المنتدى

تانغو الرعب

بقلم : زهير المخ (كاتب وأكاديمي عراقي ) ..ينتهج التيار الصدري سياسة تضليلية في مقاربته للأزمة السياسية العراقية الراهنة عبر الرقص البهلواني المتعمد بين عدد من الخطوات التصعيدية.


وعليه يلج هذا التيار باب الأزمة الحكومية الراهنة علي وقع أهداف محددة وإن غير معلنة علي الدوام، موظفاً في سبيل ذلك الحجة ونقيضها.


في هذا المعني، تجلو الأصواتُ التي تتسلّل من الشاشات الصغيرة إلي مسامعنا الغموضَ الذي قد يشوب مواقف عنفية تختلط برائحة الدم. فقد سُمع، مثلاً، أن مدير مكتب الصدر في مدينة النجف الشيخ صلاح العبيدي أكد أن “آراء اللجان العشر” التي كلفها مقتدي الصدر بكتابة تقارير حول تمديد وقف نشاطات “جيش المهدي” كانت “سلبية حيث طالب الكثير منها، إن لم نقل جميعها، برفع تجميد نشاط جيش المهدي وذلك لما يعانيه أنصار الصدر من اعتقالات وتصفيات تقوم بها أجهزة الدولة”.


 وكلام من هذا القبيل يخرج من حناجر “مسؤولة” له دلالاته بعيدة ومخاطره قريبة، بقدر ما ينمّ السلوك هذا، العنفيّ منه والكلاميّ، عن الدرجة التي بلغها هذا التيار بحيث أن فساد الملح لم يترك ما يصلح للتمليح. وهو طبعاً مما يلازم الحروب الأهلية حيث تمتدّ رقعة الاستقطاب وتكبر بينما يحول العنف الصريح والدم المسكوب دون تدوير المعاني أو تمويهها بالمجاملات.


وربما يقال أيضاً أن هذا إنشاء، في مجمله، مصبوغ بتفجّع توراتيّ ينذر بغضب إلهيّ، وهو سلوك يذكّر بالمستبدّ حين يسمّي نفسه “خادم الشعب” فحسب، منكراً أن يكون له مطمح شخصيّ، وأنه لا يعمل إلا لتوفير الحياة الآمنة لهم. غير أن المستوي الآخر، الأهمّ والأعقد، يطال الصلة بين جزئي “خطاب” التعفّف والتعالي.


ففضلاً عن التعبئة والتحريض اللذين اتّسمت بهما السنوات الأربع الماضية، وعن مداعبة الغرائز الشيعية وتصعيدها، سجّلت الأسابيع الماضية وجهةً لا يشكّ الناظر إليها في طبيعتها الاستقطابيّة. فكما يحدث قبل الحروب وإبّانها، تُفرز المواقع ويُنحّي الغموض لصالح الوضوح الباهر.


 فلم يعد هناك من حدود لهذا الخطاب العنفي الذي يشعر صاحبه أن له الحق المطلق، وربما الإلهي، بإطلاق التهم يمينا وشمالا وتخوين كل من يخالفه الرأي، وكيل الشتائم والتجريح وغيرها من مفردات الخروج عن أدب التخاطب، والادعاء بامتلاك الحقيقة، إضافة طبعاً إلي المثابرة في السعي المستمر عن “عدو” داخلي يتم التصويب عليه من أجل إضفاء نوع من “المصداقية” علي طروحاته ومواقفه وشد عصب جماعته ومناصريه، متناسياً انه يقيم دويلة وسلطة قائمة بذاتها وأمن ذاتي في المناطق التي يسيطر عليها ويمنع علي المؤسسات الأمنية الشرعية من التواجد فيها.


علي هذا النحو، لا يتردد التيار الصدري في المجاهرة بالطعن في أي مسلك تسلكه مؤسسة الحكم. أما حين تلوح فرصة للتيار يظنها ملائمة لحشر خصومه في خانة تبعات الديموقراطية في مجتمع مركب كالمجتمع العراقي، تراه يشحذ شفرة التهويل بالعددية ما قبل السياسية وافدا إلي السياسة والعمل العام من الرحم الشيعية الولاّدة.


وإزاء هذا الرقص البهلواني بين المفاهيم السياسية، يجمع التيار الصدري سياق آخر يتصل بالممارسة السياسية القائمة علي إخافة الجماهير تعميها عن ثقوب الخطاب السياسي. وإذ يستعين التيار الصدري بالالتفاف والمواربة علي رقصه بين المفاهيم يصوغ رقصته الخاصة أيضاً في قالب هيولي اختزالي لطالما استحوذ علي العقل الشيعي حين يخوض غمار السياسة. فالتيار، إذ يطعن بشرعية الحكم القائم لمصلحة المنطق التوافقي يعود ويشدد علي حتمية أن يناط بصاحب الغالبية علي مستوي الطائفة إدارة شؤون الجماعة الأهلية والنطق بلسان أحوالها.


وإذ ذاك لا يجوز أن يناقش صاحب “الأكثرية الأهلية” في صفته التمثيلية الملزمة للآخرين علي المستوي الوطني في معزل عن مدي اتساع رقعة تحالفاته السياسية أو ضيقها.


 هكذا يصير اندراج الأقلية الأهلية (جبهة التوافق السنية) في إطار سياسي وطني اعم وأشمل، تصدر عن التئام عناصره أكثرية مؤسسية، مادة للطعن والاستنكار وسبباً للرمي بتهمة الالتحاق، ولا يعود يهم حينها فشل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في توسيع رقعة ائتلافه السياسي توسيعاً يضمن له أكثرية برلمانية توفر له الدعم المطلوب للبقاء في سدة رئاسة الوزارة.


 ويذهب التيار الصدري مذهب الآخرين في الاستعانة ب”الأهل” علي المؤسسات ومترتبات العمل الديموقراطي، بل إنه ، علي مستوي الترميز، يعود إلي مشترك أهلي شيعي سابق علي فكرة الدولة حين يحشد الجماهير في إطار “جيش المهدي”.


ولئن جاز القفز فوق “المنطق المركب”. فحين يتحصن التيار الصدري بالمكون الشيعي وعديده ويطعن بتمثيلية بقية النواب الشيعة ممن خالط الصوت الشيعي الممنوح لهم صوت غير شيعي، لا يحق له، وفق منطقه، أن يطرح قانون مجالس المحافظات عبر الشعب، لأنه حينذاك يتيح لشريحة غير شيعية أوسع أن تشارك في إنتاج الممثل الأول ل”الكانتون الأهلي” في الدولة المركزية.


إلامَ يفضي هذا المسلك الممتد منذ ما يقرب من خمس سنوات؟ إلي أمرين: حالة شيعية منعزلة عن المناخ العراقي الأعم، حيث لم تعد شيعة العراق طائفة المظلومين التي يتضامن معها كل محروم في أرضه، بل طائفة تغلب الخشية منها علي مناصرة قضاياها الحقة، وإلي تحصن كل طائفة داخل حيّزها الجغرافي، إن كان يملك مثل هذا الحيّز، وبناء خطوط تماس عيشها المستقل. أما “الخوارج” علي المكونات الشيعية السياسية الأخري، فيتوزعون بين مهاجر أو ملتزم حدود بيته غير مبدّل قناعاته، أو مستمر في الجهاد من اجل دولة مدنية لا طائفة لها، ولو طال السفر.

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X