دراسات

لعبة الأمم شرق المتوسط .. أوغلو مهندس السياسة الخارجية التركية يقول: لست كيسنجر تركيا (3)


ملف خاص تفتحه الراية (الحلقة الثالثة)



  • رئيس الحكومة البريطانية ارسل رسالة للسادات اعرب فيها عن شعوره بالتعاطف والاسى حيال اغتيال يوسف السباعي

  • «احترام السيادة» عنصر حاكم في تفكير نيقوسيا

  • هناك من يتحدث عن صدام محتمل بين شرق المتوسط العربي ـ وشرق المتوسط الأوربي ـ الغربي

ملف يفتحه – حسام إبراهيم..وفي نهاية المطاف فان رجال وحدة مكافحة الارهاب المصرية الذين احصيت خسائرهم ب15 قتيلا و16 مصابا قد استسلموا كما اقنع الطيارون البريطانيون الخاطفين بالاستسلام وخرج الرهائن من الطائرة بمجرد وقف اطلاق النار ..احصى القبارصة ثماني اصابات في صفوفهم والسادات الغاضب- الذي كان يتطلع لانتصار على الارهاب فوق ارض اجنبية غير ان الامر انتهى باخفاق-راح يتحدث علانية عن حدوث خيانة ويلقى باللوم على كبريانو فيما اقدم على قطع العلاقات الدبلوماسية مع قبرص… وتلقت الحكومة اليوجوسلافية طلبا من كبريانو للقيام بدور وساطة مع مصر ورأى وكيل وزارة الخارجية اليوجوسلافية ان السادات منفعل للغاية وغاضب بشدة لاغتيال صديقه يوسف السباعي.


وزاد الطين بلة قصة صحفية غير صحيحة عن قيام شرطي قبرصي باطلاق الرصاص على جندي مصري جريح بعد استسلامه.. ذهب السادات الى انه عاجز شخصيا عن فهم رد الفعل القبرصي ومضى يكرر السؤال:كيف يمكن ان يشكل وصول 60 جنديا مصريا عدوانا على سيادة قبرص”؟..والأكثر اهمية ان السادات هدد بالاعتراف ومنح وضع دولى لجمهورية القبارصة الاتراك برئاسة رؤوف دنكتاش..كان الزعيم القبرصي التركي يشعر بالسعادة حيال حمم الغضب التي صبها السادات على رؤوس القبارصة اليونانيين.


حكم على الخاطفين بالاعدام من جانب محكمة قبرصية غير ان كبريانو القلق والذي يسعى لتفادى اي اتهامات من جانب المنظمات العربية المناوئة للسادات قام بتخفيف هذه العقوبة..ولأن البعثتين الدبلوماسيتين المصرية والقبرصية قد سحبتا من عاصمتى الدولتين فان نيقوسيا طلبت ان تقوم السفارة البريطانية في القاهرة بتمثيل مصالح قبرص فيما توصلت مصر لاتفاق مشابه مع البعثة الدبلوماسية الرومانية في نيقوسيا..كان بمقدور بريطانيا تمثيل المصالح القبرصية جريا على الاعراف الدبلوماسية غير انه في حالة استكمال مسعى السادات لمنح اعتراف كامل بالدولة القبرصية التركية فانه توجب على الدبلوماسية البريطانية ألا تعطي انطباعا بمساندتها لقبرص.


كتب جيمس كالاهان رئيس الحكومة البريطانية رسالة للسادات اعرب فيها عن شعوره بالتعاطف والاسى حيال حادث اغتيال يوسف السباعي..وفي اجتماع لمجلس الوزراء البريطاني يوم الثالث والعشرين من فبراير عام 1978اشار دافيد اوين وزير الخارجية لجبهة الرفض باعتبارها المسؤولة عن اغتيال السباعي وان هدف الجماعة المسلحة التي نفذت عملية الاغتيال تخريب مبادرة السادات للسلام مع اسرائيل.


