دراسات

ما السودان؟ ومن هم السودانيون؟



  • السودان الجديد يجب أن يبنى على أساس المساواة والحرية والديمقراطية والتنمية

  • التمييز بين المواطنين من الأسباب الأساسية للنزاعات التي عانى منها السودان

  • التفتح الذهني والانفتاح الاجتماعي والسياسي الذي ميز السودانيين لحقب ماضية يتآكل ويتمزق

  • الحكومة زادت الأمور تعقيداً باتخاذها الخيارات الخاطئة وتبنيها (سياسة فرق تسد)


بقلم: د. نور الدين ساتي: الإجابة عن هذا السؤال أو هذين السؤالين تبدو بديهية: فالسودان هو بلد المليون مربع بحدوده الموروثة من الاستعمار الإنجليزي المصري أو ما يسمى بالحكم الثنائي ونضع خطاً تحت كلمة الثنائي إذ أن هذه الثنائية ستظل تلازمه لزمن طويل.


أما السودانيون بديهيا كذلك فهم أولئك الأقوام الذين يسكنون ذلك البلد الذي يسمى السودان, هذه هي الإجابة البديهية والبسيطة، بل والمبسطة على هذين السؤالين البسيطين، وليت هذا الأمر كان كافيا ومقنعا ولكنه ليس كذلك فلا هو بكاف ولا هو بشاف ولا هو بمقنع.


طرحت هذا السؤال على المشاركين في المؤتمر السابع والعشرين لجمعية الدراسات السودانية الذي انعقد بولاية ميتشغان الأمريكية في شهر مايو المنصرم، وكنت قد خاطبت الجمعية بدعوة منها وبتنسيق من صديقي الأستاذ مالك الخير بله والقائمين «التاريخيين» على أمر الجمعية الأستاذة كارولين «مهيره» وزوجها الأستاذ ريتشارد «عبدالرسول» وقد اخترت أن يكون حديثي بعنوان «أن تكون سودانيا في عالم متغير» وقد تحمس المشاركون حماسا كبيرا وظاهرا لهذا الموضوع لاسيما أنني لم أشأ أن أحاضرهم على النمط التقليدي ولا أن ألقي على مسامعهم كلمة أو مرافعة قد تجعل السأم يسري إلى نفوسهم لا سيما وان مداخلتي جاءت في اليوم الأخير للمؤتمر وعلى شكل مأدبة غداء وكثيرا ما يلجأ منظمو المؤتمرات الى مثل هذه الدعوة عندما لا يجدون مكانا للضيف الذي يجيء في آخر لحظة فيفسحوا له مجالا لمخاطبة المشاركين في المؤتمر خلال مأدبة الغداء وفي مثل هذه الحالات فإنه على المتحدث إما أن يتناول غداءه قبل الحضور إلى المأدبة أو أن يكون ذا مقدرة فائقة في ازدراد الطعام وان يفرغ من الطعام قبل أن يقوم الشخص المنوط به تقديمه للحاضرين بالتقدم نحو المنصة.


بعد أن يكون قد استذكر جيدا سيرة المتحدث الذاتية محاولا قدر الامكان أن يضيف عليه قدرا من الثناء والإطناب، والذي قد يستحقه أو لا يستحقه.


طرحت إذا ذلك السؤال على الحاضرين مبتدئا بذلك حديثي:


من هو السوداني على وجه التحديد؟


لأول وهلة بدا الحاضرون كما لو فوجئوا بالسؤال إذ أنهم ربما كانوا يتوقعون أن أنتهز الفرصة التي أتيحت لي وأن انفرد بالحديث، بل ان بعضهم كان يأمل أن يسمع مني شذرات من الحكمة وربما قد يكون أصيب البعض بخيبة الأمل بادىء الأمر إلا أنه وبعد انقضاء لحظات من الصمت الكثيف المفعم بالترقب والتربص دبت الحياة في أوصال الجميع وانهالت الأجوبة من كل حدب وصوب:


«السوداني هو من يسكن السودان بحدوده المعروفة ويحمل الجنسية السودانية والجواز السوداني» قالت فنانة تشكيلية معروفة ترتدي الثوب السوداني التقليدي:


«السوداني هو سوداني بغض النظر عن لونه أو عرقه أو دينه أو لغته» قال ذلك الشاب الذي يجلس في أقصى الغرفة وكان قد قال لي انه جاء إلى ميشيغان ضمن ما كان يسمى بـ «الأطفال المفقودين» Lost Boys وذلك في منتصف التسعينيات واستقر في «ايست لانسنغ» عاصمة ولاية ميتشيغان وهو الآن استاذ يدرس بجامعة ميتشيغان.


