دراسات

لمن تقرع الطبول الأفريقية للعرب.. أم.. لإسرائيل؟


  • أفريقيا ساندتنا ضد إسرائيل واكتشفت في النهاية أن رهانها على العرب كان خاسراً

  • إسرائيل تغلغلت في القارة السمراء للسيطرة على مواردها ودولنا العربية غائبة عنها

  • الدولة العبرية لا تملك ما تقدمه لأفريقيا لكنها تسعى لتحويلها حديقة خلفية في مواجهتنا

  • الدول الأفريقية ليست لها أطماع مذهبية أو دينية والاستثمار العربي فيها ضروري ومضمون

  • ارتباطنا الديني بأفريقيا قوي لاحتضانها الإسلام والمسيحية أما اليهودية فليس بها سوى الفلاشا

بقلم: د. أحمد محمد دياب (كاتب ومحلل سياسي ) ..قدمت قناة الجزيرة قبل فترة في برنامجها الأسبوعي «الملف» عرضاً مختصراً لمسيرة العلاقات بين الدول العربية وإفريقيا من جانب وبين إسرائيل والدول الإفريقية من جانب آخر والتي بدأت منذ النصف الثاني من القرن الماضي، وما شهدته من تفاعل بين الأطراف الثلاثة صعوداً وهبوطاً منذ ذلك الحين وإلى اليوم.


وبالرغم من أن ذلك العرض قد تناول بعض جوانب هذا الموضوع المهم.. إلا أننا نرى أنه يحتاج الى مزيد من التحليل والبحث خاصة في ضوء الفتور في العلاقات العربية – الإفريقية.. وفي ضوء المحاولات التي بدأت إسرائيل القيام بها مؤخراً لاستعادة نفوذها مرة أخرى في القارة الإفريقية.. وفي ضوء اتجاه أنظار الدول الكبرى نحو إفريقيا ليس لإعادة استعمارها مرة أخرى.. بل للسيطرة على موقعها الاستراتيجي ولاستغلال مواردها وثرواتها الطبيعية.. ونأمل أن نوفق في الصفحات القادمة أن تكتمل للقارىء الصورة التي بدأتها «الجزيرة» عن العلاقات بين العرب.. وإسرائيل.. وإفريقيا.. بداياتها.. ودوافعها.. وتداعياتها.. وأسباب ازدهارها وركودها.


لقد كانت اسرائيل تدرك أن الوجود العربي في إفريقيا قد سبقها قبل قرون.. وقبل أن تصبح دولة في منتصف القرن الماضي حين تدفقت الهجرات العربية على إفريقيا وأنشأت مواقع ومدن إشعاع حضاري في دار السلام، وممباسا، وأروشا، وتانقا وماليندي وسوفالا ما أصبح رصيداً بشرياً للدول العربية في إفريقيا.. ولذلك فقد خططت إسرائيل فور نشأتها لاحتلال تلك المواقع العربية في إفريقيا الى جانب السيطرة على أنظمتها الحاكمة بمختلف الطرق.. وقد ساعد إسرائيل في ذلك الجهد الدعم السياسي والاقتصادي الذي كانت تتلقاه من الدول الغربية خاصة الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وألمانيا.. ومن ناحية أخرى فقد جمعت الرغبة في محاربة الإسلام في إفريقيا بين اسرائيل والكنائس المسيحية بكل الأساليب والطرق المتاحة وكان في مقدمتها الترويج لضلوع العرب في تجارة الرق لإحداث شرخ بين الدول العربية والدول الإفريقية من ناحية والتفرقة بين عرب شمال إفريقيا وسكان إفريقيا الأصليين وبذلك استطاعت إسرائيل أن تتغلغل في معظم عواصم الدول الإفريقية.. خاصة أن الدول العربية وحتى الدول الإسلامية لم تتصد بصورة جديّة وعملية لإسرائيل قبل أن تنجح في تحقيق مخططاتها.