نقل رجال الكوماندوز المصريين على نحو لائق لقاعدة اكروتيرى البريطانية ولم يحاسبوا بموجب القانون القبرصي وطلبت القاهرة من وزارة الدفاع البريطانية المساعدة في استعادة حطام الطائرة السى- 130 هيركليوز وفي نهاية المطاف نقل الحطام لقاعدة اكروتيرى.


كان التاريخ قد دار دورة كاملة فهاهي قاعدة عسكرية بريطانية في قبرص تشكل الملاذ لعسكريين مصريين في مرحلة مصر الساداتية فيما كانت مصر الناصرية تسعى بلا هوادة لاجلاء القواعد البريطانية عن قبرص بعد ان استخدمت هذه القواعد لشن هجمات على مصر اثناء حرب السويس عام 1956 .


وفي ملاحظاته حول معركة لارناكا-ذكر الكولونيل سى دبليو.هوكسلى المستشار العسكري البريطاني بالمندوبية السامية في قبرص ما يلي في تقريره السنوي:لا القبارصة ولا المصريين خرجوا من المعركة بكثير من الفخر غير انه يمكن القول بحق انه خارج مصر لا يوجد كثير من التعاطف مع ما فعله المصريون او الشعور بأنهم لايستحقون المذبحة البشعة التي تعرضوا لها على الأقل لأنهم اقدموا على مغامرة شنيعة باطلاق النار في دولة اخرى.


وقال الكولونيل هوكسلى: لايوجد كثير من الشك في انه ايا كان من القى القنبلة على العربة الجيب المصرية فان هذه القنبلة هي التي اوقفت الجنود داخل العربة عن اطلاق النار وانقذت ليس فقط ارواح الرهائن وانما ايضا الطيارين البريطانيين وكلهم كانوا عرضة للضرب بالرصاص في الاشتباكات التي اندلعت بعدئذ كما يشهد على ذلك هيكل طائرة الركاب القبرصية ال707 بما يحمله من ثقوب بسبب الرصاص..ولعل احدى نتائج ما حدث والتي تحظى بأهمية لنا جميعا هي ان الحكومة القبرصية يدفعها غضبها اخيرا لفرض إجراءات أمن مشددة لأقصى مدى في المطار.


الحذر اليوناني…


اما اليونان في ظل رئيس حكومتها قنسطنطين كارامانليس فقد احتفظت بالحذر ونأت بنفسها عن المعمعة ولم تتحدث بصورة صريحة عن رأيها في قرار كبريانو باصدار الأمر للحرس الوطني باطلاق النار على رجال الكوماندوز المصريين.. وفي بيانه يوم الحادي والعشرين من فبراير عام 1978 اعرب كارامانليس عن اسفه للتطورات التي طرأت على العلاقات القبرصية-المصرية منوها بأن الدولتين ربطت بينهما دوما عرى الصداقة وروابط الود فيما قال انه “من الواضح ان كلا الحكومتين تورطتا في مغامرة كانت ناجمة عن تداعيات احداث خارج سيطرتهما ولا يجوز القول بأن ذلك كان يرجع لنوايا عدائية يضمرها اي من الطرفين حيال الطرف الاخر..انني آمل واتضرع للسماء بعد انفعالات لها مايبررها جراء احداث لارناكا ان يسود تفكير اكثر هدوءا بما يؤدى لتبديد سوء الفهم”.


في هذا السياق قد يكون من المفيد الاشارة للتهديدات المسلحة التي تعرضت لها اليونان في حقبة مابعد سقوط حكم الطغمة الانقلابية..فأجهزة الامن اليونانية كانت تحقق في ممارسات ارهابية لجناح يمينى متطرف مع ظهور تكوين ارهابى فوضوى يسارى متطرف في صورة جماعات مثل جماعة 17 نوفمبر.