الصادق المهدي قال إن السوداني هو الذي يتحدث العربية ويدين بالإسلام، قال ذلك الاستاذ الجامعي الوقور الذي كان قد قدم ورقة في المؤتمر وربما فهم المشاركون انه من أنصار انفصال الجنوب وهنا رأيت أن انتقل بالمناظرة الى صعيد آخر ولكن تأسيسا على ما حظي به السؤال الأول من اهتمام ومن استجابة.


< ما هي الصفات المشتركة التي يتميز بها السودانيون؟ وهناك كذلك أبدى المشاركون حماسا وديناميكية متزايدة:


«الكرم، والنخوة، والتعاطف» قالت الأستاذة الأمريكية التي قضت سنين شبابها في خدمة الصداقة السودانية الأمريكية وصوتها يتهدج من فرط العاطفة والقناعة بما تقول وتتابعت الآراء والمساهمات من كل جانب:


(الإحسان)
(بل التضامن)
(والتعاضد والإخاء)
(نعم الإخاء)
وفجأة يهب الأستاذ الجامعي واقفا: «ولكن من أجل أن يكون السودان سودانا واحدا وموحدا يجب أن تحسم قضية العروبة والافريقية هذه، وقضية الدين أيضا هذه هي القضايا التي تفرقنا! والحرية .. نعم الحرية! لماذا يصر البعض على القول أننا عرب؟؟ لسنا كلنا عربا نحن سودانيون أولا وأخيرا إذا فهم الجميع خاصة السياسيين ذلك فإنه لن تكون هناك مشكلة».


وهمهم الجميع بالموافقة.


< نعم كلنا سودانيون ويجب عدم التفريق بيننا ولكن من يقنع الحاكمين؟ وارتفعت الأصوات مرة أخرى: «نعم، من يقنع هؤلاء الناس؟ من يقنع جماعة الحكومة؟».


وهنا برز أحدهم:


«نحتاج إلى حوار وطني حول كل هذه المسائل: مسألة الهوية والمواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات يجب ان يكون ذلك الحوار صريحا ومفتوحا للجميع دون أية حواجز».وظللت أقلب ناظري في تلك الوجوه, جميعهم جاءوا لاهتمامهم بالسودان: أجانب أمريكا وأوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية, وسودانيون من الشرق والغرب والشمال والجنوب، إذا لم يعد يكفي ان نقول «سودانيون فحسب، لقد ولى ذلك الزمان الذي كان يمكن ان تقول انك سوداني لكي يكون ذلك كافيا، فالسؤال الذي يجب أن نتوقعه ونجيب عليه هو: «من أي جزء من السودان أنت؟» كما انه لم يعد يكفي أن نقول أنك من الشمال أو الجنوب أو الشرق أو الغرب بل انه يتوجب عليك أن توضح بما فيه الكفاية ما يمكن أن يفهم منه موقفك من جميع القضايا المطروحة في الساحة ليس من الزاوية السياسية فحسب بل من زاوية انتمائك الاثني والجهوي والديني واللغوي، فالهوية التي تحملها بين جناحيك وعلى سماتك تحدد ردود الفعل التي سنجدها عند الآخرين فكثيرا ما تلتقي في تجوالك بأناس ما ان تقول لهم أنك سوداني إلا وترى أعينهم تلمع لمعانا عجيبا ونظراتهم يشوبها نوع من التجريم أو الازدراء لاسيما عندما يعلم أولئك انك من شمال السودان فهذا يعني لدى البعض أنك لابد وأن تتحمل المسؤولية التاريخية لكل أخطاء الشمال والشماليين بل وربما يسألك البعض عما إذا كنت من الجنجويد!.


