| قراءة في كتاب د. جهاد عودة (1) | ||
| ||
الإصلاحيون الجدد تطوير نظام مبارك السياسي
يقدمها: حسام إبراهيم .. الأثرياء الجدد ليس لديهما الوعي الاجتماعي الذي كان لإسماعيل صدقي في العصر الملكي أو عثمان أحمد عثمان في مرحلة السادات هل بمقدور كتاب الإصلاحيون الجدد.. تطوير نظام مبارك السياسي للدكتور جهاد عودة عراب أمانة السياسات بالحزب الوطني الحاكم في مصر التي يرأسها جمال مبارك أن يلتقط حسيس حركة التاريخ في عام الأحزان المصرية؟!!.. نعم هذا العام الذي يقترب من نهايته عام الاحزان في مصر وليس الأمر في حاجة لكثير من الجدل فالدلائل والظواهر والمؤشرات واضحة لكل ذي عينين!.. محن وحرائق وانتكاسات خطيرة في كل المجالات تشكل شهادة رسوب بامتياز لنظام حكم رجال الاعمال الذي جاء المؤتمر السنوي الخامس للحزب الوطني الحاكم ليمنحه صك الاستمرار فيما افتقد هذا المؤتمر الذي اختتم مؤخرا للحد الادنى من شجاعة المساءلة وجرأة الاجابات وخاصة قضية انتقال السلطة أو التوريث !. و.قضايا رجال الاعمال الذين يتمترس بعضهم في امانة السياسات بالحزب الحاكم تبدو اقرب لمرح الفئران التي تغادر السفينة وهي تتجه للغرق.
في أجواء سوداوية كهذه تتردد كثيرا مقولات وتساؤلات من قبيل: مصر فوق بركان.. ماذا فعلت وتفعل الرأسمالية المتوحشة في ارض الكنانة وكيف يتحول الوطن إلى فضاء للشقاء؟!.. الحرائق المتوالية لم تلتهم عدة مباني ذات قيمة اثرية مثل مجلس الشورى والمسرح القومي وانما تلتهم روح مصر ذاتها ورأسمالها الرمزى.. قضية هشام طلعت مصطفى رجل الاعمال والقيادي في امانة السياسات صاحبة الصولجان بالحزب الحاكم والمغنية سوزان تميم تتجاوز بكثير الابعاد الجنائية على خطورتها لتكون عنوانا لمرحلة التحلل في الحياة السياسية المصرية.. من ينزع فتيل الانفجار؟.. وهل هذه الاضرابات والاحتجاجات المتوالية مخاض كاذب ام ولادة حقة؟.. الطبقة الوسطى في مصر وهي عماد المجتمع ونقطة ارتكازه راحت ضحية الدولة الامنية المستقيلة من بقية وظائفها الطبيعية . ثمة شعور قوي يجلل المصريين بالاسى فالفقر الشامل والبنيوي امتد من الخبز إلى الثقافة والدور والمكانة.. مصر التي يتجاوز عدد سكانها ال70 مليونا تعود من اولمبياد بكين بميدالية برونزية يتيمة!!.. معاناة الشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى المصرية باتت مضرب الامثال وهي الشريحة التي شكلت بثراء روحها وحبها للحياة وتطلعها لغد افضل العالم الروائي الأديب في حجم نجيب محفوظ.. انها شريحة صغار الموظفين واصحاب الدخول المحدودة والتي خرج منها اغلب قادة ثورة 23 يوليو وفي مقدمتهم جمال عبد الناصر وانور السادات كما ان الرئيس حسني مبارك ينتمي اجتماعيا في الاصل لهذه الشريحة وخرج منها!. وهؤلاء الغاضبون أو ال17 مليون نسمة الذين تؤكد الاحصاءات انهم يقيمون في عشوائيات تفتقر