أكدوا أنه لم يرد في القرآن والسنة.. علماء دين للراية :
- حمدي بسيوني: الاحتفال يستند علي فتاوي لمروجي الخرافات
- فريد الهنداوي: دعوة باطلة والمحبة دليلها الاتباع والهداية
- محمود القاسمي: النبي لم يحتفل بمولده ولم يأمر أصحابه به
تحقيق - مهند الشوربجي:
أكد علماء دين أن الاحتفال بالمولد النبوي بدعة ولا يجوز الاحتفال به موضحين أنه لم يرد الاحتفال عن النبي صلي الله عليه وسلم ولم يرد عن الصحابه الكرام ولا عن السلف الصالح. وقال الشيخ حمدي بسيوني لاشك أن الأمة كلها تحب رسول الله صلي الله عليه وسلم وقد ظهر ذلك جلياً حينما خرجت الأمة عن غضبها واستيائها من الرسوم الدينماركية التي تطاولت علي مقام رسول الله صلي الله عليه وسلم وتفاوت أفراد الأمة في تعبيرهم عن حبهم لرسول الله صلي الله عليه وسلم والغضب من هذه الفعلة النكراء التي أقدم عليها هؤلاء المجرمون المتطاولون. ويضيف بسيوني وفي إطار حالة من الشوق والمشاعر المتدفقة بالحب الخالص لرسول الله صلي الله عليه وسلم تتأجج في شهر ربيع الأول وحيث يعتقد كثير من الناس أنه الشهر الذي ولد فيه الحبيب صلي الله عليه وسلم نتيجة لبعض الموروثات الخاطئة يعززها بعض فتاوي لأدعياء العلم من دعاة البدع والخرافات في الترويج للاحتفال بالمولد النبوي، وفي المقابل فإن كبار علماء الأمة الإسلامية قديماً وحديثاَ أنكروا هذا الأمر. ويؤكد بسيوني أن لهذه البدعة قصتها وتاريخها قائلاً إن الدارس المتأمل لمسيرة النبي الحبيب عليه الصلاة والسلام وتاريخ الصحابة الكرام والتابعين ، وكبار أئمة الإسلام في فترة زمنية تتجاور الثلاثمئة وخمسين سنة هجرية لا نجد أحداً لا من العلماء، ولا الحكام، ولا حتي من عامة الناس احتفل بالمولد النبوي أو أفتي بهذا علي الإطلاق، لذا يقول الإمام الحافظ السنهاوي في فتاويه: (عمل المولد الشريف لم ينقل عن أحد من السلف الصالح)، وقد ظهر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف أيام الدولة الفاطمية التي احتلت بلاد مصر والمغرب، وكانت دولة باطنية محاربة لله ولرسوله ولسنته ولعلماء السنة الكرام، وكانت تروج لعقائد الباطنية الفاسدة وتتخذ من سب صحابة نبينا الحبيب شعاراً لها ، وهذه الدولة هي التي مكنت الصليبيين من احتلال المسجد الأقصي وبلاد الشام وتحالفت معهم ، وأعلنت الحرب علي كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم وراحت تروج للبدع والخرافات وتجبر الناس علي الإتيان بهذه البدع والخرافات علي أنها عبادات وطاعات. ويتابع بسيوني ومن البدع المحدثة التي أجبرت الناس عليها وحملتهم علي فعلها بالقوة هي بدعة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف كما يقول المؤرخ المقريزي وهو مؤرخ قد عاصر دولة الفاطميين الباطنية المشبوهة، وعن حقيقة هذه الدولة يقول الإمام المؤرخ الكبير أبو شامة في كتابه الروضتين في أخبار الدولتين عن الفاطميين: (أظهروا للناس أنهم شرفاء فملكوا البلاد وقهروا العباد وقد ذكر جماعة من أكابر العلماء أنه لم يكونوا لذلك أهلاً ولا نسبهم صحيحاً) لأن نسبهم إلي فاطمة الزهراء رضي الله عنها ليس صحيحاً بل المعروف أنهم بنو عبيد وكان والد عبيد من نسل القداح الملحد المجوسي وقيل والد عبيد هذا يهودياُ من بلاد الشام وزعم أنه علوي فاطمي وادعي نسباً ليس بصحيح لم يذكره أحد من مصنفي الأنساب العلوية واستمر علي ذلك إلي أن طهر الله بلاد المسلمين من رجسهم وضلالهم علي يد الإمام المجاهد البطل صلاح الدين الأيوبي رحمه الله ونور مرقده وفي غرف الجنان أرقده. وأضاف