وقد حكى لي الكاتب الصومالي الشهير نور الدين فرح عند لقائنا الأخير على هامش (منتدى القرن الأفريقي) في جيبوتي العام الماضي كيف انه وفي البدايات الأولى للحرب الصومالية في مقديشو قرأ في إحدى الصحف البريطانية أن «المُرْصَدَا» وهي عشيرة من عشائر مقديشو قد شنوا هجوما على منطقة كذا وكذا وأنهم فعلوا كذا وكذا.


وقال نور الدين أن ذلك الأمر استثاره إذ انه لا يعقل أن يكون كل أفراد عشيرة « المُرْصَدَا » وعددهم يفوق العدة مئات من الآلاف قد شاركوا جميعهم في الهجوم، فاتصل بالصحفي الذي كتب ذلك المقال وسأله عن عدد الافراد الذين شاركوا في ذلك الهجوم فقال الصحفي انه حسب تقديرات الجهات التي أوردت الخبر انهم كانوا لا يتجاوزون عدة عشرات من الأفراد فسأله نور الدين: ولماذا تقول أن «المرُصْدَا» قد قاموا بذلك؟ هل كل أفراد قبيلة « المُرْصَدَا » قد شاركوا في ذلك الهجوم؟ وهذه القضية يصعب حسمها بصورة نهائية وهي قضية المسؤولية الجماعية للجماعات أو المجتمعات، أو القبائل، أو العشائر، أو حتى مشجعي كرة القدم فعندما قام بضعة أفراد من مشجعي ليفربول بالتسبب في مأساة استاد «هيزيل« الشهيرة ببروكسل قام «الفيفا» بتوقيع عقوبات على نادي «ليفربول» وعلى جميع مشجعي ذلك النادي وليس فقط على الأشخاص الذين قاموا بذلك الفعل المشين، وعلى نفس المنوال فإنه عندما يتم توقيع عقوبات على دولة من الدول فإن تلك العقوبات لا تستثني أحدا بل ان كافة أفراد الشعب تعاني من تلك العقوبات حتى انه تم ابتداع ما يسمى بالعقوبات المصوبة targeted sanctions أو «العقوبات الذكية» smart sanctionsوعندما يتهم نظام من الأنظمة بمساندة الارهاب فإن تلك التهمة تنسحب كذلك على كافة مواطني الشعب المعني ولا تنحصر على السياسيين أو الأفراد الذين تسببوا في جلب تلك التهمة على بلادهم وتصير تلك التهمة وصمة في جبين كافة أفراد ذلك البلد فتتم متابعتهم وتفتيشهم بصورة مذلة ويصير مجرد ذكر اسم ذلك البلد أو تقديم جواز سفر ذلك البلد في مطار من المطارات مجلبة للمذلة والتفتيش المهين وربما حتى المضايقات والمُساءلات والملاحقات التي ليس لها مبرر في كثير من الأحيان. ولكن هذا هو الحال في مجتمع العولمة حيث تؤخذ الأغلبية بجريرة الأقلية حتى وان كانت تلك الأقلية مغلوبة على أمرها وغير راضية بالسياسات التي ينتجها السياسيون.


ولقد تعرضت شخصيا مثلي مثل الآلاف من السودانيين ولمرات عديدة في عدد من مطارات العالم للتفتيش والمُساءلة حتى عندما كنت أحمل جوازا دبلوماسيا من الأمم المتحدة، وحتى عندما كنت أعمل في مجال صنع السلام وحفظ السلام والعمل على وضع حد للعنف والاقتتال في منطقة البحيرات والقرن الافريقي، تعرضت لتلك المضايقات لا لشيء سوى أنني سوداني.


