دراسات

لعبة الأمم شرق المتوسط .. كيف تنظر إسرائيل لتجربة حزب العدالة والتنمية؟! (4)

ملف خاص تفتحه الراية



  • مخاوف من تصفية “الأردوغانية” كما حدث “للناصرية”!…

  • الشارع العربي يتابع بإعجاب المشروع التركي والإجابات عن إشكاليات العلاقة بين الإسلام والعلمانية والديمقراطية


ملف يفتحه -حسام إبراهيم..كأن هذه المنطقة صورة لفردوس مفقود..تبدو منطقة شرق المتوسط فاتنة بخضرتها وربيعها الأبدي وأشجار الزيتون واللوز وبحرها الذي يشرق بالحنين لسلام مفقود!!..منطقة في حيرة بين رهانات الحرب والسلام وهنا فإن هناك حاجة للتمعّن في الدور الإسرائيلي..ماذا يقول الباحث الإسرائيلي زاك ليفي في دراسته المستفيضة عن هذا الدور؟.


غزل وود!!…


الملاحظ أن إسرائيل من المنظور التاريخي كانت تحجم عن اتخاذ مواقف منحازة لليونان أو تركيا في النزاعات بين الدولتين وتحتذى حذو الولايات المتحدة في اظهار الحياد حيال النزاعات اليونانية – التركية.


ومنذ سنوات الخمسينيات في القرن العشرين سعت اسرائيل لمغازلة اليونان وتركيا ومد جسور الود الظاهر مع الدولتين مع تركيز اكبر على تركيا وكان أحد أسباب هذا التركيز رغبة اسرائيل في البرهنة على إمكانية إقامة علاقات ودية مع دولة ذات اغلبية مسلمة كما ان القادة اليونانيين والقبارصة ايامئذ مثل الزعيم اليوناني اندرياس باباندريو والأسقف القبرصي مكاريوس تبنوا توجهات العالم الثالث التحررية وكانوا أكثر انسجاماً مع المواقف العربية بالمقارنة مع تركيا التي كانت حينئذ ملتصقة بالمواقف الأمريكية.


وعندما زار الرئيس جمال عبدالناصر اثينا في شهر يونيو عام 1960 حرصت الحكومة اليونانية على تأكيد توجهها الذي كان يتبناه الزعيم القبرصي الأسقف مكاريوس بالفعل وهو تقليص الوجود الإسرائيلي في الجزيرة القبرصية لأقل حد ممكن وعندما التقى وزراء خارجية تركيا واليونان وقبرص في شهر ديسمبر عام 1960 بباريس أبلغ وزير الخارجية التركي سليم ساربير نظيره القبرصي سبيروس كبريانو بأن تركيا لم تعد تقبل المزيد من التلكؤ في قبول أوراق اعتماد السفير الإسرائيلي في نيقوسيا ولا محاولات الأسقف مكاريوس لعرقلة افتتاح اول سفارة إسرائيلية في قبرص حتى تمر عدة اشهر على وصول السفير المصري.


وفي نهاية المطاف تسلم الأسقف مكاريوس أوراق اعتماد أول سفير لإسرائيل لدى قبرص يوم العشرين من يناير عام 1961ولكنه كان قد تسلم أوراق اعتماد اول سفير مصرى في نيقوسيا قبل ذلك بستة أيام..كان ذلك في زمن يصفه أحمد داوود اوغلو وزير الخارجية التركي في كتاب “العمق الاستراتيجي” بزمن الشخصيات الكاريزمية مثل شخصية جمال عبد الناصر القادرة على تحريك الجماهير والشعوب نحو المثل العليا فضلا عن قدرتها على ملء الفراغات القائمة في الأبنية السياسية الداخلية.


