آخر تحديث: الأحد1/11/2009 م، الساعة 06:25 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
الصفحة الرئيسية /كتاب اليوم:
إرسال المقال طباعة المقال
من أجل إعادة الاعتبار لعلم الأنساب وعزرائيل.. علي حساب علم السياسة

بقلم : محسن مرزوق ..دقق صاحبنا المتخصص في البحوث السياسية المتعلقة بجمهورياتنا العربية الأمر من أوجهه المتعددة. ثم ضرب كفاً بكف وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله.

صاحبنا هذا يحاول منذ بدأ عمره الأكاديمي استعمال تقنيات ومناهج العلوم السياسية والسوسيولوجية لفهم طريقة اشتغال أنظمتنا العربية الجمهورية. وفي كل مرة ينتهي به التحليل إلي الظلمة. فلا المنهج المؤسساتي نفعه ولا البنيوي ولا الوظيفي ولا المادي ولا الجدلي ولا المثالي.. ولا خرَوب أو بطيخ.

بعد أن تنبأ بإفراز الأنظمة الجمهورية العربية لمسار ينقل الدولة من مهام البناء الوطني إلي مهام البناء الديمقراطي وتطوير الأنظمة السياسية، وجد نفسه يلاحظ بعين دامعة كيف انتهي الأمر بتلك الأنظمة إما إلي خطر الانحلال والتفكك أو إلي التوريث العائلي.

هكذا وجدت نفسي ذات مرة، وأنا أطيب خاطره وأحاول الرفع من معنوياته، أقترح عليه ما يلي: ياعزيزي لماذا لا تطور من مقارباتك المنهجية فتعود لعلم الأجداد؟ فالمناهج الحديثة في علم السياسة كما في الطب قد تكون قاصرة. ألا تري كيف يعود البعض للمنجمين والمتطببين كل قضاياهم وأمراضهم المستعصية.

فهم حينما يريدون النجاح يذهبون للزوايا فيشعلون شمعة علي رأس ولي صالح أو يربطون قماشة صغيرة علي غصن شجرة مباركة.. وينذرون النذور فيذبحون الخرفان والعجول.. وحينما يريدون الشفاء لا يصدقون قول الأطباء وأجهزتهم الإلكترونية المغرورة.. بل يعودون لقواعد الطب المبارك.. فيضعون التمائم ويسبحون في البخور.. ويتقون شرور السحر والعين الحاسدة.. ويبحثون عن رأس الديك اليتيم.. ولسان الذئب الصائم.. ويخبؤون يد الحرباء المتدروشة أمام باب البيت..
قال: فكيف ينفعني هذا في علم السياسة؟

قلت: ينفعك ونصف. لماذا لا تعود لعلم الأنساب؟ فهو برأيي أصلح لك وأنفع لفهم بحال جمهورياتنا. إياك وتحليل المؤسسات فهي ذر للرماد في العيون. واحذر من قراءة الأنظمة. فظاهرها نظام وباطنها فوضي.

وتوجس شراً من البحث عن العقلانية والقوانين الحاكمة للتطور حيث يحكم قانون المزاجية وشخصنة العقلانيات والعلاقات ألم تلاحظ أن المنحي العام للأنظمة الجمهورية يقوم علي التوريث للأبناء والأصهار؟ وكذلك توزيع السلطة الفعلية والمكاسب الاقتصادية والحل والربط؟

 لهذا السبب فإذا أردت أن تفهم حاضر الأنظمة ومستقبلها فلا مناص من العودة لعلم الأنساب.
والأفضل لك أن تعمل علي رسم الشجرة العائلية مبتدئاً برأس السلطة الحاكم فزوجته فأبنائه فأخوته فأصهاره فأعمامه وأخوالها وأصهارهم وأصدقاؤهم.. ثم ضع علي رسم الشجرة العائلية رسماً لتوزيع السلطة ثم شجرة توزيع الثروة.. هكذا ستفهم كيف تدار الأمور وتدور المكاسب.

بعد ذلك حدق في الشجرة العائلية ثم خمن متطلعاً في الصور ووسامة الوجوه.. والعمر.. والسلامة الجسدية والصحية.. والقرب من مركز السلطة.. وتفرس في من تتوفر فيه شروط الأخذ بالسلطة بعد انسحاب الحاكم لسبب من الأسباب.

وهذه الشروط هي طبعاً الإنتماء لآل البيت الحاكم.. فمن المفضل أن يكون الموعود ابن الحاكم مباشرة ومن الشروط الأخري القدرة علي المحافظة علي مكاسب العائلة وخاصة مكاسبها الاقتصادية.. وتمترسها في السلطة الفعلية.. ولا بأس إن كان المرشح يحمل بعضاً من الجديد ليوحي للناس أنه سيبدأ مرحلة جديدة..