وكثيراً ما كنت أقول لأولئك الذين يحرصون على تفتيشي أو تفتيش أمتعتي تفتيشاً دقيقا يفوق بكثير ما هو مألوف ومتعارف عليه كنت أقول: “إنني رجل سلام واعمل من اجل السلام وايقاف نزيف الدم في افريقيا والعالم”. ولكن ذلك لم يكن يغير في الأمر شيئا، فأولئك الاشخاص الذين يقومون بتفتيشي لا يفعلون سوى تنفيذ الأوامر والتعليمات التي يرونها على شاشات حواسيبهم. ولكن ذلك لا يجعل الأمر أقل إيلاما أو تجريحا أو تجريماً.


وما اجتمع سودانيان في مهجر من المهاجر إلا وكان ذلك موضوعاً لحديثهم. ونعود الى حيث تركنا المشاركين في مؤتمر الدراسات السودانية في “ايست لا نسنغ” فقد تصاعد حماس المشاركين وظلت الأيدي تتنافس فالكل يريد المساهمة وإبداء الرأي في ذلك الأمر الذي يهم الجميع وظلت تعلو بين الحين والأخر أصوات تعبر عن الاحتجاج وعدم الرضاء إذ إنه ليس من الميسور لي أن أرى كل الأيدي في كل زوايا وأركان القاعة في آن واحد ولا أن استجيب لجميع طلبات الراغبين في الحديث في آن واحد؟


وينهض أحد أولئك الذين جاءوا من مدينة مجاورة وهو طبيب على ما يبدو أنه قد بلغ به (الزهج) مبلغه لما يراه من أزمة كائنة “وقال: الجنوب، دارفور، وربما غدا مناطق أخرى، الى متى سيظل السودان بلدا واحدا؟


 إننا هنا نتحدث عمن هو سوداني بينما السودان نفسه مهدد بالزوال. إن السياسيين هم السبب في كل ذلك نحن كسودانيين يمكن أن نتناقش مع بعضنا البعض في أمن وأمان ولكن المشكلة هي في السياسة والسياسيين. لماذا لا “يذهب هؤلاء ويتركوننا في حالنا”؟


“وهنا تتعالى الصيحات بين مؤيد وبين من يريد التعليق على ذلك الحديث” نعم فليذهبوا، “ولكن كيف؟ لا يمكن أن يذهبوا (بي أخوي وأخوك)” “ما هو الحل أذن؟ البلاد مهددة بالانقسام والتفكك ولا أحد يبدو مهتما بالأمر!”


“وماذا عن مثلث حمدي؟”


“نعم ماذا عن مثلث حمدي؟”


“انه يقول ان السودان يمكن أن ينحصر في ذلك المثلث الواقع بين الشمالية والجزيرة والخرطوم هل هذا هو السودان حقا؟”


“إن العرب يريدون السيطرة على السودان خارج مثلثهم المزعوم”
“نعم يريدون أن يسيطروا على البترول والثروة وليذهب الآخرون الى الجحيم!؟.


ويبدو أن البعض قد سئم من استمرار النقاش على تلك الوتيرة فاقترح استاذ وقور علاه الشيب وقد قدم من كندا القريبة اقترح علي أن أدلي بوجهة نظري قائلا:


“لقد استمعنا الى الآخرين، نريد الآن أن نستمع إليك!”


وقبل أن التفت الى الورقة التي كنت قد أعددتها لأقرأ منها بادرني أحدهم وهو يصيح بأعلى صوته، لعله الشاب الذي يجلس في أقصى القاعة وهو أحد الأولاد الضائعين في جنوب السودان:
“يا أستاذ نريد أن نعرف رأيك شنو هل السودانيون عرب أم أفارقة؟ هل السودان بلد عربي أم أفريقي؟”


وكان ردي مباشرا وسريعا:


“السودان بلد أفريقي أولا وقبل كل شيء؟”


وهو ينتمي الى القارة الافريقية وأنا اعتبر نفسي أفريقيا ولكن افتخر بأنني أتحدث اللغة العربية فهي لغة جميلة وعظيمة كما أنني افتخر بأنني أدين بالإسلام لا أحد يستطيع أن ينكر علي ذلك. ولكن في الوقت ذاته احترم حق الآخرين في أن تكون لهم لغاتهم التي يتحدثون بها وأديانهم التي يدينون بها. كما أننا في النهاية جميعنا سودانيون تجمعنا السودانوية التي كنت أول من يتحدث عنها وعلينا أن نركز على ما يجمعنا وليس ما يفرقنا”.