وبصورة تطفح بالنقد- ذهبت السفارة البريطانية في اثينا الى عدم وجود شواهد كافية حول قيام اجهزة الامن اليونانية بمتابعة التحقيقات بهمة عالية في واقعة اغتيال شخص لبنانى واكتشاف مخابىء اسلحة في شهر اغسطس..وهذه اللامبالاة النسبية للسلطات اليونانية حيال مخاطر العمليات المسلحة لعناصرعربية مثيرة للقلق..فالمسافات شرقى المتوسط قصيرة والاجراءات الامنية سواء في المطارات او غيرها متهاونة الى حد كبير..هناك الكثير من الحركة ذهابا وايابا بين اليونان ولبنان وقبرص التي اضحت الآن قاعدة راسخة لعناصر مسلحة عربية.


ومضت السفارة البريطانية في تقريرها لتقول وقد سمعنا ان السلطات اليونانية لديها اسباب للشك في وجود المزيد من مخابىء الاسلحة والمتفجرات..وربما لايكون خطر شن هجوم من جانب مسلحين عرب على اهداف يونانية خالصة داخل اليونان عاليا او يشكل احتمالا كبيرا ومرجحا بشدة فالموقف اليوناني ازاء القضايا العربية-الاسرائيلية يميل نحو تفضيل وجهة النظر العربية…غير انه يمكن القول ان الموقف المتهاون الى حد كبير من جانب اجهزة الامن اليونانية قد يؤدى الى تحول اليونان وخاصة العاصمة اثينا الى مسرح جيد لعمليات تنفذها عناصر عربية مسلحة اما لتصفية حسابات بين بعضها البعض او لمهاجمة اهداف غربية.


من جانبه-كان الرئيس القبرصي سبيروس كبريانو يخشى انتقام السادات وهاهو جيورجيوس بيلاغياس المدير العام لوزارة الخارجية القبرصية يظهر نوعا من الاحباط والقلق معبرا عن شعور بالخوف حيال النوايا المصرية ويقول :”ثمة شائعات حول تمركز قوة كوماندوز مصرية في شمال قبرص لانتزاع الخاطفين عنوة من السجن المركزى حيث يقبعان في انتظار المحاكمة وقد طلب ملحق مصري اذنا للبقاء في الجزيرة لاسباب واهية حقا ” حسب تقدير بيلاغياس..والى جانب ذلك فقد وصل لقبرص 31 فنيا مصريا-وهو عدد اكثر من اللازم-لفرز وجمع حطام الطائرة السى-130 هيركليوز وهؤلاء الرجال ربما يضمرون شيئا ما لأن هناك معلومات حول وجود مخبأ كبير للأسلحة في السفارة المصرية..وكانت المندوبية السامية البريطانية على علم بشائعات حول عملية قادمة.


وعلى اي حال فان بيلاغياس تلقى تطمينات من دار المندوب السامى البريطاني بأن اي عملية كوماندوز للظفر بالخاطفين تحتاج لمساعدة رؤوف دنكتاش زعيم القبارصة الاتراك ومن ورائه انقرة فيما لايمكن لبولينت اجاويد رئيس الحكومة التركية ان يفعل اي شىء من شأنه الحاق اضرار بالمحادثات المزمعة في الشهر المقبل بين الطائفتين القبرصية اليونانية والقبرصية التركية ومن ثم يثير رد فعل امريكى..قبل بيلاغياس هذا الرأى غير انه تحدث عن “تأكيد لرواية الكوماندوز الذين يعتزمون اقتحام السجن من مصادر عربية هنا” وان كان قد تجنب ذكر اسماء محددة مضيفا ان الدولة العربية التي قدمت هذه المعلومات تحدثت بعبارات قوية مع اجاويد في انقرة حتى لايغامر بتقديم مساعدة تركية للمصريين.