الشيخ البسيوني إذاً الدولة الفاطمية هي التي ابتدعت الاحتفال بالمولد النبوي وأجبرت الناس علي الاحتفال به وذلك حتي تعطي لنفسها صبغة شرعية وتضفي علي نفسها صفة إسلامية وهي أبعد ما تكون عن الإسلام. أما عن حكم الإسلام بالمولد النبوي الشريف فيقول الشيخ بسيوني الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ليس مشروعاً وإنما هو من البدع المحدثة التي لا أصل لها في دين الله جل وعلا ، والمراد بالبدعة هي الأمر أو الشيء المحدث بالدين أو الشيء الذي لا أصل له في دين الله إذ اخترعه الناس وجعلوه ديناً يتقربون به إلي الله ، ولم يدل عليه دليل من كتاب الله ولا سنته ولا إجماع ولا قياس صحيح ، وبيان عدم مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي من وجود أولها أن هذا الفعل لم يفعله النبي صلي الله عليه وسلم ولا أمر به ولا فعله أصحابه ولا أحد من التابعين ولا يفعله أحد من أئمة المسلمين المتقدمين ، وثانيها أن الذي يحتفل بهذه البدعة المحدثة التي لا أصل لها في دين الله جل وعلا واقع فيما حذر منه النبي صلي الله عليه وسلم حين قال :(إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) ، وثالثها أن فعل هذه البدعة غير مأجور بل هو واقع تحت طائلة قول النبي الحبيب صلي الله عليه وسلم (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ، ورابعها أن من يروج لهذه البدعة من أدعياء العلم نخشي عليه من الوقوع في أمر عظيم الخطورة وكأنه يتهم النبي الحبيب صلي الله عليه وسلم بالخيانة وعدم الأمانة وأنه لم يبلغ رسالة الله كما ينبغي لذلك قال الإمام مالك يرحمه الله من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً صلي الله عليه وسلم خان الرسالة لأن الله يقول (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا . ويتابع الشيخ بسيوني وخامسها أن الاحتفال بالمولد النبوي فيه مشابهة واضحة بالنصاري الذين يحتفلون بالكريسماس أو ميلاد السيد المسيح عليه السلام وقد نهانا نبينا الحبيب صلي الله عليه وسلم عن التشبه بهم (من تشبه بقوم فهو منهم)، وسادسها هذا فضلاً علي أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف مدخل أو باب للغلو في شخص نبينا الحبيب صلي الله عليه وسلم وقد حذرنا صلي الله عليه وسلم هذا الغلو باعتباره الذرائع المؤدية إلي الشرك فقال صلي الله عليه وسلم (إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو) ، هذا وقد أفتي علماء العالم الإسلامي قديماً وحديثاً وعلي رأسهم شيخنا العلامة الإمام يوسف القرضاوي حفظه الله بأن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بدعة محدثة لا أصل لها في دين الله جل وعلا. ويري الشيخ فريد الهنداوي أن الحديث عن المولد النبوي له عدة محاور الاول منها أن هذا المولد محدث لم يكن في العصور الأولي فأول مبدأ أحدثه بالقاهرة الخلفاء الفاطميون وأولهم المعز لدين الله توجهه من المغرب إلي مصر في شوال 361 ه فوصل إلي ثغر الإسكندرية في شعبان 362 ه ودخل القاهرة في شهر رمضان في تلك السنة فابتدعوا ستة موالد المولد النبوي ومولد علي بن أبي طالب ومولد السيدة فاطمة الزهراء ومولد الحسن ومولد الحسين ومولد الخليفة الحاضر ، وبقيت هذه الموالد علي حالها إلي أن أبطلها الأفضل بن أمير الجيوش ثم أعيدت في خلافة الحاكم بأمر الله سنة 524ه. أما عن المحور الثاني لهذا الموضوع فيقول هنداوي إن مولد النبي صلي الله عليه وسلم فيه خلاف في تحديد يوم مولده الشريف علي أربع ، فقيل ولد في رمضان، وقيل