بعد ذلك التفت الى ورقتي التي كنت قد أعددتها وطفقت أقرأ منها ببعض العجلة إذ أنني كنت أعلم أن الوقت الذي خصص للمحاضرة قد شارف على الانتهاء، وكان ذلك الحوار الذي دار مع المشاركين خير تمهيد لما كنت أتأهب لتلاوته عليهم.


أن تكون سودانياً في عالم متغير


من هو السوداني حقاً؟ هناك اجابات عديدة بل ومتضاربة عن هذا السؤال، حتى بعد مضي ما يزيد على المائة وسبعة وثمانين عاماً على تشكيل السودان في حدوده الحالية، ويُعزى الفشل في ايجاد الاجابة المناسبة لهذا السؤال للتفاسير والتعريفات المختلفة بل والمتباينة للهوية السودانية، ولعدم التوافق على معايير موضوعية وواقعية لتعريف تلك الهوية والاستمرار في توصيفها وصفاً مخلاً ومبتسراً (exclusionary).


وقد أدى التوصيف المخل بالاضافة الى تطبيقاته السياسية والاجتماعية والثقافية الى نشوء أزمة سياسية واجتماعية عميقة، وذلك منذ استقلال السودان ما ترتب عليه ما أصبح يسميه البعض “بثورة الهوامش” أو “تمرد الهامشيين” والتي تهدد، إذا لم تتم معالجتها معالجة حكيمة بتشظية السودان وتمزيق أوصاله، والسؤال الذي ظل يطرحه البعض في الآونة الأخيرة بالكثير من الاشفاق هو: الى متى يظل السودان قائماً في حدوده المعرفة.


ويتم طرح السؤال بصيغة أخرى: السودان يكون أو لا يكون. وكما هو معروف، فإن العام ٢٠١١ ربما يشكل لعلامة فارزة في تاريخ السودان، فهو عام الاستفتاء الذي يتوقع فيه الكثيرون تفاؤلاً كان ذلك أم تشاؤماً، أملا أم تخوفاً أن يصوت فيه مواطنو جنوب السودان لمصلحة الانفصال عن السودان ولإنشاء دولة جنوب السودان المستقلة أو هكذا يظنون.


ولا شك في أن ذلك الانفصال في حالة حدوثه سوف يكون بمثابة وأد لحلم عزيز من أحلامنا، بل وحلم عزيز من أحلام قارتنا الافريقية. وذلك هو حلم الوحدة في اطار التنوع سودانيا وافريقيا. وما انهيار ذلك الحلم إن حدث إلا بمثابة انتصار لقوى التفرقة والعزلة والتقهقر الى الوراء. وذلك في الوقت الذي تتجه فيه القارة الافريقية ويتجه فيه العالم نحو الوحدة والتمازج والتكامل.


وإذا فشل السودانيون في التعايش مع بعضهم بعضا في الشمالا والجنوب فان مرجع ذلك الى أن الحدود الجغرافية وحدها لا تصنع بلداً موحداً، تماماً كما أن الحيطان وحدها لا تصنع منزلاً. فالبيت لا تصنعه الجدران وإنما تصنعه تلك الألفة والمحبة والتضامن والتكافل، والبيت ليس مجالا جغرافيا فحسب، بل هو فضاء إنساني يتآلف فيه الناس ويتواضعون حول فكرة مشتركة وأهداف مشتركة يتضمنها مشروع فلسفي، وسياسي، ودستوري، وثقافي، واجتماعي، واقتصادي، مشترك وهو فضاء يفسح كل طرف فيه مجالاً للآخر كما يتنسم فيه نسيم الحرية والألفة والمحبة. فضاء تسوده روح الإخاء والرحمة والمودة وتتكاتف فيه الجهود من أجل صنع مستقبل مشترك.


