حوارات

حدائق الشيطان لا تزال تزرع الموت


 


في الشرق الأوسط الحرب العالمية الثانية لم تنته بعد



اسرائيل أمطرت جنوب لبنان بأكثر من مليون قنبلة عنقودية حصدت أربعين شخصاً حتي الآن



17.6 مليون لغم في الصحراء الغربية المصرية ما زالت باقية من الحرب العالمية اغتالت الآلاف وما زالت خطراً جاثماً علي صدر مصر


 



بقلم : روبرت فيسك (كبير مراسلي الاندبندنت البريطانية ) .لأول مرة رأيتها شعرت بميل غريزي لألتقط واحدة منها، كانت ساطعة تحت أشعة الشمس،خضراء فاتحة وأحيانا تبدو نضرة وسط الأعشاب اليابسة في مرتفعات جنوب لبنان.واضح أن عنقود القنابل الصغيرة صنع في شكل يكون وضعه في كفة اليد يسيرا، فلا غرابة إذن أن يقتل الأطفال الصغار.


أمطرت إسرائيل بساتين وحقول جنوب لبنان عام 2006 بأكثر من مليون قنبلة عنقودية، ومنذ أن تم إعلان وقف إطلاق النار في حرب الثلاثة والأربعين يوما بين إسرائيل وحزب الله وإلي اليوم حصدت تلك القنابل أرواح أربعين شخصا من الرجال والنساء والأطفال. ولاحظ عدد من خبراء المتفجرات أن تلك العناقيد وجدت ملقاة في حقول من الألغام الأرضية زرعتها إسرائيل عندما غادرت مناطق الجنوب عام 2000، وفي بعض الحالات كانت نفس الحقول تلتقي مع حقول فلسطينية مزروعة بألغام قديمة ، وهذه الأخيرة كانت قد وضعت سهوا فوق بساط من الألغام التي زرعتها عام 1941حكومة فيشي الفرنسية العميلة للنازية عندما كانت في انتظار هجوم القوات البريطانية والفرنسية الحرة من فلسطين. وكالعادة تظهر حقيقة جديدة تؤكد أن الحرب العالمية الثانية تظل المنبع الرئيسي لكثير من مآسي الحياة في الشرق الأوسط.


في طرابلس نشرو اكتابا أبيض عن إرث ليبيا العظيم من حرب 39-1945، عشرات الآلاف من الألغام الأرضية زرعت في الرمال حول مناطق تبروك وبنغازي من قبل الإيطاليين والألمان والبريطانيين والأستراليين والنيوزلنديين والأفارقة الجنوبيين.”الإيطاليون يزرعون الألغام”يقول تعليق تحت صورة تظهر مهندسين يهيئون حقول الألغام في الصحراء.”البريطانيون يزرعون مزيدا من الألغام والألمان يفعلون أكثر،يرحلون جميعا لكن الألغام تبقي مدفونة هنا”. عشرون سنة كانت قد مرت علي نهاية الحرب عندما تمزقت أجساد أكثر من 800 من الفلاحين الليبيين وعائلاتهم بفعل انفجار تلك الألغام،هكذا كان وصف أحد الصحفيين الإيطاليين ممن حضروا عمليات تطهير الأراضي الليبية ،”هذه القنابل حساسة جدا حتي ان خطوة خفيفة ستكون كافية لجعل صاحبها يقذف في الهواء مثل الجراد،كل ما وجدناه من بقايا الجسدين كانت أشلاء ولحماً ممزقاً وثياباً متناثرة”.


مصر تطلق علي حقول ألغام الحرب العالمية الثانية”حدائق الشيطان” تتسع مساحتها من منطقة العلمين وحتي منطقة مرسي مطروح إلي الحدود مع ليبيا ،أضف إليها حقولا شاسعة من الألغام التي زرعتها القوات المصرية والإسرائيلية في الصحراء الشرقية خلال سنوات 1948 و 1956و 1967و 1973 الإسرائيليون يملكون خرائط لأكثر من 5.5 مليون لغم زرعوه عام 67 في سيناء والمناطق المحيطة بها ولكم أن تتخيلوا الرمال كم هي سامة وقاتلة. وكما أشارت ال “إيجيبتين ميل” الشهر الماضي إلي أننا في الغرب نتذكر قتلي العلمين كل سنة،لكن من يتذكر قتلي مصر؟


وعلي الرغم من أن بريطانيا وإيطاليا وألمانيا سلمت مصر كل خرائط الألغام القديمة التي كانت بحوزتها، وعلي الرغم كذلك من أن الجيش المصري أزال 2976 لغماً بين سنوات 1983 و 1999 إلا أن الساحل المصري لا يزال ينام علي 17.6 مليون لغم بحسب المنظمة المكلفة بإزالة الألغام. ومنذ 1982 فقط قتل 700 وجرح 7600 مصري جراء انفجار تلك القنابل.