للحد الادنى من احترام الكرامة الانسانية ويشكلون قنبلة قابلة للانفجار في اي لحظة ماذا ستفعل معهم حكومة رجال الاعمال ونخبة الفكر الجديد؟!.. الاسئلة كثيرة ومحزنة فهل من اجابات لدى الدكتور جهاد عودة في كتابه الجديد.. وأهمية هذا الكتاب ان مؤلفه مقرب بشدة من جمال مبارك امين السياسات في الحزب الحاكم وهو إلى ذلك استاذ في العلوم السياسية وله العديد من الكتب والطروحات والاهم ان الدكتور جهاد عودة يوصف بأنه عراب الفكر الجديد في امانة السياسات التي تستأثر بالنصيب الاكبر والاكثر اهمية في صياغة الواقع والمستقبل في مصر بحكم ان على رأس هذه الامانة المرشح المرجح في سياق سيناريو التوريث رغم كل مايقال عن القلب الصلب للدولة المصرية والمواقف التي قد لاتنحاز لسيناريو التوريث أو تتصدى لآلياته في اللحظات الحرجة !.. غير ان هذا الملف لن يكتفي بكلمة السلطان فهناك أيضاً سلطان الكلمة ورؤى نقدية متعددة.. ماذا يقول جهاد عودة عن الواقع المصري؟ عراب الفكر الجديد.. . بكلمات عراب الفكر الجديد فإن مصر تعيش بلا جدال الايام الخطرة والصعبة فهي ايام الكساد الاقتصادي والبطالة حتى اصبحت قطاعات واسعة من الشعب المصري تتحرز مما يخبىء لها المستقبل من صعوبات الحياة فيما انقطعت الصلة بين المعارضة والدولة وبات كل فريق ينظر للآخر بشك عميق بل وينحو سلوكا ينم عن التجاهل لمطالب الفريق الاخر.. ويقول الدكتور جهاد عودة في كتابه الاصلاحيون الجدد.. تطوير نظام مبارك السياسى : عندما يحدث اضطراب عظيم في الدولة من المرجح ان يكون هناك عفن منتشر بداخلها وهذا قد يكون فسادا قاطعا يطول روح الأمة أو غضبا فظيعا من عدم الاعتناء بأحوال الناس مما يؤدي إلى عدم الصبر على تقلبات الأيام أو تجاوزا كبيرا على استقلال الوطن بشكل يجعل الأفراد يشعرون بمذلة وحسرة عظيمة أو استهانة عميقة بعقل وحرية الأمة بحيث يخرج الأفراد عن رشدهم وحبهم للسلامة ويقبلون بشجاعة على التمرد والعصيان أو الانتحار. عند تجمع هذه الأحوال في البلد-والحديث للدكتور جهاد عودة- يأتي العفن منذرا بالتحلل السياسي والاجتماعي والثقافي فالنخب السياسية لاتسقط في غفلة من الأيام ولكن بسبب غفلتها عن الرشد والصواب فضلا عن تصميمها على السير قدما فيما هي عليه من خطأ رغم التحذير والانذار.. ومصر مرت بمرحلتين من قبل حيث دقت اجراس الانذار عالية ومدوية ولامجيب من جانب النخبة السياسية فنفذ سهم القدر وانهار النظام الملكي عام 1952 واغتيل الرئيس انور السادات عام 1981 ولكن هل يرى الدكتور جهاد عودة عراب النظام ان مصر تمر الان بالمرحلة الثالثة التي تصم فيها النخبة السياسية الآذان عن اجراس الانذار العالية والمدوية؟!. في المرحلتين السابقتين كانت هناك سمات مشتركة على حد قول جهاد عودة ومنها: ازمة شرعية عميقة حيث اجتمعت القوى الفاعلة في الحياة السياسية على انهاء