ولعل الاستثناء الوحيد للدور العربي في مواجهة إسرائيل في إفريقيا قد قامت به مصر «عبدالناصر» والجزائر «بن بيلا» اللذان استطاعا اختراق ومحاربة الاستراتيجية الإسرائيلية في إفريقيا وذلك بدعمهما ومساندتهما لحركات التحرير الافريقية في كينيا.. وجنوب إفريقيا.. وأنغولا.. وموزمبيق وروديسيا «زيمبابوي» ما عكس صورة مختلفة لقيادات وقواعد تلك الحركات عن الإنسان العربي وإقامة قاعدة للكفاح المشترك ضد الدول الاستعمارية في العالمين العربي والإفريقي وبدأت الدول الإفريقية ترى في الدول العربية حليفاً لها في كفاحها لنيل التحرير والاستقلال.. وفي هذا الصدد ساهمت أيضاً منظمة التحرير الفلسطينية «ياسر عرفات» حين نجحت ثورة التحرير العربية في معانقة ثورة التحرير الإفريقية.


ولم تكن القيادات الإفريقية الشابة أقل حماساً واندفاعاً من التوجهات العربية الجديدة حيال إفريقيا.. حين انبرى نكروما «غانا» وجومو كنياتا «كينيا» وسامورا ميشيل «موزمبيق» وسنغور «السنغال» وسيكوتوري «غينيا» وكابرال «غينيا بيساو» واغستنبونو نيتو «أنجولا» للدفاع عن القضية الفلسطينية والحق العربي.. وبذلك بدأت مرحلة جديدة في العلاقات العربية – الإفريقية استطاعت أن تتخطى رواسب ومرارات الماضي وتبشر بخلق أرضية مشتركة للتعاون بين الطرفين.. وأدت الى انحسار الهجمة الإسرائيلية لكسب التأييد الإفريقي لإسرائيل في نزاع الشرق الأوسط.
وقبل أن تصل تلك المبادرات العربية والإفريقية الى غاياتها وتحقق رؤية وأهداف القيادات العربية والإفريقية الجديدة للتحرّر والاستقلال من نير الاستعمار وسيطرة الدول الغربية على مقدراتها من أجل مستقبل مشترك لشعوبهما.. اندلعت حرب يونيو ١٩٦٧ بين الدول العربية وإسرائيل.. والتي انتهت بهزيمة نكراء للجانب العربي ونصر فاق كل التوقعات لإسرائيل.


 وقد كانت تلك الحرب بمثابة مفترق طرق بالنسبة للصراع العربي – الإسرائيلي.. إذ استطاعت إسرائيل أن تلحق الهزيمة بأقوى الجيوش العربية.. وتقضي على قدراتها العسكرية وتستولي على أراض في فلسطين.. والدول العربية.. ولعلّ من أخطر نتائج تلك الحرب أنها كانت بمثابة ضربة قاسية وقاضية للقيادات والزعامات الواعدة في العالم الثالث ولتوجيهاتها لكي تجد لها موقعاً مؤثراً في الساحة الدولية وبناء منظومة من أجل التحرّر والاستقلال وتحقيق الديمقراطية والرفاهية لشعوب ذلك العالم.


ولقد شهدت الفترة من أعقاب حرب يونيو ١٩٦٧ إلى ما بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣ متغيرات مختلفة في العلاقات العربية – الافريقية والعلاقات الافريقية الاسرائيلية.. فقد أصبحت في مقدمة اهتمامات الدول العربية مسؤولية استعادة الأراضي العربية التي احتلتها اسرائيل في حرب سنة ٦٧ والى بناء قدراتها العسكرية التي انهارت نتيجة تلك الحرب.. والى بث روح المقاومة بين شعوبها ما جعلها تنكفىء على داخلها وانخفض سقف تطلعاتها الاقليمية والقارية والدولية ما انعكس سلباً على استمرار دعمها لحركات التحرّر الافريقية بالسلاح والمال والتدريب بالقوة والعزيمة نفسيهما اللتين سبقتا تلك الحرب.


وقد أدّى ذلك الى أن تفقد حركات التحرّر الافريقية حليفاً كانت في أمس الحاجة الى استمرار دعمه لها.. كما شهدت فتوراً في العلاقات العربية – الافريقية فرضته نتائج وتداعيات حرب ١٩٦٧ على الدول العربية.. خاصة الدول التقدّمية التي تصدّت لإقامة تلك العلاقات وفي مقدمتها مصر وسوريا والعراق ومنظمة التحرير الفلسطينية والتي كانت الهدف الرئيسي للعدوان الإسرائيلي.