والسؤال الآخر الذي يطرح نفسه بقوة في هذا الظرف الدقيق هو: هل نسمح لليأس أن يتسرب الى نفوسنا أم أنه لا يزال هنا بصيص من الأمل وبصيص من النور في نهاية النفق؟


وللإجابة على هذا السؤال أود أن أطلع القارئ على فكرة طالما جالت بخاطري: ما الذي يجعل السودان متماسكاً كبلد واحد طوال تلك السنوات رغماً عن أطول حرب أهلية في القارة الأفريقية ورغماً عن حرب دارفور والشرق، لقد انفرط عقد الاتحاد السوفييتي “العظيم” وذهبت يوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا وتفرقت أيدي سبأ، إلا أن السودان ظل صامداً طوال تلك السنين.


إن ما يجعل السودان صامداً ومتماسكاً رغم كل العواصف التي مرت به ربما يكون ما أسميناه “بالسودانوية”، إنها تلك الروح الودودة المتفائلة التي تغلب الخير على الشر والمحبة على الكراهية والبساطة والتراحم والتودد على الاستبداد، والعنجهية، والتنافر، انه ذلك الكرم والصبر على المكاره والاحسان والتقاليد الكريمة التي تكرم الانسان وتضعه في موضعه المناسب والمستحق، وتكره الظلم وتهاب دعوة المظلوم وتعطي كل ذي حق حقه.


كما أن ما يبقي اللحمة بين السودانيين هو روح الانفتاح على الآخر إن كان ذلك داخل الحدود الجغرافية أو خارجها. فالسودان بطبيعته بوتقة انصهار في قلب القارة الافريقية، يروده الناس من شرقها، وغربها، وشمالها، وجنوبها، بمختلف أعراقهم ومللهم، فيذوبوا فيه ويشكلوا عناصره ومجتمعاته. فالسوداني نيلي، ومحسي، وفلاتي، ومسلاتي، وبرقاوي، وبجاوي، وأمرأر، وبني عامر، وشكري، ودينكاوي، وحلبي، وشلبي، وعبادي، وعكادي، وورطاني، ورباطابي، وكوارتي، وكسلاوي ونوبي، وكباشي، وترجم، ورزيقي، ومسيري، وبصيلي، وحلاوي، ونويري، وشايقي، وجعلي، وأصولي، وحلفاوي، وهدندوي، ولاتوكا، وفوراوي، وحمري، وبني هلبه، ومعاليا، ورزيقات، وانقسنا، وزغاوي، وتبداوي، ودنقلاوي، وحساني ومورلي، وابيي، والانفتاح أكثر من الانغلاق، هو السمة الملازمة للمجتمع السوداني، فهو نتاج لعمليات متتالية ومتتابعة ومركبة ومعقدة ومتشابكة من التداخل والتمازج والانصهار تمت على مدى قرون طويلة، مثله مثل المجتمعات الافريقية الأخرى، إلا أن السودان يمتاز على العديد من تلك المجتمعات بحدوده العريضة المفتوحة وبكونه معبرا مهما ما بين افريقيا الغربية والشرقية وافريقيا الوسطى والجنوبية وافريقيا الشمالية كما أنه هو صلة بين افريقيا وبلاد العرب في الشرق والشمال وما وراءهما من بلاد آسيا وأوروبا.


إذ تم تشكيل الشخصية السودانية جزئياً بواسطة التنقل المستمر للمجموعات البشرية والتداخل والتمازج والتعايش بينهما سواء كانت تلك المجموعات من شمال أم جنوب أم شرق أم غرب افريقيا، أم كانت من خارج القارة الافريقية وقد أعطت هذه التفاعلات الشعب السوداني شخصيته وخصائصه المتفردة كبوتقة انصهار للناس والثقافات في قلب القارة الافريقية بحيث صار مجتمعاً (قوس قزح) ولكن مثله مثل قوس قزح الذي يظهر في السماء فإن بعض الناس ربما لا يرونه لسبب أو لآخر وبالتالي فإنهم ربما لا يقرون بوجوده، وهذا هو الحال بالنسبة للأمة (قوس قزح) في السودان فإن البعض لا يعترف، وربما لا يريد أن يعترف بوجودها .

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X