النظام السياسي القائم.. وانتشار العنف والمظاهرات والتجمعات العفوية مع وضوح فاضح لظلم مجتمعي متنام هدد بشكل فعال الممارسة الديمقراطية وانحرفت الجماهير لتفضيل الأفكار الفاشية طالما كانت قادرة على الحماية المجتمعية للفرد والأسرة.. وانكسار كبير للوثبة الرأسمالية الخلاقة من اجل الحفاظ على تربيطات احتكارية عائلية باسم الوطنية.. واستهتار بقيم الوحدة الوطنية الجامعة للشعب المصرى. لاحاجة للقول بأن هذه السمات باتت غالبة على المرحلة الراهنة في الحياة المصرية حتى لو لم يقل الدكتور جهاد عودة ذلك بوضوح!.. وهاهو عراب الفكر الجديد وامانة السياسات في الحزب الحاكم يقول في كتابه: الأهم في مقامنا هذا مشاهد التماثل بين الخبرتين عندما انهار النظام الملكي واغتيل الرئيس انور السادات بالرغم من التسليم بوجود اختلافات واضحة بين الخبرتين.. ويضيف: للأسف تبدو مصر أو بمعنى محدد النخبة الحاكمة فيها غير عابئة بدروس التاريخ. فالنخبة الرافضة للنظام الملكي- على حد قوله-لم تر في النظام القديم الا مساوئه دون حسناته وبالتالي اقبلت على الحياة الجديدة لتجرب في المصريين قطيعة معرفية مع الماضي في كل شىء من القانون إلى السياسة.. وايضا جاءت النخبة السياسية بعد احداث 15 مايو 1971 التي اطاح فيها الرئيس الراحل انور السادات برجال الزعيم جمال عبد الناصر رافضة لكل شىء وحاولت ممارسة قطيعة معرفية مماثلة مع مفهوم الدولة الوطنية ومفهوم الاستقلال السياسي ومفهوم العدالة الاجتماعية وهي المفاهيم الاساسية التي حاول النظام الناصري زرعها في تربة الروح المصرية.. حسنا وكيف يرى عراب الفكر الجديد الوضع الراهن أو جمهورية مبارك؟!. الشعب منهك! يقول جهاد عودة: بدا نظام مبارك واعيا بالقيود وملاحظا للدروس وعاملا على التهدئة ولكن القائد العظيم اصبح يخوض بحارا عميقة ويحتاج لمساعدة من شعبه غير ان الشعب منهك بالمرض والحاجة والفقر وغير قادر على المساعدة!!.. وفي صياغة غير متقنة بقدر ماتحمل تناقضات ظاهرة يواصل عودة انتقاداته للشعب المصري بقوله: فالشعب لم يصبح قادرا الا على التذمر والشكوى فاحتكار الحياة اصبح وقفا فقط لصالح فئة محظوظة اجتماعيا.. الصعود السياسي يأتي مفاجئا وبدون داع وانتشر الوعي الزائف والدجل وهبت علينا روائح عصر الانحطاط المملوكى.. فمصر التي كانت معروفة بدقة اليتها البيروقراطية واحكام صياغتها القانونية وتغلغل مؤسسات حكمها اصبحت مثالا للتندر بين افراد الشعب على عدم وعي النخبة الحاكمة بالتحلل والانهيار. ورغم واقعة رجل الاعمال المصري هشام طلعت مصطفى التي كانت في عيون كثير من المصريين عنوانا لافلاس مرحلة حكم رجال الاعمال- يقول الدكتور جهاد عودة: النخبة السياسية التي كانت متهمة بالتكلس والتضاؤل اصبحت في ظل ايديولوجية الاصلاح متهمة بعدم الخبرة والتوجس والانغلاق النفسي والابتعاد عن الناس