ومن ناحية أخرى فقد تصدّى كل من الاتحاد السوفييتي وإسرائيل لملء الفراغ في العلاقات العربية – الافريقية الذي أعقب نتائج وتداعيات حرب يونيو ١٩٦٧ وبالرغم من أن الولايات المتحدة الامريكية لم تكن طرفاً مباشراً في التحرك الى إفريقيا في تلك المرحلة إلا أنها كانت تنظر بعين الرضا الى التحركات الاسرائيلية في إفريقيا من ناحية وبعين الشك والقلق الى محاولات الاتحاد السوفييتي للتغلغل في أفريقيا من ناحية أخرى.


ولذلك فلقد شهدت تلك الفترة في غياب الدور العربي في أفريقيا.. قيام أرضية مشتركة وتحالف بين الاتحاد السوفييتي وحركات التحرر الافريقية التي كانت في حاجة ماسة الى المال والسلاح لاستمرار مقاومة الاحتلال.


وفي نفس الوقت نشأ تحالف بين اسرائيل والدول التي أطلق عليها في ذلك الحين صفة الدول «الرجعية» وفي مقدمتها زائير.. وساحل العاج وملاوي وأوغندا وكينيا وأثيوبيا التي فتحت أبوابها لإسرائيل وأغلقتها ليس في وجه الدول العربية فقط.. بل في وجه تلك الدول الافريقية التي تحالفت مع الاتحاد السوفييتي واستمرت في تأييدها للحق العربي حتى بعد هزيمة العرب في حرب سنة ١٩٦٧ والتي عرفت بالدول التقدمية وفي مقدمتها – غانا – وغينيا – وتنزانيا وزامبيا.


إلا أن حرب أكتوبر ١٩٧٣ بين الدول العربية وإسرائيل قد أدت الى تغيير جذري ليس فقط في العلاقات العربية الافريقية.. والعلاقات الافريقية الاسرائيلية بل الى إحداث انقلاب في العلاقات الدولية.. وبما أن حرب أكتوبر٧٣ قد كانت مفاجأة لاسرائيل وللأسرة الدولية فإن نتائجها قد أحدثت زلزالا في تلك العلاقات بصورة لم تكن تتوقعها الاطراف المختلفة. ولذلك فقد أفرزت واقعاً جديداً فرض على الجميع قبوله والتعامل معه إلى حين أن تتعرف على نتائجه.


ولم يدم ذلك طويلا فإن استعمال الدول العربية للبترول كسلاح في القضية العربية برهن على أنه في ذلك الوقت لا يقل فعالية عن كل الاسلحة العسكرية التي استعملت في الحروب السابقة المختلفة عربية كانت أم غير عربية.. فهو سلاح لا يملكه الجميع.. وليس متاحا للجميع.. ولا يستطيع الجميع الاستغناء عنه.. وبالرغم من أن حرب ١٩٧٣ قد حققت انتصاراً عسكرياً نسبياً للجانب العربي إلا أن استعمال البترول كسلاح في تلك المعركة قد حقق لهم من ناحية أخرى مكاسب مادية جعلت منهم قوة اقتصادية لها اعتبارها في معركتها السياسية.. وقد أدى كل ذلك الى رفع الروح المعنوية للدول العربية وبدات أكثر ثقة بدورها وقوتها وبدأت من ناحية أخرى في إعادة النظر في علاقاتها مع الدول الأخرى انطلاقا من مواقف تلك الدول في صراعها مع اسرائيل.


ولقد كان واضحاً أن الدول الأفريقية لم تكن أقل سعادة من الدول العربية بانتصارها في حرب ١٩٧٣ كما أنها من ناحية أخرى كانت في مقدمة الدول التي استجابت لنداء قطع العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل وبدأت العواصم الافريقية الواحدة تلو الاخرى تعلن عن قطع علاقاتها مع اسرائيل وفي فترة وجيزة أصبحت أفريقيا خالية من أي وجود دبلوماسي إسرائيلي على الاطلاق.. بالرغم من أن الدول الأفريقية كانت أكثر من غيرها من الدول تضرراً من ارتفاع أسعار البترول.. ولكن ذلك لم يؤثر في موقفها السياسي المبدئي في تأييد الجانب العربي في ذلك الصراع.


حدث ذلك في الوقت الذي نالت فيه أغلبية الدول الافريقية استقلالها وبدأت مرحلة بناء الدولة الحديثة.. وأن أفريقيا لم تعد بحاجة الى البندقية والدبابة.. بل الى البذور والمحراث والمصانع والاستثمار ولذلك فإن ارتفاع أسعار البترول في أعقاب حرب ٦٧ قد أضاف عبئاً ثقيلاً على ميزانيات تلك الدول وأثر سلباً على جهودها لبناء اقتصاداتها الناشئة وبدأت تتطلع الى آمال عراض بأن تقوم الدول العربية بدعمها اقتصادياً وتوجيه بعض من عائدات ارتفاع أسعار البترول للاستثمار في مشاريعها الانمائية.


