صفحات منوعة

جورج وهنرييت طعمة أنجزا “نباتات لبنان المصورة”

50 عاماً أمضياها في البحث والتوثيق العلمي



  • 2600 نبتة بينها 118 اختفت و59 جديدة و94 متفردة

لبنان – الراية – أنور عقل ضو :


” نباتات لبنان المصورةLebanon of Flora Illustrated” عمل توثيقي شاق أبصر النور أخيراً، من خلال مجلد ضخم، هو نتاج جهد مشترك بين عالمين هما الدكتور جورج طعمة وزوجته الدكتورة هنرييت طعمة، عملا دون كلل زهاء خمسين عاماً أمضياها في البحث والتقصي في أحراش لبنان، المحدودة مساحة والغنية بتنوعها النباتي، ساحلاً وجبلاً وداخلاً.


نباتات متوسطية في بلد يمثل فرادة خاصة في تنوعه المناخي، حيث تنمو فيه نباتات المناطق الباردة ونباتات المناطق الدافئة والحارة في ظاهرة قل نظيرها في بيئات أخري من العالم، فضلاً عن أن الكثير من النباتات والأزهار معروفة بهويتها اللبنانية، ولاقت من يهتم بها، يوثقها ويشهر هويتها الخاصة ويعلن فرادتها قبل أن تمتد إليها يد تعوّدت سرقة الفرادة، ولا تزال تحاول زوراً باسم العلم تغيير نسب نبتة أو تشويه هويتها ونزع صفة تفردها في بيئة لبنان التي لا تزال حية، عصية علي الموت، قادرة علي أن تكون مختلفة، علي الرغم من جور انتهاك عذريتها وقسوة تغيير معالمها ووحشية التعاطي مع موائل تميّزها، في ظل عشوائية التمدد العمراني واستباحة البيئة البرية والأحراج وقمم الجبال ومجاري الأنهر والوديان.


أهمية هذا الإنجاز العلمي أنه جاء ليوثق هذا الكم الهائل من النباتات، بعد اختفاء وانقراض 118 نبتة من النباتات البرية التي وثقها الأب اليسوعي الفرنسي موترد المتوفي عام 1972، أو تلك التي وثقها قبل نحو ألف عام شيخ أطباء دمشق محيي الدين الصوري وبعده في القرن التاسع عشر بعثات أوروبية، خاصة مع الفرنسي بواسييه وصديقه بلانش، أو تلك التي وثقت في “المتحف الطبيعي” الذي أسس في الجامعة اللبنانية عام 1983 وضم الكثير من أنواع نباتات لبنان المعروف منها حتي الآن 2607 أنواع حسب تصنيف الباحث الدكتور مصطفي نعمة في مؤلفه الجامع “المعجم الاشتقاقي للنباتات” أو تلك الموثقة في معشب القسيس بوست في الجامعة الأمريكية في بيروت.



59 نبتة جديدة


في “نباتات لبنان المصورة” نجد أن عشابين لبنانيين استطاعوا في رحلة بحث شاقة وطويلة النفس توثيق نباتات لبنان البرية المعروفة سابقاً عبر العشابين التاريخيين، وجلهم من غير اللبنانيين جمعوا نباتات لبنان وسوريا أو نباتات لبنان وسوريا وفلسطين، لكن الثنائي طعمة اهتم بما في بيئة لبنان من نباتات يشارك في بعضها الدول المجاورة ويتفرد في 94 لبنانية، ولم يكتفيا بالمعروف من العشابين القدامي من النباتات، بل أضافا أنواع النباتات المكتشفة بعد العشابين، وأبرزا 59 نبتة جديدة منتشرة في موائل محددة في بيئة لبنان، فوثقاها بالصورة وأعطياها هوياتها أسوة بشقيقاتها النباتات الأخري المعروفة، وقرنا إعطاء الهوية لكل نبتة من نباتات لبنان ال 2606 بصور ل 2600 منها في مراحل الإنبات والإزهار والإثمار، وحفظا من كل نبتة عيّنة في “معشب جورج وهنرييت طعمة” الذي قبلته الدولة اللبنانية هبة من الباحثين وبات مفتوحاً للعالم والطالب والمهتم في “المجلس الوطني للبحوث العلمية” الذي تلقّف مشكوراً جهود الباحثين وأصدر مجلدهما الجامع بصفحاته التي تحمل بطاقات هوية لثروة طبيعية في بيئة عودتنا العطاء، نباتات متفردة، وأخري غذائية، وثالثة طبية، ومعظمها، ذات جدوي اقتصادية إذا رشد استثمارها.