ولكن يظل الامل والتحدي في توسيع مدارك النخبة وربطها بالناس قائما، فالصراع الآن هو من اجل خلق روح جديدة لهذه النخبة!.. وبدون ذلك نحن مهددون بقطيعة معرفية ثالثة باسم العصرية والعولمة، فنحن نريد عصرا لليبرالية الوطنية بحيث تجتمع فيه القيم الخاص بليبرالية حزب الوفد القديم والنقد الاجتماعي للطليعة الوفدية والحرص الناصري على حداثة واستقلال الدولة والقدرة الساداتية على الرؤية الاستراتيجية وقدرة مبارك على الحفاظ على الاستقرار وعدم المغامرة!. ولكن هذه النخبة الجديدة الصاعدة علينا من مكامن الاثرياء الجدد ليس لديها حتى الوعي الاجتماعي الذي كان لاسماعيل صدقي باشا في العصر الملكي أو المهندس المقاول عثمان احمد عثمان في مرحلة السادات فالرجلان كانا يسعيان لشىء واضح.. الأول تقوده الرغبة العارمة للحداثة والثاني تقوده الرغبة الخالصة في الانجاز، اما هذه النخبة الجديدة- والحديث للدكتور عودة-فتقودها الرغبة الحارة للسيطرة والاثراء الفردي رغم ان مصر تجتاز لحظة تاريخية مليئة بالاحتمالات والمخاطر وهي ليست لعبة من العاب الحظ وانما عملية من حساب الاحتمالات المعقدة للتغيير الاجتماعي بالمعنى الواسع وتقع في قلبها عملية التغيير السياسي. بصراحة كما قد يرى البعض واجتراء على الثوابت في رأى البعض الاخر يطرح الدكتور جهاد عودة صاحب الصوت المسموع في اهم لجنة أو امانة بالحزب الحاكم في مصر البديل لنموذج ثورة 23 يوليو التي قادها جمال عبد الناصر ويقول: الذي يبدو بارزا كبديل لنموذج يوليو للدولة والمجتمع المصريين في المجال الاقتصادي هو القطاع الخاص كمحور للتنمية وليس مجرد منشط لقطاع الدولة للمنافسة الاقتصادية السليمة.. وفي مجال الامن هو العزلة عن العمليات الاساسية للتفاعل الامني في المنطقة العربية. والمفترض وفقا لهذا البديل الجديد-بكلمات عراب الفكر الجديد للحزب الحاكم في مصر- ان تنشط قوى السوق في الاستثمار والتنمية وان تركز الدولة المصرية نظرها على قضايا امنية شرق اوسطية بالمعنى الضيق وبحر متوسطية بالمعنى العريض وتتوافق مع التحولات الاوروبية للوحدة وانتهاء افكار ونماذج التنمية المركزية وتفتت العقم العربي إلى قيم امنية مستقلة في مواجهة بعضها البعض!.. هذا تصور خطير لأنه يمس الهوية المصرية ذاتها ويبدو انه لامكان للعروبة في هذا التصور أو البديل كما يطرحه الدكتور جهاد عودة!!. وها هو يقول: يتحدد مستقبل هذا البديل في ايقاف هدر الامكانات المصرية وتحسين اداء مؤسساتها الاقتصادية وفي تحسين مركزها الاقليمي والدولي على اساس عاملين لاثالث لهما اولا: مدى النضج الفكري وتوافر الامكانات للقوى الاجتماعية صاحبة النموذج البديل لمستقبل مصر.. وثانيا: مدى اقتناع مؤسسات الدولة في مجالات الامن والسياسة الخارجية بأن هذا البديل هو سبيل مصر لاستعادة مكانتها الدولية واحساسها بالأمن الاقليمى!.