في ربيع الأول، فالبعض قال يوم التاسع من الربيع الاول، والبعض قال الثاني عشر من ربيع الأول ، وقيل ولد في رجب، فلو كان مولده مثار الاهتمام علي عهده صلي الله عليه وسلم أو العهود المفضلة لعرف ولكن المعروف انه ولد يوم الإثنين يقيناً بنص كلامه صلي الله عليه وسلم وكان يصومه، أما المحور الثالث أن هذا المولد لا يعلم له أصل في ملة الإسلام فقد قال العلامة تاج الدين الفاكهاني في رسالته المورد في عمل النبي لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب، ولا في سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بأثار المتقدمين بل هو بدعة أحدثها البطالون وشهوة نفس اغتني بها الأكالون بدليل أن إذا أردنا عليه الأحكام الخمسة قلنا: إما أن يكون واجباً أو مندوباً أو مباحاً أو مكروهاً أو محرماً ، وهو ليس بواجب إجماعاً ولا مندوباً لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع من غير ذنب علي تركه. ويتابع الشيخ هنداوي وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة لا التابعون ولا العلماء المتدينون في ما علمت، ولا جائز أن يكون مباحاً لأن الإبتداع في الدين ليس مباحاً بإجماع المسلمين فلم يبق إلا أن يكون مكروهاً أو حراماً ، اما المحور الرابع فيدور حول أنه لو فتح الباب لهذا لجاء قوم فقالوا يوم هجرته إلي المدينة يوم أعز الله فيه الإسلام فيجتمع فيه ويتعبد ويقول آخرون الليلة التي أسري به فيها حصل له فيها من الشرف ما لا يقدر قدره فتحدث فيها عبادة فيوم بدر ويوم الخندق ويوم فتح مكة ويوم ويوم ، فلا يقف ذلك عند حد والرسول صلي الله عليه وسلم هو الذي حدد لنا أعيادنا فقال كما ثبت عنه لكل قوم عيد ولنا عيدان الفطر والأضحي ، فالخير كله في اتباع سلفنا الصالح فما فعلوه فعلناه وما تركوا تركناه والحق لا يعرف بالرجال وإنما يعرف الرجال بالحق. ويضيف هنداوي والمحور الخامس يدور حول دعوة عمل (المولد) محبة النبي صلي الله عليه وسلم دعوة باطلة فالمحبة دليلها الاتباع وعدم مجاوزة الحد في الأمور كما قال تعالي: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ، وقال بن كثير هذه الآية حاكمة علي كل من ادعي محبة الله وليس هو علي الطريقة المحمدية بأنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتي يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله إلخ ما قال، فأين من أقواله أو أفعاله صلي الله عليه وسلم أنه احتفل بمولده أو مولد أحد من أهل بيته أو أصحابه ، أما المحور السادس والأخير أن البعض للأسف لما أعوزه الدليل استدل بأن الملايين يحتفلون لمولده وهذا في الحقيقة استدل استدلال المفلس في العلم والحجة فمتي كانت الكثرة دليلا علي الحق قال الفضيل من اتبع طرق الهدي ولا يضرك قلة السالكين وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين ، ومن غرائب ما سمعت بنفسي ان بعضهم يقول : والدليل علي مشروعية صنع الحلوي في المولد أن النبي كان يحب الحلوي ، أين العقول وأين الفهم وأين وأين!!. ويتابع هنداوي وهناك استدلالات أخري استدلوا بها علي جواز عمل المولد ما أيسر الرد عليها ولم يأتوا بجديد بل هم مقلدون لمن سبقهم. وقال الشيخ محمود القاسمي لقد حذرنا الإسلام من البدع ، وقال صلي الله عليه وسلم (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ولا شك أن الاحتفال بمولد النبي صلي الله عليه وسلم من البدع، لأنه لم يرد عن النبي أنه احتفل بيوم ميلاده، وكذلك الصحابه لم يرد عن واحد منهم أنه احتفل بمولد النبي صلي الله عليه وسلم وهم أشد الناس حباً له ، وهم أشد الناس اتباعاً له صلي الله عليه وسلم ، قال الحافظ السخاوي في فتاويه: (عمل المولد الشريف لم ينقل عن أحد من السلف الصالح في القرون الثلاثة الفاضلة وإنما حدث بعد). فمتي حدثت هذه البدعة ؟ ، ويجيب عن ذلك الإمام المقريزي - رحمه الله - يقول في كتابه الخطط (1-ص 490وما بعدها): (ذكر الأيام التي كان الخلفاء الفاطميون يتخذونها أعياداً ومواسم تتسع بها أحوال الرعية وتكثر نعمهم). قال: وكان للخلفاء الفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم وهي مواسم (رأس السنة)، ومواسم (أول العام)، (ويوم عاشوراء)، (ومولد النبي - صلي الله عليه وسلم -)، (ومولد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -)، (ومولد الحسن والحسين - عليهما السلام -)، (ومولد فاطمة الزهراء - عليها السلام -)، (ومولد الخليفة الحاضر) ، (وليلة أول رجب)، (ليلة نصفه)، (وموسم ليلة رمضان)، (وغرة رمضان)، (وسماط رمضان)، (وليلة الختم)، (وموسم عيد الفطر)، (وموسم عيد النحر)، (وعيد الغدير) ، (وكسوة الشتاء) ، (وكسوة الصيف) ، (وموسم فتح الخليج)، (ويوم النوروز) ، (ويوم الغطاس) ، (ويوم الميلاد) ، (وخميس العدس)، (وأيام الركوبات). وقال المقريزي في اتعاظ الحنفاء(2-48)سنة (394): ( وفي ربيع الأول ألزم الناس بوقود القناديل بالليل في سائر الشوارع والأزقة بمصر). وقال (وجري الرسم في عمل المولد الكريم النبوي في ربيع الأول علي العادة). وانظر (3-105). وتابع القاسمي ووصف المقريزي هيئة هذه الاحتفالات التي تقام للمولد النبوي خاصة وما يحدث فيها من الولائم ونحوها من الفساد . فعلي هذا أول من أحدث ما يسمي بالمولد النبوي هم بنو عبيد الذين اشتهروا بالفاطميين ، فإن ما يسمي بالمولد النبوي ليس مشروعا ولم يدل عليه دليل من كتاب ولا سنة لا إجماع ولا قياس صحيح ولا حتي دليل عقلي ولا فطري وما كان بهذه الصيغة فهو بدعة مذمومة ، قال الحافظ ابن رجب (رحمه الله تعالي): والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه ) . ويقول أيضا: (فكل من أحدث شيئا ونسبه إلي الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقاد أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة) ، والبدعة كذلك (ما لم يشرعه الله من الدين فكل من دان الله بشيء لم يشرعه الله فذاك بدعة). وأضاف القاسمي إن الاحتفال بالمولد النبوي لم يفعله النبي صلي الله عليه وسلم ولا أمر به ولا فعله صحابته ولا أحد من التابعين ولا تابعيهم ولا فعله أحد من أهل الإسلام خلال القرون المفضلة الأولي وإنما ظهر علي أيدي أناس هم أقرب إلي الكفر منهم إلي الإيمان وهم الباطنيون . والذي يفعل ما يسمي بالمولد لاشك انه متبع لغير سبيل المؤمنين من الصحابة والتابعين وتابعيهم . إن الذي يحتفل بالمولد النبوي واقع فيما حذر منه النبي صلي الله عليه وسلم حين قال: (إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) وجاء في رواية أخري (وكل ضلالة في النار) ، فقوله (كل بدعة ضلالة) عموم لا مخصص له يدخل فيه كل أمر مخترع محدث لا أصل له في دين الله . إن الإنسان الذي يحتفل بالمولد كأنه يتهم الرسول صلي الله عليه وسلم بالخيانة وعدم الأمانة و العياذ بالله لأنه كتم علي الأمة ولم يدلها علي هذه العبادة العظيمة التي تقربها إلي الله . قال الإمام مالك (رحمه الله) من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا صلي الله عليه وسلم خان الرسالة لأن الله يقول (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا. وأضاف إن حب النبي صلي الله عليه وسلم لا خلاف عليه ولا أحد ينكره ، إنما ننكر كل بدعة وكل هذه الاحتفالات والخزعبلات والمنكرات التي تحدث في يوم مولد النبي صلي الله عليه وسلم . فهي تشتمل علي كثير من كبائر وعظائم الأمور والتي يرتع فيها أصحاب الشهوات ويجدون فيها بغيتهم مثل : الطرب والغناء واختلاط الرجال بالنساء ويصل الأمر في بعض البلدان التي يكثر فيها الجهل أن يشرب فيها الخمر. يقول الشيخ رشيد رضا في المنار (2-74-76): (فالموالد أسواق الفسوق فيها خيام للعواهر وخانات للخمور ومراقص يجتمع فيها الرجال لمشاهدة الراقصات المتهتكات الكاسيات العاريات ومواضع أخري لضروب من الفحش في القول والفعل يقصد بها) إنتهي كلامه رحمه الله. ويتابع فحب النبي صلي الله عليه وسلم إنما يكون باتباعه قال تعالي: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) ولا شك أن الاحتفال بمولد النبي صلي الله عليه وسلم ليس اتباعاً له لأنه لم يفعله . فالذي يجعل المحبة بإقامة هذه الموالد محرف لشريعة الله التي تقول إن المحبة الصحيحة تكون باتباعه صلي الله عليه وسلم ، كما أن الاحتفال بالمولد فيه تشبه واضح بالنصاري الذين يحتفلون بعيد ميلاد المسيح وقد نهينا عن التشبه بهم كما قال صلي الله عليه وسلم: (ومن تشبه بقوم فهو منهم). كذلك الذي يحتفل بالمولد يقع فيما نهي عنه النبي صلي الله عليه وسلم أمته صراحة فقد قال صلي الله عليه وسلم: (لا تطروني كما أطرت النصاري عيسي ابن مريم) فقد نهي عن تجاوز الحد في إطرائه ومدحه وذكر أن هذا مما وقع فيه النصاري وكان سبب انحرافهم . وما يفعل الآن من الموالد من أبرز مظاهر الإطراء وإذا لم يكن في الموالد التي تنفق فيها الأموال الطائلة وتنشد فيها المدائح النبوية التي تشتمل علي أعظم أنواع الغلو فيه صلي الله عليه وسلم من إعطائه خصائص الربوبية إطراء ففي ماذا يكون الإطراء؟. كما أن الاحتفال بالمولد النبوي غلو مذموم في شخص النبي صلي الله عليه وسلم ومن أعظم الذرائع المؤدية للشرك الأكبر وهو الكفر المخرج من الملة لأن الغلو في الصالحين كان سبب وقوع الأمم السابقة في الشرك وعبادة غير الله عز وجل . وقد جاءت الشريعة بسد الذرائع الموصلة للشرك. وقال القاسمي قد حذر النبي صلي الله عليه وسلم أمته من ذلك فقال صلي الله عليه وسلم: (إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو) والحديث صحيح رواه أحمد . ومما هو معلوم أن سبب الشرك الذي وقع في بني آدم هو مجاوزة الحد والغلو في تعظيم الصالحين فقد جاء في البخاري عن ابن عباس في قول الله تعالي: (وقالوا لا تذرن ألهتكم ولا تذرن ودّا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسراً) قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحي الشيطان إلي قومهم أن انصبوا إلي مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا ولم تعبد حتي إذا هلك أولئك ونسي العلم عُبدت من دون الله عز وجل. ولو نظرنا اليوم إلي ما يحدث وما يحصل في الموالد فهو ليس من ذرائع الشرك فحسب؛ بل يحصل الشرك بعينه من دعاء لغير الله عز وجل وإعطائه صلي الله عليه وسلم بعض خصائص الرب عز وجل كالتصرف في الكون وعلم الغيب ففي هذه الموالد يترنمون بالمدائح ومن هذه المدائح قول أحدهم: يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم... وآخر يقول: بمولد المصطفي أصل الوجود ومن لولاه لم تخرج الأكوان من عدم فهذ من الشرك البين الواضح ويفعلون ذلك في يوم ميلاد النبي صلي الله عليه وسلم. |