اّفاق و فنون

فرانسيسكو جويا دون جوان الفن التشكيلي وفنان الرومانتيكية الأول

الارتجاع الدموي للثورة الفرنسية يؤدي لميلاد الرومانتيكية الجديدة



  • جويا يندد بويلات الحرب وبشاعتها في مجموعته الجرافيكية ويلات الحرب

  • المجون يدفعه لتصوير مايا دوقة البا كموديل عار ويصاب بمرض يفقده سمعه اثناء رحلة معها في الجبال

  • جوزيف بونابرت يحتفظ بجويا كرسام رسمي للبلاط الملكي بعد الاحتلال

  • حياته الكئيبة بعد إصابته بالصمم تجعله يتجه لفن الحفر


بقلم – باسم توفيق:


قد تكون الصراعات بين المذاهب الفنية بعضها البعض هي علة التجديد والتطوير والتحرر من آفة التمسك بالأطر البالية كذلك فإن هذا الصراع بين المذاهب يظهر لأي مدي يكون الفنان حريصا علي اظهار كل ما هو جديد ومفيد في الحقل الفني والمستفيد الوحيد من ذلك هو المتلقي الذي يعتبر الفن مرآة تعبر عن كل مشكلاته واحلامه وآلامه وآماله ومن هنا كان الصراع بين المذاهب الفنية وبالتحديد في الفن التشكيلي يخلق الفرصة لايجاد تطوير يتناسب مع عقلية المتلقي في كل عصر وحين كما اننا لا ننسي ايضا ان المدارس الفنية في الفن التشكيلي ما هي الا تعبير واضح عن التحولات الفكرية والسياسية في كل عصر مما يجعلنا نؤكد ان الدراسات الفنية يجب ان تؤكد بشدة علي قياس المنتج الفني مع الخلفية السياسية لعصره حتي تعطي صورة صادقة عن هذا المنتج الفني وبالتالي يصبح الفن التشكيلي افرازا منطقيا للمنحي الفكري والسياسي كما قلنا.


وقد نعتبر ان اصدق تعبير عن هذه الفكرة هي الفترات التي تتفجر فيها الثورات او التطويرات السياسية القوية والمؤثرة باعتبار ان الثورات خير معلم ومحرك لعجلة الفن وهي ايضا قد تستمد افكارها منها او تتخذها اداة للترويج لأفكارها الثورية ومن هنا كان للفن التشكيلي في اوقات الثورات والتقلبات السياسية دورا يكاد يرقي لمستوي المحرض والملهم ومن هنا كان للفن التشكيلي نفس القوة التي للسلاح واليد التي تحمل السلاح حيث يقول الفنان التشكيلي الايطالي روستتي نحن نعبر بكل قوة عن ما نراه صحيحا وعن ما نراه خيرا كل الخير للبشرية فنحن قد نخلق المثل التي يتمثلها البشر في بحثهم عن مثال يحتذوه ومن هنا تحركت الثورات والتجديدات بفعل خفي من الهام الفنون وبالتالي فالفنان الذي يحمل ريشته ويواجه بها الظلم والطغيان لا يقل اهمية عن الجندي الذي يحمل سلاحه ويجندل به قوي الظلم الغاشمة هكذا يعتبر روستتي ان الفن ثورة داخلية في عالم المثل تدعم الثورة الخارجية في عالم الواقع ليس اصدق مثالا علي ذلك من الثورة الفرنسية التي الهمت اوربا بأفكارها الحق والخير والمساواة كما خطط لها فلاسفتها امثال مونتيسكيو وروسو لكن في الواقع لم تذب افكارهم الجميلة والطوباوية في خضم حبيبات البارود وقطرات الدم المتساقطة هنا وهناك فما ان اندلعت الثورة حتي تحولت الي برك من الدماء اغرقت القيم الجميلة لهذه الثورة وتحولت الثورة من حركة تندد بالطغيان وتنادي بالإخاء والعدل والمساواة تحولت الي قوة غاشمة تحاول ان تفرض قوتها الاستعمارية علي كل اوربا والشرق ايضا علي يد نابوليون بونابرت الذي والحق يقال صدم المفكرين بكل هذا الكم من التشوه النفسي حتي تحول لملك بل امبراطور فرنسي يسعي لابتلاع العالم في جوف الاستعمار ومن هنا تحولت المدارس الفنية لتشرح القضية من منظور آخر يكون فيه اللون والكتلة هما أدوات للتفسير ووضع التساؤلات وعلامات الاستفهام وعلي هذا المحك الخطير بين الثورة الحلم والثورة الواقع ولدت مذاهب فنية كان اهمها الرومانتيكية التي تفجرت بفعل تحول الثورة من ثورة علي الطغيان لحركة استعمارية يحركها الغرور ولعل الفارس الحقيقي ان لم يكن المؤسس الفعلي لهذه الحركة هو الفنان الإسباني العظيم فرانسيسكو خوسية جويا والذي قد يتعدي ذلك لأن يكون مدرسة فنية خاصة بذاتها ومستقلة لها اسلوبها المتميز جدا حيث نستطيع ان نقيمه في ضوء انه كان متفردا وجديدا علي الحقل التشكيلي في وقته .