المشهد المصري الراهن.. وحسب تشخيص عراب امانة السياسات في الحزب الوطني الحاكم للمشهد المصري الراهن فإن معظم القوى السياسية والاجتماعية في حالة اصطفاف وجيشان من اجل التغيير ولكن كقانون تاريخي من الارجح في مصر ان نجد الطاقة والرغبة في التغيير اكبر من مستوى نضوج تصورات مستقبل التغيير على حد قوله فيما يطرح ثلاثة سيناريوهات للتغيير الاجتماعي والسياسي في مصر اولها: سيناريو التطور الدستوري القانوني الديمقراطي ويقوم هذا السيناريو على افتراض ان الاجراءات الجديدة التي تدخلها السلطة في مصر على الهيكل التشريعي والسياسي تمهد الطريق لإقامة الدولة الدستورية القانونية. والسيناريو الثاني يسميه الدكتور جهاد عودة بسيناريو الاستبدال الديمقراطي القائم على افتراض التسوية لصالح قوى سياسية واجتماعية رئيسة في المعترك السياسي بما فيها قوى رئيسة داخل الحزب الحاكم واجهزة ومؤسسات الدولة وتتمثل هذه الفكرة في تجمع قوى سياسية واجتماعية فعالة حول برنامج محدد والعمل عليه للوصول به إلى السلطة سواء من خلال خلق اضطرابات واسعة أو الفوز في الانتخابات عبر تعبئة واسعة أو مشاركة بالضغط من بعض عناصر رئيسة في مؤسسات القهر بالدولة.. وهذا السيناريو يصبح فعالا مع تعمق مأزق التغيير من داخل تركيبة الدولة والحزب الحاكم ويزداد قبولا في نظر الناس مع ازدياد عجز التغيير من الداخل. أما السيناريو الثالث فيسميه جهاد عودة بسيناريو الشلل السياسي اي عدم القدرة على الحركة وهي حالة إذا استمرت قد تتحول إلى تفكك وصراع اهلي وهذا مالم تعرفه مصر الحديثة أو المعاصرة ولكنها عرفته في نهاية عصر المماليك كما عرفت دائما صيغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفق ميراث الرعب!.. فالحاكم لايرى اهمية لمفهوم المواطن في فهمه لتقاليد الحكم اذ يعتقد دائما ان مصر وطن يطمع فيه العالم ويجب حمايته حتى من المصريين!!.. ويضيف الدكتور عودة: غلب على الحاكم اعتقاده ان المصريين هم اساس مشاكل الحكم وكأنه يفضل ان يرث مصر من غير مصريين!. نعم كان الحاكم دائما يفضل اسلوب الرعب والاجهاد البيروقراطي في ادارة العلاقات مع المصريين المحكومين.. حتى خلال المرحلة الليبرالية في العصر الملكي لم يحكم حزب الوفد الا نحو خمس سنوات متقطعة لايصح معها ان يبني توقعا بأنه كان سيفتح فتحا جديدا في نمط العلاقة بين الحاكم والمحكوم فضلا عن ان هذا الحزب كان مضطربا بالانشقاقات وصراعات الاجنحة داخله.. على اي حال استمرت تقاليد الرعب والاجهاد خلال العصر الجمهوري الثوري رغم ان هذا العصر اسس شرعيته على التغنى بالجماهير ومع ذلك فقد استفحل الرعب والاجهاد البيروقراطي حتى اصبحت وزارتا الاعلام والداخلية عنوان الوعي الزائف والقهر المنظم ثم اقترن الانفتاح الساداتي بمفهوم الديمقراطية ذات الاسنان الحادة!. ازمة الديمقراطية. وإذا كان الدكتور جهاد عودة ينتقد بشدة في تنظيراته مرحلتي الرئيسين الراحلين جمال عبد الناصر وانور السادات فإنه يذهب لحد القول بأن قرار الرئيس حسني مبارك بإجراء الانتخابات الرئاسية على اساس تعدد المرشحين انهى لأول مرة في تاريخ مصر الطويل شرعية الحكم القائم على الرعب ليبزغ مفهوم شرعية الطمأنينة!!.. ولكنه يعود ليعترف في كتابه الذي يشكل على تناقضاته احد اهم التنظيرات للوضع الراهن بأن الديمقراطية المصرية في ازمة