ومن ناحية أخرى فإن الدول العربية قد رأت أن موقف الدول الأفريقية في أعقاب حرب ١٩٧٣ يستحق الإشادة والتقدير.. وأن الاضرار التي لحقت بها من نتائج ذلك الموقف تستوجب موقفا من جانبها فبدأت في النظر الى ما يمكن أن تقوم به تجاه تلك الدول لتفادي تبعات تلك الاضرار عليها واتخاذ خطوات ملموسة لمعالجة ذلك الموقف والاحتفاظ بتأييد الدول الأفريقية في نزاع الشرق الأوسط.


ومن هنا برزت أصوات في أوساط السياسيين والمثقفين العرب والأفارقة بالدعوة الى اقامة تعاون عربي أفريقي يقوم على أرضية التعاون السياسي بين الطرفين الذي تحقق في أعقاب حرب ١٩٧٣ وإقامة قاعدة اقتصادية تسعى الى استغلال فائض ارتفاع أسعار البترول في تنمية أفريقيا كوعاء للتعاون السياسي والاقتصادي بين المنطقتين يجعل منهما قوة ثالثة في الساحة الدولية في مواجهة الصراع بين القوتين الأعظم الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية.


وفي ظل العداء بين الدول العربية والدول الغربية في أعقاب حرب ١٩٧٣ وفي ظل التأييد الذي أبدته الدول الأفريقية للحق العربي فقد بدأت الدعوة لاقامة ذلك التعاون تجد التأييد من قيادات الدول العربية والأفريقية.. وبعد جهود متواصلة من الطرفين وندوات ومؤتمرات عديدة أثمرت عقد مؤتمر قمة عربي أفريقي لوضع لبنات ذلك التعاون بعقد مؤتمر القمة العربي الأفريقي الأول و«الأخير» بالقاهرة في عام ١٩٧٦ الذي شارك فيه كل رؤساء وزعماء الدول العربية والأفريقية بما فيها الدول التي عرفت بعدائها للعرب وموالاتها لاسرائيل التي لم تستطع مقاومة ذلك الاندفاع وتلك العزيمة والرؤية للعلاقات العربية الافريقية والتي تبشر بمستقبل مشرق للطرفين.


ولذلك فقد توفرت كل عناصر النجاح لذلك المؤتمر التاريخي فقد أكد وللمرة الأولى حرية القرار العربي والقرار الافريقي في اتخاذ زمام المبادرة والاعتماد على امكانياتهما الذاتية لبناء قاعدة تعاون ذات أرضية صلبة تستند على رؤية سياسية مشتركة وبنية اقتصادية موحدة دون اعتماد أو تأييد من القوتين الأعظم.. إلا أن ذلك لم يتحقق لعدة أسباب كان في مقدمتها الاختلاف بين الأنظمة الحاكمة في الدول العربية والافريقية.. وغياب تجارب مماثلة بين الطرفين في مثل تلك المجالات نتيجة للفراغ السياسي.. وضعف العلاقات الثنائية بين الطرفين.. ولذلك لم يخرج المؤتمر بالاتفاق على استراتيجية بعيدة المدى ولم يضع خططا وأهدافا لاستمرارية ذلك التعاون تجعل منه مؤسسة قابلة للبقاء والتطور.


ومن ناحية أخرى فقد بدا واضحاً بعد نهاية المؤتمر أن هناك فجوة كبيرة بين الطرفين في إدراك أهمية وأبعاد ذلك المؤتمر وما قد يترتب عليه من قرارات والتزامات وأن كلا من الطرفين كان ينظر الى ذلك اللقاء من زوايا ومنطلقات مختلفة.


وبالرغم من أن المؤتمر قد اتخذ قرارات هامة وفي مقدمتها انشاء البنك العربي للتنمية في أفريقيا «باديا» بغرض تمويل مشاريع التنمية في أفريقيا وأيضاً انشاء صندوق خاص لمساعدة الدول الأفريقية في مقابلة ارتفاع أسعار النفط الذي حدث بعد حرب أكتوبر وعانت منه الدول الأفريقية التي قطعت علاقاتها مع اسرائيل أكثر من غيرها.