واذا اردنا ان نعطي للقاريء صورة حقيقية عن جويا حتي نقرب له شخصية جويا الإنسان التي شكلت مدخلات شخصية جويا الفنان نستطيع ان نقول لو كان مودولياني هو دون كيشوت الفن التشكيلي بلا منازع فجويا هو دون جوان الفن التشكيلي بكل ما تحمله شخصية دون جوان من فوضوية وخسة وجاذبية اذن جويا هو العاشق النذل وأيضا زير النساء الذي يترك نفسه دائما في خضم تجاربه الشهوانية فينصهر ويذوب ويخرج لنا بتحفة فنية من خلاصة هذه التجربة اذن هذا هو فرانشيسكو جويا رجل لا يابه للدين ولا للتقاليد ولا للبروتوكول لأنه بطبيعته ولد وعاش طفولته بين الفلاحين والصناع بل كان والده حرفيا بسيطا يعمل في صياغة الذهب ولذلك يظل دائما جويا تقوده رغباته واهواؤه الفنية بين احضان النساء اللائي كن يرتمين تحت قدميه ليعيشن لحظة عشق بربرية بين احضان جويا كما فعلت علي سبيل المثال لا الحصر مايا دوقة مقاطعة ألبا التي ربطتها بجوبا علاقة عشق ملتهبة تخلت فيها عن كل التقاليد والأعراف التي تميزها كدوقة من البلاط الملكي لها هيبتها حتي انها تصبح له موديلا فيرسم لها لوحتين بنفس الوضعية وكأنها نسخة واحدة لكن واحدة منهم بالملابس والثانية عارية تماما بدون ملابس مما يجعلنا نتساءل الي اي مدي كانت تجتذب شخصية جويا النساء ؟ كما ان جويا نفسه كان يترك قياده لمغامراته العاطفية الي ابعد مدي حتي انه في احدي رحلاته مع دوقة البا بين الجبال يصاب بمرض يفقده حاسة السمع الي ان يموت.


اذن سوف نعيش بين تجارب دون جوان الفن التشكيلي فرانسيسكو جويا والذي ايضا كانت اعماله الفنية في بداية الثورة الفرنسية تتميز بالكلاسيكية الجديدة وتتبعها بالرغم انه كان علي النقيض من عميد الكلاسيكية الرسام الفرنسي دافيد حيث ان لوحات جويا كان تفيض بالحيوية والحركة والخروج عن المألوف لاسيما في اختيار موضوعاتها حيث انه حينما اشتهر كمصمم لنسيج الملكي للبلاط الملكي في اسبانيا كانت شهرته بسبب التصميمات الجديدة التي وضعها لمصنع النسيج الملكي والتي خرج فيها عن تأثير مدرسة النسيج الفرنسي من حيث الموضوعات والتنفيذ بحيث ابتعد عن تصوير الجنيات والحكايات الأسطورية مصورا مشاهد من الحياة اليومية التي تفيض بالحيوية والمرونة كما انه ابتعد عن تقنية الخطوط المستديرة التي كانت مستمدة من التصميمات الفرنسية.


