المنتدى

السباق المحموم

بقلم : جورج علم -(كاتب لبناني ) ..عندما أعلنت الإدارة الامريكية عن إرسال المدمرة يو اس اس كول الي المياه الاقليمية اللبنانية، اضطر رئيس الحكومة فؤاد السنيورة الي إصدار بيان ينفي علمه المسبق بهذه الخطوة، إلا أن واشنطن لم تمهل، بل أكدت في بيان الرد علي وجود تنسيق مسبق، معتبرة ان ما جري قد يفاجيء البعض، ولكنه لم يفاجيء الرئيس السنيورة تحديدا؟!


وسواء تم هذا الانتشار بعلم الحكومة اللبنانية او بغفلة منها، فإنه يشكل عنوانا لمرحلة جديدة قد يتقدم فيها الخيار العسكري علي الدبلوماسي، أو قد يساند هذا الخيار المسعي الدبلوماسي لإنقاذ تسوية ما، قد تكون البديل المنطقي عن كل هذا التعثر الحاصل علي مستوي الحلول والمعالجات.


وكان اغتيال القيادي في حزب الله، عماد مغنية في قلب العاصمة السورية قد شكل بداية لمرحلة جديدة من التصعيد، استهلها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بالقول: إن مرحلة ما بعد اغتيال مغنية ليست كما قبلها . وإن اسرائيل هي المتورطة، وعليها أن تدفع الثمن، وقد شاءتها حربا مفتوحة، فلتكن؟!


وتأتي المجازر التي ارتكبت في غزة، والرد عليها في مدرسة دينية في قلب القدس المحتلة، بمثابة عنوان ثانٍ لهذه الحرب المفتوحة، فيما العنوان الثالث هو انتشار السفن والبوارج الحربية الامريكية – الاوروبية قبالة السواحل اللبنانية والباب مفتوح علي شتي المفاجآت.


ومن هذه المفاجآت ان واشنطن ليست علي موجة واحدة مع الحكومة الاسرائيلية. اسرائيل تريد الحرب لإعادة الاعتبار الي جيشها الذي تراجعت معنوياته بعد حرب يوليو تموز في حين ان الولايات المتحدة هي علي موجة اخري، لقد قطعت أشواطا في ترتيب الوضع في العراق، واسهمت في توفير زيارة ناجحة للرئيس الايراني أحمدي نجاد الي بلاد الرافدين بحراسة الجيش الامريكي ووسعت دائرة المفاوضات مع طهران حول برنامجها النووي ووعدت بترتيب العلاقات الفلسطينية – الاسرائيلية وفق المباديء والاسس التي أرساها مؤتمر أنابوليس للوصول الي إعلان الدولة الفلسطينية القابلة للحياة.، ووعدت اللبنانيين خصوصا في صفوف الموالاة، بأن لا صفقة مع سوريا علي حساب لبنان.


وشاءت إدارة الرئيس بوش من خلال ذلك ان تلمع صورتها في الداخل وتوفر حظوظا لمرشح الحزب الجمهوري بالفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة بحيث تبقي الاستراتيجية المعتمدة حيال الشرق الاوسط بمنأي عن أي تغيير جوهري في المستقبل.


وتعرف اسرائيل كم ان الادارة الامريكية في موسم الانتخابات طيعة وقابلة للتجاوب مع أي مطلب في ظل الحجم الفاعل والمؤثر الذي يحتله اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة ومدي قدرته علي التأثير في دوائر القرار، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمصالح اسرائيل.


 وبناء عليه فإن الرئيس بوش وعد الحكومة الاسرائيلية بأنه عائد الي القدس المحتلة في مايو للاحتفال مع الاسرائيليين بمناسبة مرور 60 عاما علي إقامة الدولة العبرية وايضا لإعلان قيام الدولة الفلسطينية ولو علي ورق؟!..


إلا ان الحكومة الاسرائيلية التي لا تستطيع التنكر لهذه الحقائق قد أبلغت إدارة الرئيس بوش بشكل واضح ونهائي بأنها لن تقبل حتي بإعلان الدولة الفلسطينية ولو علي الورق وهي محاصرة بقاعدتين ايرانيتين الأولي تمثلها حماس في غزة والثانية يمثلها حزب الله في جنوب لبنان ولن تقبل بأن يبقي أمنها مهددا وتحت رحمة الصواريخ الايرانية الموزعة ما بين حزب الله في لبنان وحماس في قطاع غزة؟!


أما الحل من الوجهة الاسرائيلية فهو الدخول في عملية تسديد الفواتير وتصفية ما تبقي من حسابات مع دول الطوق وتحديدا مع سوريا ولبنان، وايضا القيام بعملية جراحية قد تكون مكلفة موجعة لاستئصال الدرن الايراني الذي بدأ ينهش في الجسم الاسرائيلي والدخول في مواجهة مكشوفة مع حماس والجهاد الاسلامي وكل الفصائل الرافضة للتسوية وايضا مع حزب الله وسلاحه الصاروخي الذي قد يطال العمق الاسرائيلي.


وتأتي وزيرة الخارجية كونداليزا رايس الي المنطقة لتعطي الموافقة وربما لتحدد ساعة الصفر، وطلبت من الرئيس الفلسطيني محمود عباس وجوب الاستمرار في التفاوض مع اولمرت من دون التأثر بالمجازر التي ترتكب في غزة، وطلبت من الموالاة في لبنان الصمود وعدم منح المعارضة أي تنازل والتأكيد علي ان البوارج علي تخوم المياه الاقليمية اللبنانية هي لتوجيه رسالة واضحة الي سوريا لوقف تدخلها في لبنان وطمأنة الرئيس السنيورة وحكومته من ان لا صفقة علي حساب لبنان وان هناك سلم اولويات في المنطقة يفترض ان يأخذ طريقه الي التنفيذ إن بالوسائل الدبلوماسية او عن طريق ضرب الحديد وهو حام؟!.


ويبدو ان عودة بوش الي المنطقة والمرتقبة في مايو بحاجة الي تأكيد وهذا سيتم ميدانيا خلال شهري مارس الحالي، وأبريل المقبل بحيث تتفجر كل البراكين التي خططت لها الدولة العبرية مع الإدارة الامريكية والهادفة الي إنهاء دور المقاومة في جنوب لبنان وغزة.


وتأتي القمة العربية كاستحقاق له رمزيته في هذه المرحلة ذلك ان سوريا تصر علي عدم تأجيلها وعقدها في موعدها في 29 و30 الجاري فأي قمة تريدها دمشق؟ هل تريد قمة لم الشمل العربي وتفعيل العمل العربي المشترك ام قمة تكريس المحاور العربية المتباعدة؟ وهل تريد قمة وقد أخذت المبادرة العربية الخاصة في لبنان طريقهانحو التنفيذ وانتخب رئيس الجمهورية الذي سيمثل لبنان في اجتماعاتها؟ ام تريدها قمة بمن يحضر لتعميق الشرخ ما بين الموالاة والمعارضة؟، هل تريد قمة تكرس النفوذ الايراني في العالم العربي ام قمة تحد من هذا النفوذ؟ وهل سيصار الي معالجة الوضع في غزة وجنوب لبنان قبل القمة أم ان الأمور ستفلت علي غاربها بعيد انتهاء أعمالها؟… إن السباق محموم ما بين الخيارات العسكرية والجهود الدبلوماسية والقمة العربية في دمشق هي المفصل؟!..

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X