ازداد كبريانو توجسا مع معلومات استخبارية اخرى..ففي الرابع من شهر مارس عام 1978 ابلغ وزير خارجيته كريستوفيديس دار المندوب السامى البريطاني بأن معلومات سرية جاءت من دولة امتنع عن تسميتها كشفت عن امر اصدره السادات لجهاز الخدمة السرية التابع له “باتخاذ الترتيبات اللازمة للاطاحة بكبريانو او اغتياله” واغتيال ليزاريديس..وكشفت جريدة قبرصية يونانية مسائية عن خطة لقتل كبريانو بالسم بسبب تصلبه في المفاوضات مع القبارصة الاتراك..وابلغت الحكومة القبرصية حكومات امريكا وفرنسا ويوجوسلافيا بمعلوماتها الاستخبارية عن الأمر الذي اصدره السادات.


حالة عصبية!…


وبعد ذلك بستة أيام ردت لندن بأن المخابرات البريطانية ليست لديها معلومات تؤيد صحة الزعم بأن السادات اصدر امر اغتيال..واعتبرت ادارة جنوب اوروبا في وزارة الخارجية البريطانية ان هذا الزعم “مثال آخر على الحالة القبرصية التي اوغلت في العصبية وعلى غرار ادعاء سابق لااساس له من الصحة حول استعداد الاسطول المصري لغزو قبرص”..من المؤكد ان نوعا من الألعاب الاستخبارية المضللة والمعلومات الكاذبة كان يمارس فيما كبريانو يخشى النوايا المصرية وهو يسعى باستماتة للحفاظ على توازن مع المجموعات العربية المناوئة للسياسات الساداتية..وفي مناسبات متعددة تحدث فيها مع دبلوماسيين بريطانيين اشتكى الرئيس كبريانو من تعرضه للخداع من جانب الحكومة المصرية اثناء ازمة الرهائن غير انه كان يبدى استعداده للعمل من اجل تحسين العلاقات مع القاهرة..وفي الثامن من مارس عام 1978 توجه اليخوس ميخاليديس رئيس مجلس النواب القبرصي الى القاهرة لاجراء مشاورات مع كبار المسؤولين في الحكومة المصرية.


لم تنفذ عقوبة الاعدام التي اصدرتها محكمة قبرصية ضد المسلحين اللذين قتلا يوسف السباعي فيما كان السادات يطالب باعدامهما مؤكدا على ان تنفيذ الحكم القضائى سيحول دون تنفيذ هجمات جديدة..اما بيلاغياس فأراد من العراق ممارسة نفوذه على العرب لعدم القيام بأى عمليات في الجزيرة القبرصية وكان يعتقد ان تخفيف عقوبة الاعدام الى السجن لمدة 20 عاما ومعاملة السجينين معاملة جيدة سيؤدى لتهدئة الجماعات المسلحة وقد ابلغ البريطانيين بصورة مبهمة بأن العراقيين من جانبهم سيقدمون تعهدا بعدم القيام بأى محاولة لاطلاق سراح السجينين بالقوة…وبعد ذلك بخمس سنوات او اكثر قليلا سينتهز القبارصة فرصة ملائمة لمنح عفو..لقد بدا في صيف 1978 ان وزراء ومسؤولين امنيين قبارصة لم يغادر الخوف نفوسهم من حدوث عملية عربية لخطف السجينين ومع ذلك فان المخطط الذي قيل ان العراق ضالع فيه لم يدخل حيز التنفيذ.


كان كبريانو يسعى لاسترضاء السادات والمعسكر الراديكالى العربى في آن واحد..وكما ذكر تقرير لدار المندوب السامى البريطاني فان “معضلة كبريانو تتمثل في انه طالما بقى المسلحان رهن الحبس فان فرص القيام بعمل لاطلاق سراحهما تبقى قائمة”..كان من الواضح ان هناك دوائر شرق اوسطية تدس شائعات لتخويف الحكومة القبرصية..وعندما خففت عقوبة الاعدام الى السجن مدى الحياة سلمت مصر بالعقوبة الجديدة ولكنها مارست ضغوطا لنقل القاتلين الى سجن مصري وقيل انه لدى سماعه بالشكوك القبرصية حول احتمال اعدام القاتلين اذا سلما لمصر-صاح السادات :”هل يظن القبارصة انني قاطع طريق”؟.