عندما كتبت قبل أسابيع قليلة عن فيلم أتونمنت وركزت تحديدا علي خمس دقائق من صور حادثة إخلاء شواطيء دنكيرك (فرنسا) عام 1940 وتدمير محطة أنفاق بالهام،حقيقة علمت كم من الذكريات الأليمة يمكن أن نوقظ. سيدة من اسكتلندا كتبت لتخبرني كيف كانت تنام باستمرار في محطة الأنفاق ونجت يوم إلقاء القنبلة الضخمة علي شارع بالهام وكيف غرق كثير من الناس بسبب الفيضان الناجم عن الهجوم (بمن فيهم سيسيليا في فيلم أتونمنت). أتذكر عندما أغلقت المحطة لوقت طويل جدا من أجل حمل الجثث خارجا وأتذكر أيضا رؤيتي لخط في أعلي الجدران حيث وصل مستوي الماء. أسوأ من ذلك كانت رسالة من ملازم سابق عمره اليوم 90 سنة يدعي هيل كروكل من فوج شرق يوركشير وهو من قدماء محاربي دنكيرك. في مقالي ذكرت كيف أن رؤيتي لشواطيء دنكيرك في الفيلم دفعتني للصراخ :”يا للهول،اللعنة” وكيف كانت هي نفسها الكلمات التي رددها أحد الجنود (الممثلين) ثوان بعد ذلك.لكن تخيلوا صدمتي والإبتسامة التي ارتسمت علي محياي عندما اقرأ الكلمات التالية من رسالة السيد كروكل:”معظم رجال الفيصل الذي كنت أنتمي إليه كانوا عمال ميناء من مدينة هل (شمال شرق إنجلترا)،تُركنا في الصفوف الأخيرة لنكون آخر من يقاتل العدو ويشهد نهاية القتال في المؤخرة وكان علينا أيضا أن نجد طريقنا إلي الشاطئ وقد نجحنا في ذلك بتتبع مصدر أصوات مدفعية البوارج والقذائف التي كانت تمر فوق رؤوسنا وطبعا أصوات قاذفات ستوكا التي كانت تهاجم الشاطئ، وعندما نجحنا في النهاية في الوصول إلي الشاطئ ونزلنا من علي الكثبان الرملية العالية لنري ساحة المعركة ردد كل الرجال الذين كانوا معي بلكنة سكان اليوركشير اللعنة” .


في عام 1943 أصيب الملازم الثاني كروكل،في كل شبر من جسمه تقريبا،في صحراء ليبيا، ليس بفعل انفجار لغم أرضي لأنه كان يمشي علي أكياس الرمال، ولكن بقنبلة ألمانية فجرت عربته المدرعة فأصبح عاجزا وأعفي من الجيش،ثم ارسل في أنحاء كثيرة من الشرق الأوسط قبل أن يستقر به المقام في دمشق.


إصاباتي البليغة أنهت كذلك هوايتي كعازف علي آلة الكمان، لكنني كنت في دمشق عندما جاءت جوزيفين بايكر لتقيم حفلا لضباط فرنسا الأحرار وسألتني مرافقتها، هناك فقط عزفت مجددا علي الكمان.”. بعد الحرب عاد السيد كروكل مرات عديدة إلي الشرق الأوسط ضيفا لدي علي أيوبي نجل الرئيس السوري- هكذا يقول- أعتقد أنه نجل رئيس الوزراء. والدي لديه حارسان شخصيان يتذكر كروكل قول علي، لكن الرئيس الأسد لديه حوالي 10 آلاف! .


سكان الصحراء في ليبيا ومصر أكيد لا يملكون” بودي جاردز”، حياتهم لا تزال قائمة علي حرب جرت أطوارها في وقت لم يكونوا قد ولدوا فيه بعد،حرب لا تزال تقتلهم وتبتر أجزاء من أجسادهم، تماما مثلما أعطبت جسد الملازم كروكل منذ 65 سنة مضت. أعتقد أن العبرة لا يمكن تصويرها إلا في “كليشيه” : في الشرق الأوسط الحرب العالمية الثانية لم تنته بعد.


ترجمة: مروان بلطرشر (لندن) ..

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X