ويذكر أن الثنائي طعمة كانا قد أصدرا مؤلفاً حمل عنوان “ألف زهرة وزهرة من لبنان” عام 2002، ليأتي “نباتات لبنان المصورة” تتويجاً لمسيرة علمية – نقدية تكون بمتناول الطالب والباحث والعالم والمهتم وكل مواطن راغب في المعرفة لما وثقه العشابون من الصوري إلي بواسييه وبلانش وموترد وبوست وغيرهم من الباحثين اللبنانيين والأجانب، مستفيدين من أبحاث كثيرة مطبوعة ومنشورة ذكراها في “بيبليوغرافيا” المجلد بأمانة علمية تعودناها مع الثنائي الذي يدعو كل لبناني إلي التعرف إلي وطنه، إلي ثروة فيها كل الغني.


وبفرح العالم المدرك لأهمية البحث العلمي والتوثيق يعلن الدكتور جورج طعمة أن المجلد لاقي الصدي الطيب من مراكز البحث العلمي في العالم. فقد تلقي اتصالاً من مركز ألماني طلب تزويده بنسخ علي اعتبار المجلد مرجعاً لنباتات لبنان والشرق الأوسط، وينوّه باهتمام برنامج الأمم المتحدة الإنمائيUNDP ومنظمة الأغذية والزراعة الدولية FAO والجامعات في لبنان وفي الخارج والطلاب والباحثين وبعض السياسيين.


“النباتات مصورة، مصنفة، ومعرّفة بقياسها المحدد، والأهم أنها كلها موجودة في لبنان، بسبب تنوع مناخه وبيئته”، كما يقول الدكتور طعمة ل “الراية”. وبرأيه “لا أحد ينافس لبنان في هذه الثروة، لا سيما إذا ما قارنا الغني الموجود في هذه المساحة الصغيرة، بالمساحات الشاسعة في أوروبا، وذلك لأن المناخ يتغير في لبنان بين منطقة وأخري، ولا يفصل بينها أكثر من مسافات قصيرة جدا”.


ويضيف بأن “الحفاظ علي هذا الإرث ليس بالعملية المعقدة. قواعد بسيطة يمكن أن نتبعها ونطبقها، أبسطها أن لا نقطع زهرة تسكن أرضنا طوال عقود، لتسكن باقة نُهديها، أو إناء يزين بيتنا. أما القواعد الأخري فتحتاج الي قوانين تتعلق بتخطيط المدن، والأراضي المسموح البناء فيها”.



50 عاماً من البحث والتوثيق


ويقول جورج طعمة إنه أمضي وهنرييت نحو 50 عاماً في البحث والتقصّي والتوثيق عبر زيارة موائل النباتات علي مدار الفصول لرصد الإنبات والإزهار والإثمار، وأنهما لم يتدخلا في تسمية النباتات واكتفيا بإثبات الإسم العلمي لكل نبتة مضافاً إليه الإسم المتداول – وأحياناً كثيرة الاسم المحلي للنبتة.


ويفخر طعمة بأن الثنائي اللبناني استطاع لأول مرة جمع نباتات لبنان المعروفة ووضعها ودرسها وتوثيقها وإثبات هويتها ذلك أن الآخرين، من الصوري الي موترد إلي غيرهم اهتموا بنباتات لبنان والدول المجاورة من جهة، ووثقوها بالرسم اليدوي (ذلك أن الصوري كان يصطحب رساماً في جولاته للبحث عن النباتات الطبية المستعملة ليضمها الي مراجعه عن تاريخ الطب العربي في ذلك الزمان) والآخرون لم يتمكنوا من التوثيق بالصورة والنموذج، فيما استطاع الثنائي طعمة أن يوثق بالصور والوصف والنماذج في المعشب الخاص لكل نبتة في مراحلها الثلاث، ذلك أن لكل نبتة كما يقول طعمة صورة علي الأقل بالألوان في الموقع مع تحديد المكان والموئل والزمان والنوع وجهة الاستعمال ووصف لتميّز النبتة ما يسمح بمعرفتها وكشف هويتها الخاصة المحددة.