وهدد الرئيس المصري انور السادات الذي كان يكن اعجابا كبيرا بالزعيم التركي الراحل مصطفي كمال اتاتورك بالاعتراف برؤوف دنكتاش زعيم القبارصة الأتراك كرئيس لدولة قبرص الفيدرالية التركية واتخاذ اجراءات ضد المصالح القبرصية في مصر..كان الاتراك سعداء للغاية وهم يتطلعون “لأقصى حد ممكن من الاعتراف”..وفي مؤتمر صحفي عقده يوم الثلاثين من مايو عام 1978 بالقاهرة اعلن السادات :”اننا نعتبر كبريانو رئيسا للقبارصة اليونانيين وحدهم”..ومع ذلك التزمت الدبلوماسية اليونانية بهدوئها وابلغت الجانب البريطاني بأن “مرجعية جيدة” في مصر اكدت ان الحكومة المصرية لن تذهب ابعد من التهديد.


كان اليونانيون على حق فالسادات لم يقلب طاولة المحادثات بين الطائفتين القبرصيتين..غير انه كان هناك في ادارة جنوب اوروبا بوزارة الخارجية البريطانية من غلبته الهواجس..البريطانيون الذين يمثلون المصالح القبرصية في مصر لم يتدخلوا لصالح نيقوسيا لاقناع السادات بألا يعمل ضدها..لقد اعتبرت بريطانيا ان الحكومة القبرصية كشفت بوضوح في ضوء احداث لارناكا انها تولي اهمية كبيرة لاقامة علاقات ودية مع الفلسطينيين والدول العربية المناوئة لاتفاقيات كامب ديفيد بما يتجاوز بكثير علاقاتها مع مصر والدول العربية المعتدلة ولم تجد وزارة الخارجية البريطانية سببا كافيا لتشجيع الحكومة القبرصية على الاعتقاد بامكانية الافلات من عواقب هذه السياسات من خلال اصدقائها الغربيين الذين لابد وان يهبوا للدفاع عنها. وعلى منوال مشابه لم يكن الامريكيون على استعداد للتحدث باسم نيقوسيا مع السادات وقد رفضوا طلبا قبرصيا لاقناع السادات بعدم ممارسة المزيد من الضغوط لتسلم الخاطفين..وكثف كبريانو جهوده بعد اغتيال السادات لتحسين العلاقات مع القاهرة غير انه لم يعتذر عن رد الفعل القبرصي حيال ما اعتبر انتهاكا من رجال الكوماندوز المصريين لسيادة قبرص.


معادلة التوازن…


ويخلص الباحث باناجيوتيس ديميتراكيس في ختام دراسته عن عملية لارناكا الى انه :
رغم كل شىء اثبت السادات في نهاية المطاف انه لايرغب في تغيير معادلة التوازن بين القبارصة اليونانيين والاتراك في الجزيرة القبرصية عقب الغزو التركي للجزيرة عام 1974 وهي المعادلة التي كان يمكنه تغييرها بالاعتراف بدويلة دنكتاش..كما بدا واضحا ان الجماعات المسلحة وازمات الرهائن لها تأثير مباشر على العلاقات بين دول ذات سيادة في المنطقة .. وكما تظهر هذه الدراسة من المنظور البريطاني فان كبريانو كان يسير على حبل رفيع مشدود وهويسعى للتوفيق بين اتجاهين متعارضين:تهدئة السادات وكبح جماح جماعات عربية مسلحة اذا مافكرت في شن هجمات جديدة بقبرص.


