحزب التي شكلت القاعدة المادية للارتداد عليه.


عدم ممارسة النقد والنقد الذاتي

وهنا يوضح المحامي الردني نصراوين أن ممارسة النقد تشكل عنصراً أساسياً في تقويم مسيرة الحزب وتجنب الأخطاء وعدم تراكمها وحتي لا تصبح عسيرة علي التصحيح والتقويم أو التراجع عنها. والنقد وقبوله وممارسته يعد أهم تجليات الديموقراطية. إن من يعمل لا بد وان يخطيء ومن شاء أن لا يخطيء يستطيع ذلك بكل سهولة بأن لا يعمل البتة. والعبرة في كشف الخطأ هي تشخيصه والتراجع عنه قبل أن يستفحل أمره ويؤدي إلي الانحراف والخروج عن خط سير الثورة والحزب.مؤكدا ان النقد الذاتي فهو من أرقي الممارسات الديموقراطية وينم عن الثقة بالنفس والاستقامة والالتزام بالمسار الثوري الصحيح كما يعبر عن الاستعداد عن التراجع عن الخطأ.


غياب المحاسبة

وقال ان المحاسبة ضرورية في تحديد المسؤولية، وهي تشكل ضمانة عن الانحراف أو التقاعس عن أداء الواجب المطلوب وان التراخي أو الإهمال في موضوع المحاسبة التي تتناول الأشخاص كما تتناول القيادات والمؤسسات الحزبية، يؤدي إلي تراكم الأخطاء ويتحول إلي ظاهرة انحراف تصعب معالجتها إلا بعملية جراحية مؤلمة تؤدي إلي استنزاف المزيد من القيادات ومن الخبرات ومن الكوادر التي نحتاج إليها في كثير من المنعطفات الحادة والمصيرية.مشيرا الي أن التهرب من المسؤولية ومن المحاسبة كثيرا ما يقود إلي الاستزلام وقيام التكتلات التي تتفاقم اخطارها حتي تصيب المؤسسات بالشلل والتمزق.

ومما يجدر ذكره انه قد تقرر تشكيل لجنة محاسبة بعد حركة 23 شباط وقد مارست بعضا من نشاطها ولكنها وقد وجدت الباب موصدا'' أمام وزارة الدفاع حيث قام وزير الدفاع بحماية عدد من المسؤولين وكانت بداية التكتل أما في أعقاب هزيمة حزيران فقد احبط مشروع قرار لمحاسبة قيادة الجيش بفارق صوت واحد وتحت تأثير الأجواء العاطفية بتحمل الجميع المسؤولية، وكانت النتيجة الانقلاب علي قيادة الحزب وزجها في السجون وتحميلها مسؤولية الهزيمة كما ورد في عدد من خطابات وزير الدفاع.

عدم وضع الضوابط والضمانات

وأوضح ان عدم وضع الضوابط والضمانات لعدم تسلل عناصر انتهازية وكذلك الشروط الناظمة لتبوؤ بعض العناصر ممن لا تتوفر فيهم الشروط النضالية والفكرية والمسلكية للمناصب القيادية في الحزب، الأمر الذي جعل بعضهم يشكلون نقاط ضعف استغلها الآخرون في أضعاف فعالية القيادة ومواقفها في مواجهة الأزمات.