لكن اعماله التي تحسب له علي انه هو المؤسس الحقيقي للرومانتيكية والتي تناقض ايضا الرومانتيكية الفرنسية نوعا ما بحيث تمجد الرومانتيكية الفرنسية الحرب بينما يصور جويا الحرب علي انها اسوأ كابوس من الممكن ان يعيشه انسان حر علي وجه الأرض وكان هذا التحول الذي حدث لجويا بسبب التحول الذي حدث للثورة كما قلنا بل واتجهت الثورة لاستعمار وارهاب جيرانها فاحتلت اسبانيا والحقيقة ان منصب جويا كرسام للبلاط لم يتأثر بذالك حيث أبقاه جوزيف بونابرت شقيق نابوليون بونابرت الذي تم توليته علي عرش اسبانيا كرسام رسمي للبلاط وهناك ايضا سمه قد نعتبرها من فضائل جويا كشخصية دون جوانية انتهازية حيث انه ظل في منصبه وتعامل مع المستعمر الفرنسي لكنه ايضا رآي الي اي مدي انهارت القيم الجميلة التي تشدقت بها الثورة والتي كان يري انها سوف تصلح من اسبانيا من هنا رسم مجموعة الشهيرة ويلات الحرب وهي مجموعت من اللوحات الجرافيكية التي تتكون من 22 عملا ، صورت(الحرب والمقاومة)، وعبرت عما فيها من مجازر ووحشية ، وما خلفته من تشويه وتعذيب. لقد ظهر للمرة الأولي في تاريخ الفنون التشكيلية موقف ثابت، ألا يمجد الفنان الحرب . فقد رفضها شكلا وموضوعا. رفض مبدأ الحرب ، العدوان.. لقد رسم لوحتين من أهم الأمثلة علي أعمال المقاومة في الفن التشكيلي) الأولي لوحة الثاني من مايو 1808م – هجوم المماليك ، والثانية لوحة الثالث من مايو -إعدام المرافقين المدافعين عن مدريد كانت الأولي تسجل دخول الفرنسيين مدريد، والثانية تصورنهوض الأسبان للدفاع عن وطنهم.. وكانت اللوحة البارعة من نوعها في تاريخ الفن… لم ينبع الجمال فيها من الألوان أو الحركة(كما هو شائع، ومعروف أيضا في لوحات جويا السابقة)، بل من الحيوية الهائلة التي تتفجر من اللوحة، تعبيرا عن رفض البشاعة والحرب.اللوحة دعوة للتمسك بالحياة. بالرغم من تراجيديا المشهدالذي وصف الشباب الأسباني الأعزل، أمام الجنود الفرنسيين المدججين بالسلاح،.. رافعين أيديهم احتجاجا ورفضا واستهانة بالموت من اجل حرية واستقلال الوطن.


من هنا يعتبر جويا من اوائل الرومانتيكيين الذين صوروا الحرب في جو كئيب يعبر عن مدي سوداوية هذا الطقس البشري والذي ايضا يحاول من خلاله أن يعبر عن تحول الثورة لهذا المدراج الدموي البشع.


ولد الرسام فرانسيسكو جويا في 30 مارس من عام 1746 بقرية “فيونديتودوس” في شمال إسبانيا.. وفي طفولته عاش مع الفلاحين وعمل في الحقول ثم انتقل مع أسرته وهو في سن الرابعة عشرة إلي منطقة “ساراجوسا” حيث مقر عمل والده الذي كان يعمل في مجال الصياغة وأشغال الذهب، وهناك تعرف إلي صديق والده الرسام (جوز لوزان الذي تعلم منه مباديء الرسم، وعندما أراد أن يدرس الفن لم يستطع الالتحاق بالأكاديمية الملكية للفنون التشكيلية بسبب الشروط الصعبة التي تضعها الأكاديمية للقبول فيها، فسافر إلي إيطاليا للدراسة فيها وعاش هنالك في الفترة مابين عام 1768 وحتي عام 1771، ثم عاد بعدها إلي سارا جوسا ورسم عدة لوحات من الجص لقبة كنيسة سيدة بيلار التي كانت موجودة بالمنطقة التي تعيش فيها، وقام بتزيين هذه اللوحات علي غرار اسلوب عصر الروكوكو وكانت هذه اللوحات بداية شهرته الفنية.


وفي عام 1773 تزوج جويا جوزيفا بايو أخت الرسام فرانسيسكو بايو وعاشا معاً في مدريد وأنجب منها العديد من الأطفال لم يعش منهم أحد، وفي عام 1775 بدأ حياته العملية رساماً في مصنع سجاد تابع للبلاط الملكي الإسباني، وتفوق في هذا المجال، وطور فيه، حيث لم يرسم كغيره علي خيوط السجاد تصاميم الملائكة والأساطير القديمة، بل رسم الحياة اليومية للناس وأنجز خمسين تصميماً جديداً من وحي مشاهداته لسلوك البشر واتسمت هذه الأعمال بنوع جديد من الكلاسيكية وانتقاد أحوال المجتمع.