كان ذلك في مرحلة كامب ديفيد التي تعرض لها أحمد داوود اوغلو في كتابه:”العمق الاستراتيجى:موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية” بقوله ان احد اهم المبادىء في اللعبة التوازنية العربية يتمثل في عدم امكانية التحالف مع القوى الخارجية تحالفا يقوض التوازنات الداخلية لساحة الصراع ولهذا اقصيت مصر عن الساحة العربية بعد توقيعها على معاهدة كامب ديفيد فيما يذهب الى ان امريكا جذبت النسخة الجديدة للقومية العربية الى النظام العالمي من خلال معاهدة كامب ديفيد وان تصدي مصر لزعامة هذه النسخة الجديدة امر له دلالته ومغزاه لأنه يصدر عن دولة تعد من اكبر المتلقين للمساعدات الأمريكية .


ويلاحظ الباحث الإسرائيلى زاك ليفي ان اسرائيل كانت حريصة منذ بداية وجودها الدبلوماسي في قبرص على اقناع الولايات المتحدة وبريطانيا بأن هذا الوجود ينطوي على فائدة استراتيجية للغرب وان هذا الوجود يمكن ان يسهم في مكافحة التأثير الشيوعي على غرار الدور الإسرائيلى في افريقيا ولم تمنع القيود القبرصية على اسرائيل في المجال الدبلوماسي الاسرائيليين من السعي حثيثا لفرض حقائق جديدة على الأرض فيما ذهب أحمد داوود اوغلو في كتابه “الى ان تركيا شعرت عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية بضغط التهديد السوفييتي القادم من الشمال فانتقلت الى المعسكر الغربي وكان من نتائج تمحورها حول هذا المعسكر انها اصبحت من اوائل الدول التي اعترفت باسرائيل وصعدت حدة التوتر مع سوريا الى حافة الحرب.


.ويضيف اوغلو في كتابه:غير ان التطورات التي شهدتها تركيا في عقد الستينيات من القرن العشرين على محور قبرص وخطاب الرئيس الأمريكي ليندون جونسون المعادي للموقف التركي حيال المسألة القبرصية دفعتها لإعادة النظر في مواقفها ومحاولة تطوير علاقاتها مع الاتحاد السوفييتي وحركة عدم الانحياز وقبل ذلك الدول الأعضاء بمنظمة المؤتمر الاسلامى ..كان ذلك في عصر الحرب الباردة والصراع الكبير بين المنظومتين الرأسمالية والاشتراكية فكيف حال قبرص في عصر العولمة؟!.


انها حقبة يقول عنها الخبير الاستراتيجى ادوارد لوتواك ان الغرب يبدو فيها عازفا عن المخاطر التي قد تنطوي على احتمالات لخسائر فادحة..حقبة تبدو اكثر نعومة بالمقارنة مع مراحل الصراعات السافرة والعداوات الصارخة ووسط المعطيات المجتمعية والديموجرافية والثقافية الراهنة في الغرب يتساءل الساسة هناك على مستوى الأفكار والمفاهيم عن جدوى وفائدة اللجوء للقوة العسكرية فيما تتحسب الشعوب من خسائر اي نزاع مسلح.


لكن على النقيض من هذا الشعور الغربى فان المشاعر السائدة في الشرق الأوسط والقوقاز ومناطق اخرى تنتمى لعالم الجنوب تنطق بالخطر والخوف وتومىء لامكانية اندلاع نزاعات مسلحة في اي لحظة وكما يقول رئيس الوزراء اليوناني جورج باباندريو فان انتهاء الحرب الباردة ادى لتعزيز الشعور بالأمن في قلب اوروبا غير ان التأثير كان مختلفا تماما في منطقة شرقى المتوسط وجنوب شرق اوروبا حيث تزايد الشعور بالتهديدات في محيط منطقة من اكثر المناطق التي تعاني من عدم الاستقرار في هذا العالم ولايمكن التنبؤ بمسار الأحداث فيها..وهذا هو الشعور السائد في قبرص ايضا حيث بدا وكأن الجزيرة القبرصية تحولت الى خط او نسق امامى لجبهة خطيرة وقابلة للاشتعال في اي لحظة.


