صحافة عبرية

إسرائيل لا تملك قيادة حقيقية قادرة علي فرض إرادتها

 


لدينا قيادة مصطنعة للدولة




بقلم : عوزي بنزيمان (هآرتس – 12 / 3 / 2008) ..بعد فترة قصيرة من انتخاب رونالد ريغان رئيساً للولايات المتحدة وجد قيادته علي محك جدي: مراقبو الطيران اعلنوا عن الاضراب وهددوا بتشويش الحياة في الدولة بصورة شديدة. قدرة مراقبي الطيران الامريكية علي المساومة كانت شبيه بقوة موظفي شركة الكهرباء. الرئيس حديث العهد خلع قفازه خلافاً لرؤساء الحكومة في اسرائيل وأقال المراقبين عن مواقعهم مستبدلاً اياهم بمراقبين شبان اقل تجربة واكثر ذخيرة في سوق العمل.


هذه كانت مغامرة غير بسيطة لقيت نجاحاً كبيراً والقت بظلالها علي فترة رئاسة ريغان طوال سنوات. الرئيس الجديد الممثل السينمائي سابقاً الذي قوبل انتخابه بالسخرية عند جزء من الجمهور الامريكي (والدولي) اكتسب لنفسه صفة القائد الحازم الذي يعرف ما الذي يريده وان احداً يتوجب التعامل معه بحذر وحيطة.


عند النظر الي الطريقة التي تتعامل فيها القيادة الإسرائيلية الحالية مع الازمات التي تقع في طريقها ليس من الممكن عدم تمني وجود شخص من طينة ريغان حتي ان اخذنا بالحسبان نقاط ضعفه والانتقادات التي وجهت اليه لاحقا. الاشتياق لشيء ما يشبه ريغان مهما كان بدائياً (الشعور) ينبع من الادراك في هذه الايام بالتحديد انه لا يوجد في اسرائيل ملك. عندما يطلب ايهود باراك وضع حد لعدد شبان المعاهد الدينية المعفيين من الخدمة العسكرية يضطر للتراجع بسبب ضغوط الاحزاب الدينية الاصولية.


 وعندما يطالب هو واولمرت بالوفاء بالتزامهما لبوش بازالة البؤر الاستيطانية غير القانونية يضطران للتنازل عن ذلك والخضوع لاملاءات مجلس “يشع” الاستيطاني. وعندما يسعي اولمرت لمواصلة تجميد البناء في المستوطنات بما فيها محيط القدس للوفاء بقسط في انشاء الظروف لدفع المفاوضات مع محمود عباس – يجد نفسه مضطراً للتراجع والتصالح مع موقف المعسكر الديني – الوطني وشاس.


ليس من المبرر اعتبار هذه الانسحابات مناورات سياسية مشروعة هذا ليس سلوكاً اعتيادياً بالنسبة للجهاز السياسي الذي يقوم بخطوات لضمان بقائه. الانطباع الذي يخلقه سلوك الحكومة في هذه الفترة هو صورة من الضعف السلطاوي المخجل في مواجهة مجموعات طاغية تنجح في ابتزازها وفرض جدول اعمال محدد عليها في مجالات مصيرية. المسائل المطروحة علي المحك ليست احتكار شركة الكهرباء او زيادة نجاعة الموانئ بل هي امور تتعلق بالبني الاساسية لهذه الدولة- تحديد الحدود والهوية والطابع ومكانة سلطة القانون وقدرتها علي تهدئة الصراع مع جيرانها. وعندما تتعامل الحكومة مع كل هذه الامور وكأنها مجرد ورقة لا قيمة لها انما تلف شعور مواطني الدولة بشعور الحياة في عهد يصبح كل قزم رجلا.


اخلاء البؤر الاستيطانية واعادة الاراضي الخاصة التي سيطر عليها المستوطنون هي خطوات سلطاوية ضرورية سواء اخلاقيا او حكوميا. الحكومة غير القادرة علي فرض صلاحيتها في هذه المسائل تتعاون مع التفريط في علاقة الدولة والمواطن وفي العلاقات بين المواطنين وتنتزع قدرتها علي فرض ارادتها. الحكومة التي تسمح بازالة تجميد البناء الذي تعهدت به للرئيس الامريكي وتسمح باقامة احياء يهودية داخل التجمعات الفلسطينية في شرقي القدس تضع بيديها الاساس الذي تحاول وضع سكة المفاوضات السلمية عليه. وبدرجة تشدد اقل نقول – الحكومة التي تتراجع عن عزمها فرض النظام في المجال المخترق اعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة تعلن عن نفسها انها ترتدي فقط صورة قيادة مصطنعة لهذه الدولة.


للوهلة الاولي يمكن لاولمرت وباراك ان يدعيا ان الاساس هو احداث تغيير في الوضع: اخلاء عدد صغير من البؤر الاستيطانية – ومن الافضل ان يحدث ذلك بالاتفاق علي ان يحدث من خلال المجابهة – من اجل فرض سابقة، والسماح بالبناء في عدد من الاماكن من اجل الحصول علي قبول شاس بتجميد البناء في باقي المستوطنات واحداث جلبة صغيرة في قضية تهرب طلاب المعاهد الدينية من اجل هز المسؤولين عن هذه الظاهرة واخراجهم من لا مبالاتهم.



هذا الادعاء هو ذر للرماد في العيون: المستوطنات غير المرخصة في اغلبيتها الحاسمة ستبقي علي حالها والاحياء الجديدة التي ستقام انما تزيد فقط من صعوبة التوصل الي التسوية مع الفلسطينيين ولن يحدث تغيير حقيقي في عدد ابناء المعاهد الدينية الذين لا يتجندون للجيش. هذه النتائج لن تخفف من العقدة وانما ستزيدها تعقيداً هي لن تكون تعبيراً عن مهارة الحكومة وانما تجسيد لعجزها.

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X