ويلفت طعمة الي توثيق 118 نبتة ذكرها موترد واختفت وأخري صورها الدكتور مصطفي نعمة أوائل السبعينيات واختفت، موضحاً أنه قام مع شريكته هنرييت برحلات إلي باريس حيث تمكنا في “المتحف الوطني للعلوم الطبيعة” في العاصمة الفرنسية من الإطلاع علي نتائج أبحاث فرنسية جرت في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تناولت نباتات لبنان واطلعا علي الأرشيف والمعاشب والملفات والرسوم والصور وحصلا علي 400 ملف لأنواع نباتات لبنانية وثقت بين عام 1846 وعام 1940 وحفظت نماذج عنها في المعاشب مع معلومات عنها وقد تمكنا من ضمها الي معشبهما في المجلس الوطني وإلي مجلدهما الجديد.



 


أنواع مهددة


ويخشي العالمان من أن الكثير من أنواع النبات في لبنان بات مهدداً ويحتاج إلي جهود علمية فورية لحمايتها ومنع انقراضها وعددها بالعشرات، ويخشي طعمه أن يتحول التهديد لبعض الأنواع إلي انقراض مع تنامي ظاهرة اختفاء الازهار بمعدل كبير كل عام، وذلك جراء حرائق الغابات والمشاريع والطرق والتوسع العمراني والاستغلال الجائر ويعطي مثلاً عن نبتة موثقة اختفت نتيجة الطلب لاستخدامها في باقات الزهر في محلات بيع الزهور. ولم يعثر الباحثان علي اثر لها بعد ذلك.



وكشف لتزوير علمي


ولأن لكل نبتة حكاية مع الثنائي طعمه يروي الدكتور جورج اكتشافه لسرقة موثقة لاحدي النباتات المتفردة في لبنان وهي زهرة “سوسن ميس الجبل” التي سبق ان أعطاها طعمه اسمها وموئلها محيط بلدة ميس الجبل وبلدتي كونين وحولا الجنوبيتين، وهي معروفة تاريخياً موثقة في العام 1875 لكنها اختفت ليعود فيكتشفها موظف في جمارك فرنسا عام 1933 في موئلها الأصلي، لكن صديقاً لطعمه من الأردن حمل إليه وثيقة إسرائيلية تدعي أن الزهرة اكتشفت في جبل الشيخ (في المنطقة التي تحتلها إسرائيل) وانها منتشرة في الجبل، وهذا غير صحيح كما يقول طعمه الذي يؤكد أن موئل الزهرة حصراً في ميس الجبل وكونين وحولا وانه كثيراً ما بحث في جبل الشيخ، جبلاً وسفوحاً من منطقة راشيا إلي حدود فلسطين ولم يعثر علي الزهرة، ولتثبيت التفرد في الموئل قصد الأماكن التي اكتشف فيها “سوسن ميس الجبل” بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، وبالتحديد في ابريل من العام 2001 وبحث عن السوسنة علي جنبات الطريق التي لم يكن يجرؤ انسان علي تخطيها للبحث في الأرض البور نظراً للالغام التي زرعها الاحتلال.


ويضيف طعمه، قفزت من الطريق علي صخور في المكان إلي أن وصلت إلي صخرة كبيرة لتظهر أمام ناظري سوسنة ميس الجبل فصورتها في المكان واخذت عينة منها لضمها إلي “المعشب” واخترنا صورتها غلافاً لمجلدنا.


# توثيق الإرث الطبيعي والثقافة البيئية


ويأمل الثنائي طعمه أن يتوجه الطلاب والباحثون اللبنانيون إلي دراسة أزهار ونباتات لبنان وتجديد الابحاث حولها وايلاء أهمية خاصة لدراسة خصائص نباتات لبنان المتفردة وتلك التي تحظي بقيمة اقتصادية. علي أمل أن يبادر الباحثون إلي عمل مميز كعمل الثنائي طعمه وأن يتمتعوا بابحاثهم في البيئة الفنية بتنوعها والمتفردة ببعض نباتاتها لتبقي غنية ومتفردة وقادرة علي جبه الجور والقسوة والانتهاك ولتبقي جميلة قابلة لاستثمار رشيد يحتاجه لبنان في ظل النزف المستمر للموارد.


وليس من قبيل الصدفة أن يؤكد أمين عام المجلس الوطني للبحث العلمي في لبنان د. معين حمزة، بأن العمل أشبه بتحد قام به جورج وهنرييت طعمة، وهو يوثق الإرث الطبيعي والثقافة البيئية في لبنان. ليضيف بأن “التنوع البيئي والطبيعي والمناخي في لبنان، انعكس في هذا المجلد، الذي يعتبر مساهمة للترويج للبنان وللثروة الحرجية والبيئية المجهولة والمهددة بالانقراض”.

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X