إلا أن الدول الأفريقية قد رحبت بتلك القرارات بالرغم من أنها جاءت أقل من طموحاتها وخلت من الاتفاق على استراتيجية تعبر عن التضامن السياسي بين الطرفين باعتبارها خطوة أولى في الطريق الصحيح خاصة وقد تم الاتفاق على عقد المؤتمر الثاني في العام التالي بمدينة كمبالا بأوغندا.


إلا أن ذلك المؤتمر الثاني لم يعقد حتى اليوم وظل مؤتمر القاهرة يعتبر مؤتمر القمة العربي الأفريقي الأول والأخير وبذلك توقف قطار التعاون في القاهرة بعد أن ظلت الدول الافريقية تتطلع إليه باهتمام شديد.. وسرعان ما تكشف لهم أن تلك الصحوة العربية لم تكن إلا «نزوة» طارئة فرضتها طبيعة وظروف تلك المرحلة.. وان الدول العربية لم تكن جادة في أن لقاء القاهرة يمثل استراتيجية ذات أبعاد مختلفة تخطط لمستقبل يحقق التعاون والتكامل بين الطرفين.. بل ذهب البعض الى أن قرارات ذلك المؤتمر لم تكن إلا «رشوة» من الدول العربية تهدف فقط الى تحييد الدول الأفريقية في صراعها مع اسرائيل وأن علاقاتها معها لن تتجاوز ما تقرر في ذلك المؤتمر.


وقد أصبحت الدول الأفريقية أكثر إيماناً بذلك عندما بدأ البنك العربي للتنمية في أفريقيا «ماديا» في ممارسة نشاطه في تمويل بعض المشاريع في الدول الأفريقية وقد اقتصر دوره على ما تقوم به البنوك التقليدية الأخرى التي تعمل في ذلك المجال وليس كما كانت الدول الأفريقية تعتقد بأنه سيكون احدى قنوات التعاون العربي الافريقي في مساعدة الدول العربية لتنمية الدول الافريقية.
وبعد أن مرت عدة سنوات دون أن تبدي الدول العربية رغبة في عقد مؤتمر القمة الثاني حسب مقررات مؤتمر القمة الأول بالقاهرة.. بالرغم من المحاولات التي بذلتها بعض الأطراف الافريقية للمناداة بأهمية انعقاده دون أن تجد صدى لدى الأطراف العربية، وبعد أن تبين للدول الأفريقية أن الدول العربية بدأت في توجيه اهتماماتها نحو الولايات المتحدة والدول الأوروبية لإيجاد الحل العادل والشامل لقضية الشرق الأوسط.. فقد تبددت كل آمالها وتطلعاتها في أن يصبح الحلم حقيقة في أن تلتقي الارادة العربية والارادة الافريقية من أجل اقامة تعاون سياسي واقتصادي وتنموي ذي أبعاد استراتيجية لتحرير الانسان العربي والافريقي من سيطرة الدول الكبرى.
إلا أن الدول الافريقية بالرغم من وصولها الى تلك القناعات وبعد أن خاب ظنها بأن صبحاً جديداً كاد أن يشرق على مرحلة جديدة وعلاقات جديدة بين الدول العربية والافريقية تتخطى مرارات الماضي.. وتنتهز تلك اللحظة التاريخية عندما التقيا بالقاهرة لكتابة تاريخ جديد.. بلغة جديدة.. فقد ظلت بالرغم من ذلك ملتزمة بمواقفها التي سبقت مؤتمر قمة القاهرة.


إلا أن الصعوبات والضغوط التي بدأت الدول الأفريقية في مواجهتها والتي لم تؤد قمة القاهرة إلى معالجتها وقد تلاشت فكرة عقد قمة ثانية مع الدول العربية قد بدأت بعض الدول الأفريقية خاصة تلك التي عرفت بميولها نحو اسرائيل والدول الغربية الى اعادة علاقاتها مع اسرائيل.. وعندما بدأ العرب الاتجاه نحو مدريد وكامب ديفيد ووادي عربة.. وأخيراً أوسلو.. وصار عدو الأمس صديق اليوم ورحبت القاهرة وعمان وعواصم عربية أخرى بإسرائيل في الوقت الذي ظلت معظم أبواب العواصم الافريقية مغلقة أمام اسرائيل وأصبح مؤتمر القمة العربي الافريقي الذي عقد في القاهرة هو الأول والأخير وما راهنت عليه الدول الافريقية في ذلك المؤتمر وعندما تلاشى ذلك الحلم الذي راود الدول الأفريقية بصدق وجدية النوايا العربية عندما استجابت لذلك النداء لاقتناص تلك الفرصة التاريخية لإقامة تعاون عربي أفريقي يكون بمثابة حلف أو قاعدة للتعاون بين المنطقتين.