وترتب على هذا الشعور او الادراك ذلك السعى القبرصي الملحوظ لتعزيز القدرات الدفاعية..وبالنسبة لاسرائيل فانها سعت بدورها للإيحاء بأنها باتت تتعرض لتهديدات اكبر بعد انتهاء عصر الحرب الباردة حتى ان رئيس حكومتها الراحل اسحق رابين ذهب الى ان البيئة الاستراتيجية لاسرائيل بعد انتهاء الحرب الباردة تتضمن مخاطر على الوجود الإسرائيلى وتهديدات اكثر خطورة من اي وقت مضى بسبب انتشار الصواريخ واسلحة الدمار الشامل في المنطقة فيما اتفق رؤساء الحكومات الاسرائيلية التالية مع هذا التقدير لرابين كما يقول الباحثان افرايم اينبار وشمويل ساندلر.


وواقع الحال ان أحمد داوود اوغلو وزير الخارجية التركي الذي يبدي نفوره من اتجاه البعض للمقارنة بينه وبين وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنرى كيسنجر ووصفه بأنه “كيسنجر تركيا” اتخذ في كتابه :”العمق الاستراتيجي ” من لحظة انتهاء الحرب الباردة منطلقا محوريا لمعالجة قضايا متعددة وهو يقول ان اندلاع حرب الخليج كان بمثابة الاعلان عن انتهاء الحرب الباردة وهي حرب احدثت تغيرات خطيرة في التوازنات الاقليمية والعالمية بقدر ماتسببت في ازمة كبيرة داخل العالم العربى فيما جاءت عملية السلام في الشرق الأوسط بالصورة التي اتخذتها لتضاعف من تأثير هذه الأزمة..وهي ازمة متصلة بحكم عوامل الجغرافيا والتاريخ والمصالح بالأوضاع في شرق المتوسط.


تصورات امنية متوسطية…


يطرح ايان ليسر الخبير الأمنى في مؤسسة راند البحثية الوثيقة الصلة بالبنتاجون عدة نماذج لمفاهيم وتصورات الأمن في منطقة البحر المتوسط :النموذج الأول يعكس الى حد كبير الرؤية الأوروبية ويتمثل في اقامة ممر استراتيجي للوصول لمناطق المصالح الحيوية بقدر مايكون بمثابة ساحة للصراع والتعاون معا بين الشمال والجنوب وحسب هذا النموذج الذي يخدم مصالح الغرب تتحول منطقة شرق المتوسط بما فيها الجزيرة القبرصية الى حدود جديدة للغرب مع الشرق او بمعنى اكثر وضوحا وصراحة مع العالمين العربي والاسلامي وبما يتفق مع التوسع الغربي نحو حدود جديدة شرقا وجنوبا ويخدم امن الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلنطي “الناتو”..


والواقع ان شرق المتوسط تحول بالفعل الى حد خارجي جديد للغرب ..وعند هذا الحد الخارجي تتلاقى رؤى او تتصارع وتتحاور ثقافات او تتصادم وهناك من يتحدث عن صدام محتمل بين شرق المتوسط العربي-الاسلامي وشرق المتوسط الأوروبي-الغربي فيما تضم المنطقة كيانات سياسية متباينة مابين ديمقراطيات على النمط الغربى وشموليات على النمط التسلطي ومابين انظمة سائرة في فلك الغرب وانظمة اخرى ترفع شعارات الممانعة والمقاومة ومابين بلدان غنية واخرى فقيرة وكلها فجوات تزيد من حدة التوترات الاقليمية والدولية بقدر ماتشكل تحديا لما يسمى بالنظام الدولي ونظرة هذا النظام لما يعتبره استقرارا ومن بين الاشكاليات في هذه المنطقة اشكالية الوضع في الجزيرة القبرصية والنزاع بين القبارصة اليونانيين والقبارصة الاتراك بما ينطوي عليه من حالة تربص متبادل بين تركيا واليونان..وهنا ستجد اسرائيل قى قلب اللعبة!!.”يتبع”.

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X