ثقافة وأدب

علامات علي الطريق الي الحرية…هل يصلح النموذج الغربي للحرية للتطبيق في بلادنا؟

عندما يتطرق حديث أحدنا عن الحرية لا يغيب عن تصور المتحدث والسامع النموذج الغربي لممارسة الحرية خاصة عندما يقارنها بما يمارس في بلده، هذا إذا كان المتحدث احدنا. ومن جهة أخري فعندما يتناول الغربي القمع والاستبداد والقهر فلا يغيب عن تصوره النموذج الحي لممارسة هذه السلوكيات في بلاد العالم المتخلف والمسلم علي وجه الخصوص. فكما نري أنفسنا يرانا الآخرون، فهناك اتفاق بيننا وبينهم في هذا الأمر.


ليس من الصواب أن نصف بلدا ما بالحرية بإطلاق، فالحرية وعكسها يمثلان نقطتين علي مقياس أشبه بمسطرة ممتدة ولكل نموذج درجة، علي هذا المقياس هذه الدرجة قد تكون مرتفعة علي المقياس بقربها من النقطة الإيجاب وقد تكون منخفضة بقربها من النقطة السلب، وأحيانا قد تكون منعدمة أو بالسالب (كما هوالحال في بعض البلدان). وهذا المفهوم لا يكون أحيانا بدرجة ثابتة فقد ترتفع الدرجة وتنخفض في البلد الواحد تبعاً للظروف السياسية وربما الاقتصادية.


والسؤال هوهل يصلح النموذج الغربي للحرية للتطبيق في بلادنا؟ أم أن لكل بلد خصوصية وما يصلح لبلد لا يصلح للبلد الآخر؟ أعتقد أنه من الخطأ أن نفصل النموذج الغربي للحرية عن الخلفية التاريخية للمجتمعات الغربية. فعندما نتتبع المسار التاريخي لمفهوم الحرية في هذه المجتمعات والظروف التي أدت إلي بزوغ المعني الحالي للحرية نجد أن هناك خصوصية في التطبيق فما يصلح لبلد قد لا يصلح لآخر، بل إننا لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نساوي بين مفهوم الحرية كما يطبق في أوروبا وكما يطبق في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم الجديد. فهناك اختلاف قد لا يدركه الكثيرون بين النمطين من الحرية.



تعميم ساذج


ويمارس بعض المفكرين لدينا نوعاً من التعميم الساذج في هذا الأمر علي طريقة لبن…… سمك… تمرهندي (أي كلام). الحديث عن الخلفية التاريخية أمر ضروري جداً لأنه بدون فهم الخلفية التاريخية لا يمكننا أن نفهم الكثير من السلوكيات في نمطي الحرية الغربيين الأمريكية والأورربية. وهذا بالتالي يجعلنا لا نغفل الفرق بين الشخصية الأوروبية والشخصية الأمريكية فلكل منهما فروق فردية رغم اجتماعهما في سمات عامة.


مهلاً…. نحن كنا نتحدث عن تعريف للحرية فهل شططنا عن هذا الهدف بموضوعات جانبية؟، في الواقع لا… فإن النموذج الغربي للحرية بشكل عام هوما سنُعرف به الحرية…. بمعني…. أننا نقول: الحرية….. هي ما تراه ممارس في الغرب… هذا يسمي بالتعريف الإجرائي، وهوتعريف يصف المفهوم في حالة الممارسة……. لتقريب المعني للقاريء…..


أنا لا أملك الصلاحية كي أقرر إذا ما كان النموذج الغربي للحرية يمكن أن يصلح للتطبيق في بلادنا…. وأقصد ببلادنا: البلاد الإسلامية، العربية وغير العربية… ورغم الفروق الفردية بين هذه البلاد إلا أنها تشترك في سمات عامة تجمعها أرضية ثقافية وفكرية واحدة.



حالة القهر داخلنا


إن فهم الخلفية التاريخية والموروث الحضاري لهذه البلاد أمر لا ينبغي أن نغفل عنه عندما نطالب بحريتنا…. لا يوجد واحد منا لا يتطلع إلي الحرية بمعناها الواسع… فنحن نعيش حالة من القهر علي كل المستويات… يبدأ هذا القهر ربما من داخلنا ثم يتسرب… ربما لأقرب الناس إلينا وينعكس علي علاقتنا الاجتماعية ويترك آثاره علي حالتنا النفسية… ولكن الكثير منا يربط الحرية بغرائزه ولا يستهويه منها إلا ما يشاهده من التحلل الأخلاقي في الغرب.. فهذه في نظره هي الحرية… ويعيش القمع علي كل المستويات في بلده.


فمنذ أن رسيت سفن نابليون بميناء الأسكندرية ووطيء بخيله الجامع الأزهر، فلم تزل علامات الدهشة تعلو وجوهنا كما هي أول مرة عندما علت وجوه أجدادنا الذين عاصروا نابليون وشاهدوا ما عرضته بعثته العلمية علي بعض مشايخ الأزهر من حيل كما وصفها شيخنا الجبرتي. ومنذ ذلك الحين ونحن نتخبط – ولا أخص بلداً دون آخر فلكل بلد منا نابليونه – ما بين أقصي اليمين وأقصي اليسار….. ونحن كما نحن، بل أسواء..


ياقوم: ادرسوا التاريخ بوعي، فنحن أمة غنية بتاريخها، ولا أقصد بهذا الثراء التاريخي مجدا تليدا فقط…. وإنما فيه من العار والخزي الكثير…. ولكنه سيعلمنا ألا نكرر نفسالخطأ.


لا يمكن فصل الحاضر عن الماضي فنحن نتاج هذا الماضي ولا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نبني حاضرنا بمعزل عن هذا الماضي….. هذا ما أعنيه بالخلفية التاريخية عند تطبيق مفهوم الحرية….. ما أحوجنا إلي هذه الحرية…. الحرية المقرونة بالمسؤولية والوعي….. الحرية التي تعلمني ألا أتنازل عن حقاً سواء كان هذا الحق شخصياً أوحق عاماً….. الحرية في ضوء موروثنا الحضاري.


إذن فمن الضروري ألا نفصل الحرية كما تمارس في الغرب بشقيه، الأمريكي والأوروبي، ألا نفصلها عن الخلفية التاريخية والموروث الثقافي….. وأثر ذلك الموروث أو الملابسات التاريخية علي تطبيقها وممارستها.


كذلك عندما نطالب بالحرية في بلادنا، فيجب أن نراعي الموروث الثقافي والفكري والسياق التاريخي…. فهم ذلك جيدا سيجنبنا الزلل ويكون بمثابة علامات علي الطريق…..وللحديث بقية


مجدي أحمد محمود حسين


[email protected]

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X