ومن ناحية أخرى فإن الدول العربية لم تتخذ خطوات أخرى بعد انعقاد قمة القاهرة لتؤكد جديتها وسياستها للتقارب مع أفريقيا.. كتوسيع قاعدة تمثيلها الدبلوماسي في القارة.. ولم تحاول استثمار مدخلاتها من ارتفاع أسعار البترول منفردة أو جماعة في مشاريع إنمائية في أفريقيا تحقق لها الأمن الغذائي الذي يدعم قوتها الاقتصادية بل قامت الدول العربية بتوجيه تلك المدخلات الى استثمارات مختلفة في الدول الغربية.. كما ظلت السفارات العربية في أفريقيا – على قلتها – منفى لكل تيارات المعارضة في الدول العربية ولا يتمتع العديد من كوادرها بمعرفة القارة ولغاتها وثقافاتها وأوضاعها الداخلية ناهيك عن القدرة على المساهمة الخلاقة في توجيه العلاقات العربية الأفريقية.
ومن هنا أصبح جليا للدول الافريقية أن رهانها على الدور العربي في دعمها ومساندتها كان رهانا خاسرا.. وبدأت رويدا رويدا تعيد علاقاتها مع اسرائيل واستقبلت اسرائيل ذلك الاتجاه بترحيب واهتمام كبير خاصة أنها ظلت تراقب مسيرة العلاقات العربية الأفريقية بقلق وخشية من أن يؤدي تطور ونجاح العلاقات الى أن تصبح أفريقيا وثرواتها وطاقاتها تحت سيطرة الدول العربية خاصة أن أفريقيا أصبحت رقما هاما في الساحة الدولية وفي أجهزة ومنظمات الأمم المتحدة يمكن للدول العربية استغلالها ضد اسرائيل في تلك المجالات.


ومن ناحية أخرى فإن العلاقات العربية – العربية المتردية وتدهور الأوضاع بين الفصائل الفلسطينية وتراجع الاهتمام العالمي لإيجاد حلول أو تسوية للقضية الفلسطينية وانحسار مد العلاقات والتعاون العربي الأفريقي وغياب معظم القيادات العربية والافريقية التاريخية التي التزمت وآمنت بحتمية ذلك التعاون على الساحة السياسية قد ترك أبواب أفريقيا مفتوحة على مصارعها لهجمة اسرائيلية جديدة ولذلك لم تضطر هذه المرة للدخول من الأبواب الخلفية أو تحت حماية دول أخرى خاصة أنها في أوج قوتها العسكرية والاقتصادية وهيمنتها على الأوضاع في الأراضي الفلسطينية تتمتع بدعم الدول الأوروبية ولا تقابل تصرفاتها إلا بالصمت من الدول العربية فسارعت للقيام بهجوم مضاد ضد كل ما استطاعت الدول العربية تحقيقه بعد حرب ١٩٧٣م.
ومن الملاحظ أن عودة اسرائيل الى أفريقيا هذه المرة هي عودة المنتصر والقادر على إملاء شروطه ولا تهدف فقط الى كسب الاصوات الافريقية في المحافل الدولية.. بل تهدف الى أن تصبح قوة تستطيع أن تنافس غيرها من الدول الكبرى في السيطرة على موارد ومقدرات الدول الإفريقية خاصة أن إفريقيا اليوم ليست إفريقيا السبعينيات عندما كانت في عنفوان شبابها وقوتها يرغب الجميع ويسعى لكسب ودها وصداقتها بل أصبحت قارة فقيرة محبطة جائعة مريضة ومهملة حينما تبددت آمالها في «النفرة» العربية تجاهها.. وعندما انتهت الحرب الباردة وفقدان الدول الأفريقية أهميتها في الصراع بين الدولتين الأعظم.