صمت صاحبي ثم قال: فكرة جيدة.. وهكذا أستطيع إستخراج قانون للتنبؤ بالتداول علي السلطة في جمهورياتنا العربية الإحدي عشر أو علي الأقل في جانب منها.

فقلت له: إياك.. إياك.. ألا تريد أن تتخلص من هذا المنهج الوضعي الذي يدفعك لعقلنة الظواهر الاجتماعية والبحث عن القوانين؟ ياأخي.. لاقوانين.. إلا بالحدس والذوق والمشاهدة والمرور إلي مقام الوقفة.. حيث الوجود بديلاً للعقل.. مهما استدللت فلن تجد دليلا علميا أكيدا أن الأمور ستمضي طبيعياً.

فالوارث قد ينقلب علي الموروثين وقد يتغير المرشح للملك بين عشية وضحاها لاعتبارات عائلية لن تستطيع أنت لأنك عالم سياسة أن تفهمها، والأجدر بك أن تنتدب استشاريا أو استشارية متخصصين في أخبار البيوت ومعارك المطابخ والعلاقات الاجتماعية لتفهم لماذا ارتفعت أسهم فلان ونزلت مقادير علاَن.

عليك أن تنتقل من المناهج الوضعية إلي المناهج الوضيعة ولا بأس لو ألفت في المناهج الأخيرة كتباً وأدلاًء ومقالات متخصصة حتي تحدد أبعادها ومحتوياتها.

صمت ثم قال: ولكن إذا استطعنا أن ننجِم....قاطعته مستحسناً: ها أنت صرت تعتمد المفاهيم المناسبة: التنجيم.. بورك فيك..!!!

ابتسم بتواضع وواصل: إذا استطعنا أن ننجم بمن سيكون له الأمر فكيف سنعرف متي وكيف ينتقل له ذلك الأمر أي السلطة.

فكرت ولم تكن له عندي إجابة جاهزة ثم جازفت فقلت له: هنا أيضاً لا مفر أمامك من التجديد. أعرف أنك متعود علي اعتماد عوامل وعناصر وسببيات لتقدير كيفية وزمنية التداول علي السلطة سواء كانت ثورة أو تداولاً دستورياً سلمياً أو انقلاباً. وقد تستطيع أن تحتفظ بالانقلاب كعامل تغيير فقد لاحظت أنه مازال قائماً كإمكانية في دولنا العزيزة.. أما باقي العوامل فمن الأحسن أن ترميها بعيداً وتركز علي عامل أساسي.

قال بشغف: ماهو؟

- قلت: عزرائيل! فهو محرك التغيير السياسي الأساسي في أنظمتنا وباعتبار أن عمل عزرائيل هو من علم الخالق حصرياً.. فلا مناص لديك من اعتبار الوضع الصحي للزعماء أحد أهم مجالات بحثك.. فلا بد لك من الأطباء.. ومن مراجعة الإشاعات...وتحليل ظهور الزعماء علي التلفزيون من منظور طبي لتخمن حالتهم.. فتعرف هل اقترب موعد الساعة أم لا.. وهي معرفة ضعيفة جداً لأن هذا الأمر ليس بيد المخلوق.

- هه؟! ما رأيك؟! أليس بين يديك الآن ما يكفي لإرساء علم جديد؟!

أهكذا سنفهم جمهورياتنا قال الصديق بضيق..؟

تأففت: لماذا تسميها جمهوريات؟.. أتريد تعقيد حياتك أكثر مما هي عليه الآن؟ إنني أقترح عليك تعبير  الجملكيات  الذي ابتدعه أستاذنا سعد الدين إبراهيم ليصف صنفاً من الحكم لا هو بملكي ولا هو بجمهوري.

ولا تسميها ملكيات (بفتح الميم) أيضاً. فالأنظمة الأميرية والملكية تقوم علي الشجرة العائلية بشكل معلن لأن تلك هي طبيعتها وذلك هو شكل نظامها في كل الأصقاع. أما ماتريد دراسته فهي نوع من الملكيات (بكسر الميم ). سادت برهة من الصمت كأنها الدهر.

ثم سألني صديقي بتأفف:  هل شاهدت مقابلة ريال مدريد الأخيرة؟!! .

إرسال المقال طباعة المقال
الصفحة الرئيسية | اتصلوا بنا | مركز المساعدة | أضف الراية الى مواقعك المفضلة | اجعلنا صفحتك الرئيسية | أعلن معنا | الجلف تايمز
تطوير: اتفاقية استخدام الموقع