عاش “جويا” حياة مليئة بالمغامرة والتحدي معا، وصراعا بين سطوة الكنيسة ومحاكم التفتيش. كان يرسم طوال النهار، ويتمتع طوال الليل مع دوقة ألبا “قانيا”.. كما عرف عنه حدة الطبع، وحب المبارزة،و مصارعة الثيران. جمعت شخصيته المتناقضات، بين الرقة ورهافة الحس، والعنف والخشونة.والجمع بين متناقضات الحياة اليومية، في معيشته مع كل فئات الشعب..(من الفقير المعدم، في قاع المجتمع، حتي الأثرياء والنبلاء، والعائلة المالكة في أسبانيا، حيث كان مصور القصر.. إذ بدأت مرحلة جديدة من مراحل التعبير الفني في لوحاته، بعد أن كانت اللوحة تشع روحا وثابة والوانا مبهجة مليئة بالحياة..أصبح اللون في تجسيد مفردات الموضوع، تعبيرا أقرب إلي الواقع. ولكن استمرار المرض الغامض الذي لازمه كئيبا وحيدا، قد دفعه إلي معاناة نفسية مضطربة جعلته يتحول إلي فن الحفر.


ايضا كانت هناك قضايا كثيرة عن اعمال جويا شغلت النقاد لفترات طويلة ولازالت تشغلهم حتي الآن ومنها علي سبيل المثال لا الحصر قضية نسب اللوحات السوداء لجويا وهذه اللوحات هي لو افترضنا صحة نسبها اليه تكون آخر ما انتج جويا حيث رسمها لتزين جدران منزله ومن المعتقد أن جويا قد قام برسم تلك اللوحات بين عامي 1820- 1823 حيث كانت تلك اللوحات تزين جدران مسكنه الريفي بمدريد وفي أثناء حياة جويا لم تكن تلك اللوحات موضع اهتمام وحتي بعد أن توفي جويا عام 1828 ظلت تلك اللوحات بعيدة عن دائرة الاهتمام إلي أن قام البارون دي أير لانجير بشراء مسكن جويا بعد وفاته بخمسين عاما وقام بنزع تلك اللوحات من علي جدران مسكنه وقد أهديت تلك اللوحات إلي متحف ‘برادو’ بأسبانيا بعد ذلك.


ونظرا لأهمية تلك اللوحات والتي لابد أن يتوقف عندها كل فناني العصر الحديث، فقد أفردت دار نشر سكالا كتابا يحمل اسم اللوحات السوداء لجويا إلا أن الكتاب أثار جدلا حينما قام ناشر الكتاب أنطوني وايت بعرض أراء أستاذ تاريخ الفن الأسباني جانكيرا والذي أشار فيه إلي أن تلك اللوحات ليست لجويا. وقد أعتمد جانكيرا في استنتاجاته علي أن تلك اللوحات لم يرد ذكرها من قبل المعاصرين لجويا إلا من شخصين: الأول هو الرسام الأسباني أنطونيو دي بروجادا صديق جويا والذي أصدر سجلا عام 1828 وصف فيه خمسة عشر عملا لجويا، أي مايزيد عن العدد المعروف للوحات السوداء والثاني هو الرسام فالنتين كارديريرا والذي ذكر أنه ‘لايوجد حائط في منزل جويا يخلو من الأعمال الفنية والأشكال الكاريكاتيرية’ وفيما عدا هذين السجلين لأعمال جويا، لم يرد ذكر لتلك الأعمال في تاريخ الفن ولم يطلع العامة علي تلك اللوحات إلا بعد أن أشتري البارون دي أير لانجير مسكن جويا وتم إهداء تلك اللوحات إلي متحف برادو بأسبانيا.


ومايدعم أراء جانكيرا أن عقد المبايعة الخاص بمسكن جويا والذي اكتشف عام 1946 يضيف مسكنا ذا طابق واحد، علي الرغم من أن اللوحات السوداء قد وجدت في الطابق العلوي والأرضي من المنزل، ولعل هذا مادعي جانكيرا إلي القول بأنه إذا كان الطابق العلوي لمسكن جويا والذي وجدت فيه اللوحات السوداء قد تم بناؤه أو إضافته بعد وفاته، فلابد أن جويا لم يقم برسم تلك اللوحات.


وفي محاولة منه لحل لغز اللوحات السوداء، قدم جانكيرا قائمة بالأشخاص الذين يعتقد أنهم قاموا برسم تلك اللوحات ويشير جانكيرا خاصة إلي أن من المحتمل أن يكون حفيد جويا ويدعي ماريانو قد قام برسم تلك اللوحات ويفسر جانكيرا ذلك بأن حفيد جويا كان يريد الحصول علي قيمة أعلي لمنزل جده عند بيعه، فقام برسم تلك اللوحات وزين بها جدران المسكن وكأن جويا نفسه هو الذي رسمها لكن هذا الرأي وجد معارضين كثيرين من اساتذة الفن في اسبانيا بحيث دحضوا أراء جانكيرا واثبتوا نسب اللوحات لجويا

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X