ولذلك فعندما قام «ليبرمان» وزير خارجية اسرائيل قبل شهور بأول جولة من نوعها من مسؤول اسرائيلي الى أفريقيا.. فقد كانت أجندته مختلفة عن أجندة اسرائيل في الماضي.. وقد اختار دولاً معينة مثل أثيوبيا – كينيا – نيجيريا وغانا ليس لكسب أصواتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة.. بل لتنفيذ استراتيجية إسرائيل الجديدة في أفريقيا باعتبارها الحديقة الخلفية لها بعد أن فشلت الدول العربية في جني ثمار تلك الحديقة في أعقاب حرب ١٩٧٣م.


والسؤال هو هل تستطيع اسرائيل أن تحقق ما فشل العرب في تحقيقه؟


مما لا شك فيه أن النظام العالمي اليوم قد تغير كثيراً عما كان عليه في الربع الأخير من القرن الماضي فأفريقيا التي تسابق الجميع لخطب ودها فقدت سحرها وأصبحت قارة مهملة لا تملك من أمرها شيئاً.. واسرائيل التي كان الاعتراف بها شبهة أصبح الاعتراف بها وصداقتها اليوم مصدر فخر واعتزاز والدول العربية التي راهنت عليها أفريقيا أصابها الصمت والجمود والأمم المتحدة التي كانت ملاذ الضعفاء أصبحت لعبة في أيدي الأقوياء وأوروبا تنازلت عن طموحاتها وكبريائها للقوة الأعظم الولايات المتحدة الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.


إلا أن أفريقيا لاتزال تجذب الأنظار وقد بدأت الدول الكبرى تتصارع من أجل السيطرة عليها.. ليس لاستعمارها هذه المرة أو لتقديم المساعدات والعون لها.. بل لاستغلال مواردها وثرواتها الطبيعية والبشرية لأنها لا تزال تعتبر القارة البكر.. وقد سبقت الصين غيرها من الدول في كسب موقع متقدم داخل القارة وتحاول كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا اللحاق بها ولذلك فإن احتمالات منافسة اسرائيل لهذه الدول في هذه المجالات ضعيفة جداً.. ومن ناحية أخرى فإن شعوب الدول الأفريقية لاتزال تستعيد ذكريات حرب التحرير الأليمة.. وترى في الصراع العربي – الاسرائيلي خاصة أحداث غزة – صورة مشابهة من تلك الحروب.. إن أفريقيا لا تزال تتذكر «عبدالناصر»، و«بن بيلا»، ومن ناحية أخرى فلا يمكن تجاهل دور الهجرات العربية التي استقرت في شواطىء شرق أفريقيا قبل قيام دولة اسرائيل التي انصهرت في نسيج شعوب تلك الدول وأصبحت تمثل عناصر ضاغطة ومتفاعلة مع القضايا العربية والإسلامية في عدد من الدول الأفريقية.


ولذلك فإن اسرائيل لا تملك الكثير مما يمكن أن تقدمه لأفريقيا.. فسياسياً فإن «الهولوكوست» الذي نجحت اسرائيل في تسويقه للدول الأوروبية لا يجد له صدى في القلوب الافريقية التي عاشت تجربة الفصل العنصري المريرة.. وإن أفريقيا لاتزال تعتبر القضية العربية قضية تحرير ولا تزال تتصدر أجندة مؤتمراتها المختلفة.. واقتصادياً فإن اسرائيل لاتزال تعتمد على ما استطاعت فرضه من معونات على الولايات المتحدة والدول الأوروبية خاصة ألمانيا.. وان اهتمامها لايزال منصبا في «إقامة الدولة اليهودية» وعسكرياً فإن أفريقيا قد قررت عدم القبول بوجود قواعد عسكرية على أراضيها.. وقد يكون صحيحاً أن الدول الافريقية قد أصابتها خيبة أمل من تراخي الدول العربية لتطلعاتها إلا أنها لاتزال حليفا للدول العربية ولا تزال تأمل في أن تتلاقى المصالح والنوايا المشتركة بين الطرفين ولكن الصحيح أيضاً أن هناك فجوة كبيرة بين اسرائيل والدول الأفريقية خاصة من ناحية دينية.. فأفريقيا تحتضن المسيحية والاسلام والديانات الأفريقية الأخرى.. ولكن اسرائيل التي تجاهر بأنها دولة يهودية لا تجد لها قاعدة دينية في أفريقيا.. إلا بقايا اليهود »الفلاشا» في أثيوبيا الذين وجدوا أنفسهم مواطنين من الدرجة الثانية في «أرض الميعاد» بعد عودتهم الى اسرائيل.