الخلل في موقف القيادة الحزبية إزاء الأزمة: فهما ومعالجة

وقال أن مستوي إدراك الأزمة وجذورها والعوامل التي ساعدت علي نموها وتفاقمها والخلفيات التي انطلقت منها، لم يكن المستوي واحداً لدي القيادة الحزبية، لدرجة أن بعضاً من أعضاء القيادة فهم الأزمة علي أنها صراع شخصي بين اللواء صلاح جديد والفريق حافظ الأسد. وقد جاءت الأحداث والممارسات التي أعقبت الانقلاب ومجمل السياسات الداخلية والعربية والدولية لتبرهن علي أن هناك نهجاً سياسياً مختلفاً عما رسمته قرارات الحزب ومؤتمراته. وان تنامي البيروقراطية البرجوازية في الحزب والجيش كان يدفع بالمواقف إلي التماهي اكثر واكثر مع سياسة وممارسات النظام العربي الرسمي الذي أثبتت الأيام والأحداث فشل هذا النظام في اتخاذ المواقف المنسجمة مع منطق التاريخ ومع إرادة الشعوب. كما أن البعض نظر إلي الأزمة علي أنها خلاف حزبي أي علي أمور حزبية وليس هناك خلاف سياسي. ( وهذا يعني استنادا إلي هذا الفهم القاصر بأننا يمكن أن نشارك في حفر الباطن ولو استمرينا في الحكم وان نتبني التسوية القائمة علي أساس القرار 242).

وقد حمل بعض أعضاء القيادة الرفيق صلاح جديد مسؤولية عدم الحسم منذ بداية الأزمة. إن في ذلك ظلماً وتجن علي الحقيقة والواقع. وأنني إذا اثبت- والرجل كما يقولون في دار الحق ونحن في دار الباطل - أن صلاح جديد نبّه منذ البداية إلي الخطورة التي يشكلها وزير الدفاع من خلال توجهاته ونشاطاته فقام باستمزاج آراء أعضاء القيادة بصورة فردية علي هامش المؤتمر القطري الرابع والقومي والعاشر اللذين انفجرت فيهما الأزمة، حول الموقف فكان الإجماع أو شبه الإجماع علي إعطاء المجال لوزير الدفاع وأنصاره لتبديل قناعتهم. وقد طرح لاحقا في مجلس الأمن القومي موضوع الحسم فكان الموقف برفض الفكرة بحجة الحرص علي تماسك الجيش والقوات المسلحة وعدم قيام حالة صدام في صفوفه ولم يؤيد طرح الرفيق صلاح جديد سوي الرفيق محمد عيد عشاوي.موضحا أن بعضا من أعضاء القيادة الذين لعبوا علي التناقض ووضعوا قدما هنا وقدما هناك، أعطوا الشرعية للانقلاب علي الحزب من خلال التعاون مع الانقلابيين وفتح الحوار معهم واقصد هنا بصورة رئيسية قسم من التنظيم القومي للحزب، تعرضوا للازمة بأسلوب سطحي فيه من الجهل والبعد عن الاستقامة والنزاهة بأن صلاح جديد لم يحسم الأمر خشية التحسس الطائفي، علما أن مسؤولية الحسم ليس من صلاحية واختصاص صلاح جديد كفرد، ونحن ضد هذا المنطق لان صلاح جديد التزم بالموقف الجماعي والسلوك الديموقراطي، لأنه يريد أن تتحمل القيادة مسؤوليتها باتخاذ القرار باتجاه الحسم... والقيادة مع الأسف أو بعضا من أعضائها في غيبوبة عن الواقع.

وقال ان ضعف القيادة وعدم وحدة الموقف لديها تجلي إبان مرحلة الازدواجية التي امتدت من عام 1968 - إلي عام 1970 ليس في عدم الحسم مع قيادة الجيش. وحسب، بل والتخلي عن صلاحياتها في تعيين قادة الألوية لتمنحها إلي وزير الدفاع الذي قام بإجراءات التعيين والتنقلات وتسريحات للضباط الكبار الذين لا يحملون له الولاء أو لا يثق بموقفهم تجاهه.وكذلك التردد في تعيين وتجذير التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفي تطهير أجهزة الحزب والسلطة من البرجوازية البيروقراطية الجديدة التي شكلت القاعدة للارتداد علي الحزب.

