ثقافة وأدب

وشم بلا فائدة

بقلم: منال السيد : وفي نوبة من نوبات الحنان.


قلت له أنني أمه.


كنت ممدة علي أريكة اسفنجية وهو نائم علي صدري نظرت لوجهه المستكين فأحسست أنني امه.


كان جبينه طريا تعلوه نداوة لها رائحة نفس الاطفال وشاربه كان معطلا فبدأ وجهه مثل شخص ولد لتوه ولا ينوي الخروج للعالم.


ساعتها مررت بأصابعي علي وجنته ومقدمة شعره. أحسست بطعم الكلمة فأخرجتها وساد سكون.


أمس تيقنت أننا سوف نفترق. سنتشاجر كعادتنا، سأتهمه انه غير مبال ولا يحبني بالقدر الذي يرضيني وهو سيتهمني بأنه تحمل معي ما لم يتحمله رجل.


سأهم بترك البيت وهو سيحاول منعي ولكن بعصبية اكثر من مرة مثلا سيخبط رأسي بالحائط او سيرمي بأشيائي. سيخبطها في باب الشقة، وأنا سأشعر بسكين الخلاص، سأجمع أشياء لا قيمة لها وسأنزل من الطابق الخامس الي شارع جاف به عيون اكرهها وأعود لبيت أبي الذي مات منذ ثلاث سنوات.


في أحضان أمي سأفعل مثل الزوجات المسكينات وهي ستضع قناع الامهات المستثارات وستحاول ان تقنعني بالعشاء، سأنحشر بين أخواتي البنات وسأتمني طلوع النهار.


يا…ه


كيف أتخلص من هذه الورطة،


أمس كنت سائرة في طريق وبزغت لي صاحبة كنت أمر علي بيتها كل صباح اوقظها وانتظرها حتي ترتدي ملابسها تبحث عن جوربها الذي لا تجده – في العادة – وفي العادة ايضا توقظ أخاها الاصغر ليشتري لها آخر من بقال بجوار البيت حين نصل للمدرسة تكون الحصة الأولي قد انتهت ويكون علينا ان نقلق قليلا ونتصرف مثل القرود قبل ان نستقر معا في الدرج المشترك في آخر الفصل.


أمس كان زوجها معها لم اتبينها في الظلام لكن كرش زوجها كان في مواجهة عيني وجهه برق لي في ضوء سيارة مارة فعرفت ان التي بجواره هي صاحبتي كان معها طفلها الرضيع وكان جسدها نحيلا وترتدي شيئا ازرق فستانا او شيئا من هذا القبيل لا أعلم لم تجاهلت الموكب واجهته ووازيته ثم فردت خطوتي ومشيت للأمام دون ان اشعر بأي ألم.


خطوة جميلة ان تقلص عدد الذين يحبسون روحك في محبتهم أبي مات حرا أحب الناس في ستة وخمسين عاما وتخلص من تعب المحبة في عاميه الأخرين.


أذكر جيدا انه كان يعود لأمي في الواحدة صباحا متعبا ومبتهجا يحكي لها في نصف ساعة عن خروجه من الزيتون الي شبرا الي عين شمس فالوايلي وأخيرا الي محل صديقه في العباسية وصولا اليها بحدائق القبة وهي كانت تضحك تضع الماء الساخن في الحلة النحاس وقليلا من الملح تمر بيدها البيضاء علي الاحمرار الخفيف في انحاء القدم وحين يرفع قدميه المتقاطر منهما الماء يكون ذلك مؤشرا لنا نحن الصغار المستيقظين مثله حتي هذه الساعة يكون مؤشرا لنا لكي نضع اقدامنا في ذات الماء الآن فقط اضحك من قرف ذلك الفعل، لكنني أتذكر ان الماء كان دافئا وكان يضم ستة ارجل صغيرة بالوان متفاوتة وان كانت جميعها طرية ودافئة ومحمرة قليلا.


أبي استطاع ان يفعلها.


في العامين الأخيرين لم يعد قلبه قادرا علي المحبة وروحه اعتلتها اتربة وصمت حتي انه لم يستطع ان يمد يده لصاحبه الذي كان يسكن في العباسية حتي لم يسأله لم يعاتبه علي غيابه فقد نظر في صمت، صمت هرب منه صاحبه ولم يعد إلا في ثالث أيام العزاء.


أبي تخلص من عبء المحبة ومات.


وأنا أدور بعيني علي شكل الاثاث في بيتي اتابع صورة زوجي النائم بجواري مرتاحا وآمنا أمر بعيني علي انفه الكبير وصوت نومه وشفتيه المفتوحتين قليلا وأفكر في الطريقة التي سأنتظر الموت بها.

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X