ومن ناحية أخرى فان الدول العربية لا يزال لها رصيد من المصداقية والقبول والتعاطف السياسي في أوساط الدول الافريقية فقضية الشرق الاوسط لا تزال في مقدمة بنود اجتماعات الاتحاد الافريقي.. وأن الدول العربية في القارة الافريقية لا تزال تمثل حلقة الوصل بين العرب في التفاعل مع القضايا والهموم الافريقية وبالرغم من إجهاض مشروع التعاون العربي الافريقي فإن الفرصة لا تزال متاحة للدول العربية لإرساء قواعد جديدة لذلك التعاون في ضوء المتغيرات والتطورات السياسية والاقتصادية على الساحات العربية والافريقية والدولية.


وبالرغم من الظروف الصعبة التي تواجهها الدول الأفريقية اليوم خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي الذي ظل يمثل لفترة طويلة خياراً مطلوباً ومرغوباً لدى الدول الافريقية إلا أنه في ظل البحث عن مصادر جديدة للثروات الطبيعية.. فإن أفريقيا تعتبر القارة البكر حيث إنها تزخر بالعديد من الموارد والثروات الطبيعية والثروات الحيوانية ووفرة في المياه وأراض شاسعة بكر صالحة للاستغلال والاستثمار لسد الفجوة الغذائية في الدول العربية التي تستطيع أن توجه فائض مداخيل النفط في الدول الأفريقية خاصة أن هذه المداخيل أصبحت فاقدة للحركة المطلوبة للتوظيف بحرية حيث إنها رهينة المؤسسات المالية والاقتصادية في الدول الغربية.


إن استثمار الدول العربية في الدول الأفريقية لن تكون له مخاطر أخرى الى جانب المصالح الاقتصادية المشتركة.. فالدول الأفريقية ليست لها أطماع دينية أو مذهبية ترغب في تصديرها الى الدول العربية وليست لها مؤسسات أو شركات تسعى لاستغلال الجانب العربي في مجال التعاون المشترك وامتصاص ثرواته.. بل ستظل الدول العربية صاحبة المصلحة العليا.. والقرار في آن واحد في التعاون مع الدول الأفريقية الذي سوف يكون خاليا من الأطماع السياسية والعسكرية والاستراتيجية من الطرفين وبذلك يصبح ذلك التعاون حلفاً مشتركا لتحقيق مصالح شعوب المنطقتين.


ومن هنا فإننا نعتقد بأنه – رغم أخطاء وإخفاقات الماضي في تعامل الدول العربية مع الدول الافريقية.. فإن الفرصة لا تزال متاحة لإرساء قواعد جديدة للتعاون العربي الافريقي في ضوء المتغيرات والتطورات على الساحتين السياسية والاقتصادية.. مع مراعاة أن أفريقيا ليست لها أطماع في الدول العربية وليس لها دين أو مذهب ترغب في نشره في الدول العربية ولذلك فإن هذا التعاون لن يتأثر بأطماع سياسية أو عسكرية أو استراتيجية بل يكون قاعدة اقتصادية لمصلحة شعبي الطرفين.


وإن كانت الدول العربية قد أخفقت في اقتناص نتائج حرب أكتوبر ١٩٧٣ خاصة فيما يتعلق بإقامة تعاون عربي أفريقي مثمر قابل للاستمرارية.. فإن الظروف الراهنة اليوم قد تكون أكثر ملاءمة لإعادة التجربة مرة أخرى لكي تسترد الدول الأفريقية ثقتها وصداقتها مع الدول العربية في ضوء «الهرولة» نحو أفريقيا التي تتنافس فيها الدول الأخرى وفي مقدمتها الصين والولايات المتحدة وفرنسا.. وقد يكون من المفيد أن تتذكر الدول العربية أن أبواباًِ أخرى قد فتحت أمام أفريقيا فقد أقامت منتديات اقتصادية مع دول أمريكا الجنوبية.. ومع الدول الآسيوية حيث قدمت الصين في مؤتمر التعاون بينها و بين الدول الافريقية الذي عقد في مدينة شرم الشيخ مؤخراً قروضاً للتنمية بمبلغ عشرة بلايين دولار للسنوات الثلاث القادمة.

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X