الحزب القومي:

وحول هذه القضية قال نصراوين ان منظمات الحزب القومي كانت في طور النهوض الجديد بعد حركة 23 شباط، وفيما عدا بعض الساحات، فان معظم الساحات الأخري كانت تعتمد في كل شيء علي القطر السوري وتعيش نوعا من الحياة الاتكالية غير الفاعلة بالنسبة لساحات تواجدها الأساسية. وبالتالي، رغم التطور الذي شهدته تلك المنظمات، لم يستطع الحزب القومي ان يحقق نهوضا ثوريا في عدد من الساحات وفقا'' لمقررات المؤتمر القومي التاسع والتاسع الاستثنائي خاصة أو الوصول الي السلطة في أي قطر عربي أو حتي قيام جبهات تقدمية، الأمر الذي كان مقررا له ان يساهم في انتشار ثورة الحزب الي خارج القطر السوري. أي ان الثقل كله كان تقريبا مركزا علي الحزب في القطر السوري من الناحية العملية، إذا استثنينا بعض الدعم المعنوي الذي كان يقدمه الحزب القومي الذي لم يستطع مع كل ذلك ورغم موقفه المبدئي بالنسبة لأكثرية الجهاز، ان يردع المرتدين... بل استطاعت قيادة الجيش في المراحل المتقدمة من مرحلة الازدواجية ان تغري بعض العناصر الانتهازية في بعض منظمات الحزب القومي.


تعثر تجربة الجيش العقائدي

ولدي حديثه عن تعثر خلق جيش عقائدي قال أنه من المعروف تاريخيا ان الحزب بعد قرار حله في القطر السوري كشرط لقيام الوحدة بين مصر وسورية قد تبعثرت صفوفه واختلفت اجتهادات ومواقف كوادره واعضائه فمنهم من ترك الحياة الحزبية وانصرف الي شؤونه الخاصة ومنهم من التحق بالأجهزة الأمنية والسلطة، وقلائل منهم من ظل ملتزما بالحزب بأفكاره دون ان يكون منخرطا في تنظيم. في فترة الانفصال زادت حدة الانقسام في الحزب ونشأت التكتلات وبرز تكتل اكرم الحوراني الذي لعب دور رأس الحربة في مهاجمة جمال عبد الناصر، وعلي الرغم من قرار المؤتمر القومي الخامس بإعادة تنظيم الحزب في سورية، الا ان أعدادا قليلة أصبحت تجمعها رابطة تنظيمية... هذا بالنسبة للتنظيم المدني.أما في الجناح العسكري، فقيام اللجنة العسكرية وإبقائها علي تماسكها وتماسك الحزبين في الجيش، فقد قامت بالتعاون مع الكتل الناصرية والوحدوية بالقضاء علي الانفصال، ثم الانفراد بالحكم بعد محاولة الانقلاب في تموز عام 1963 وفشل ميثاق 17 نيسان الذي اقر وحدة سوريا ومصر والعراق، ثم انهيار تجربة الحزب في العراق في تشرين الثاني عام 1963.وقال: نستطيع القول ان اللجنة العسكرية والتنظيم العسكري بالتفاهم مع القيادة الحزبية المدنية والتي أمينها العام الأستاذ ميشيل عفلق وهو الوحيد الذي بقي محتفظا'' بصفته الحزبية والقيادية خلال فترة الوحدة - هي التي حملت الحزب الي الحكم في 8 آذار 1963 وعلي الرغم من مقررات المؤتمر الحزبية وخاصة المؤتمر القومي الثامن عام 1965 التي اعترفت ببقاء اللجنة العسكرية علي أن تقتصر مهماتها علي الجانب العسكري وعدم التدخل في الشؤون الحزبية، فقد كانت اللجنة العسكرية مهيمنة وحدثت تصفيات في داخلها بعد أن نشبت الخلافات بين أفرادها، إلا ان دورها انتهي كمؤسسة بعد 23 شباط فبراير 1966.

 

إرسال المقال طباعة المقال
الصفحة الرئيسية | اتصلوا بنا | مركز المساعدة | أضف الراية الى مواقعك المفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية | أعلن معنا | الجلف تايمز
تطوير: اتفاقية استخدام الموقع