حقيقية بسبب مايصفه بعدم وجود ديمقراطيين لبناء الديمقراطية المصرية!.. ويقول: انها المرة الثانية في تاريخ مصر المعاصر التي لاتجد فيها الايديولوجية السائدة والحاكمة لعلاقة الدولة بالمجتمع انصارا خلص لها في مواقع القيادة والتأثير في اجهزة الدولة ومؤسسات المجتمع.. ففي مجتمع ودولة عبد الناصر شاهدنا بناء الاشتراكية بدون اشتراكيين والآن هانحن نعيش مرحلة بناء الديمقراطية بدون ديمقراطيين. يتساءل جهاد عودة: اذا عرفنا ان الاشتراكية بنيت بدون اشتراكيين لأنهم كانوا في السجون الناصرية بينما رجال الامن في مواقع القيادة الجماهيرية والبيروقراطية مسيطرة على ادوات صنع القرارات الاقتصادية والسياسية فلماذا لانجد الآن ديمقراطيين وفكرا ديمقراطيا رغم الحرية الفكرية الموجودة والنشاط السياسي المحموم في بعض قطاعات المجتمع المصري كالنقابات على سبيل المثال؟.. لماذا لانشاهد تعميقا فكريا للأفكار الديمقراطية؟!. هناك ثلاثة اسباب كبرى في رأي الدكتور جهاد عودة لهذا الانفصال الذي يهدد كل التجربة الديمقراطية بالنكسة كما حدث لتجربة عبد الناصر الاشتراكية واولها مايتعلق بالقيم والثقافة السياسية المصرية فالتوجه العام في مصر يدور حول الاحترام العميق للسلطة أو الخوف منها وربما يرجع ذلك إلى الميراث البيروقراطي لهذا البلد.. والسبب الثاني يتعلق بالتطور الاجتماعي والطبقي منذ ثورة 1952 فالطبقة الوسطى المهنية والتي تعاظمت وهيمنت بعد هذه الثورة استخدمت سلاح القوانين والاعلام بل والقهر في بعض الاحيان لتحزيم الطبقات الاخرى في المجتمع المصري بما فيها الشرائح المتوسطة التي لها دخل خاص وغير مقيد بنشاط الدولة في اشكال من الاجراءات والتنظيمات والمؤسسات السلطوية للنشاط المهني والاجتماعي والسياسي الأمر الذي ادى في نهاية المطاف إلى نفي استقلال هذه الطبقات وخصوصياتها الفكرية. والسبب الثالث- كما يقول الدكتور جهاد عودة- يتصل بهيمنة الدولة.. فقد اثبتت الدولة المصرية قدرة خارقة على الاستمرار في السيطرة رغم الازمات والصعاب والهزائم.. وقد سجلت هذه الدولة براعة منقطعة النظير في تبني اجراءات وايديولوجيات متعارضة ومتناقضة مادامت تسمح لها باستمرار الهيمنة والسيطرة.. ان ضحالة الفكر الديمقراطي في مصر تعكس بوضوح ازمة الليبرالية وهذه الضحالة للفكر الديمقراطي يعتبرها عودة المساهم الفعال في خلق بيئة الفساد والانحراف والتسلط والتعصب. الحقيقة ان الازمة المجتمعية المصرية تلح منذ فترة على كثير من الكتاب واصحاب الاقلام المنتمين لاتجاهات متعددة ويحمل الكاتب اليساري المصري الراحل احمد عباس صالح سياسات الانفتاح الاقتصادي التي انتهجها الرئيس انور السادات منذ منتصف السبعينيات في القرن الماضي مسؤولية الشرور الاجتماعية في الحياة المصرية ويقول في كتابه الذي يروى سيرته في الحياة وصدر مؤخرا بعد رحيله بعنوان: عمر في العاصفة : الواقع ان المصريين كانوا يعيشون تحت مظلة الدولة التي تحميهم من البطالة والفقر فضلا عما تؤديه من خدمات اخرى في مجالات كالصحة والتعليم وبالفعل ارتعب الناس عند رفع مظلة الدولة وراحوا يجرون جريا وراء مايؤمن حياتهم ايا كان المصدر الذي يأتي منه المال ومنذ هذا التاريخ والناس يتناهبون كل مايمكن الحصول عليه بالخير أو بالشر واضطربت المنظومة الاخلاقية للمصريين اضطرابا كبيرا. | ||
| ||