ومع أن الكثير من المياه جرت تحت الجسور بعد ان انتقل جمال عبدالناصر لرحاب ربه منذ 40 عاماً وانتهت الحرب الباردة وانهار الاتحاد السوفييتي فإن هناك من يعقد مقارنات بين “الأردوغانية” أو المشروع النهضوي التركي الحالي بقيادة رجب طيب اردوغان والمشروع الناصري ويخشى من تصفية الأردوغانية كما ضرب المشروع النهضوي الناصري بينما يتجدّد الجدل حول حقيقة وفاة جمال عبد الناصر وما إذا كان الرجل قد رحل مبكراً عن الحياة الدنيا بجريمة قتل!.


ويقول أوغلو: إن الولايات المتحدة اكتسبت مع نهاية الحرب الباردة صفة القوة العظمى الوحيدة وأفصحت عن هذه الصفة خلال حرب الخليج فيما طرحت مفهوم النظام العالمي الجديد وسعت لتشجيع تصور بأن نظاما جديد سيجري تأسيسه في منطقة الشرق الأوسط في ظل هذا النظام العالمي الجديد وتوالت توقعات بأن تركيا واسرائيل ستتحولان الى دولتين محوريتين في ذلك النظام لأن العلاقة التحالفية للدولتين مع الولايات المتحدة استمرت طوال حقبة الحرب الباردة.


كما ان نتائج عملية السلام في الشرق الأوسط ادت- كما يقول أوغلو- الى أن تتصرّف تركيا بمزيد من الحرية في علاقاتها مع اسرائيل التي كانت منذ بداية وجودها كدولة تشعر بأنها حبيسة رقعة ضيقة للغاية في المنطقة وسعت دوماً لتعزيز روابطها مع القوى غير العربية في منطقة الشرق الأوسط كأحد عوامل تأمين وجودها في المنطقة ومن هنا تقدمت اسرائيل بخطى ثابتة نحو مزيد من دعم علاقاتها مع تركيا بعد انتهاء الحرب الباردة لتنطلق هذه العلاقات بالفعل بسرعة فائقة.


يقول أوغلو: ومن الواضح أن هذه العلاقات في أحد جوانبها كانت موجهة ضد سوريا التي تدعم حينئذ حزب العمال الكردستانى وتحاول تشكيل علاقات مع اليونان في مواجهة تركيا.. وماذا عن العلاقات الاسرائيلية – اليونانية؟..من المنظور التاريخي كانت علاقات اليونان مع اسرائيل باردة حتى انها لم تفتح سفارة في تل أبيب إلاّ في عام 1991 ولكن هذه العلاقات اكتسبت دفئاً وزخماً في السنوات الأخيرة فيما باتت أثينا متحمسة للتعاون مع اسرائيل وتبدي ترحيباً بما تسميه الشراكة الأمنية لتعزيز الاستقرار الإقليمى .


أما قبرص فلم ترفع مستوى علاقاتها مع اسرائيل لمستوى تبادل السفراء إلا في عام 1994ثم وقع الجانبان على عدة اتفاقيات للتعاون الاقتصادي والثقافي رغم أن هناك علاقات دبلوماسية بينهما منذ عام 1960ولكن القيادة القبرصية كانت مقتنعة على مدى سنوات طويلة بأن العالم العربي هو الشريك الطبيعي لقبرص سواء في التجارة والاقتصاد او العديد من المجالات والفضاءات الأخرى.


أسطول الحرية والتحوّلات المثيرة


وفي خضم أزمة اسطول الحرية في شهر مايو الماضي كانت اسرائيل حريصة على إبلاغ سفير قبرص في تل أبيب بأنها لن تسمح بوصول هذا الأسطول لقطاع غزة ولم تكن أثينا المرتبطة بعلاقات خاصة للغاية مع نيقوسيا يمكنها أن تبتعد عن هذه الأزمة التي يمكن ان تكون لها مضاعفات على منطقة شرق المتوسط فيما ذهبت تحليلات عديدة إلى أن أزمة أسطول الحرية بقيادة السفينة التركية “مرمرة” زادت من شعبية حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان في الشارع التركي.


كانت القيادة اليونانية لا تخفي في الماضي قلقها حيال أبعاد التعاون العسكرى والأمني بين اسرائيل وتركيا بل إن أثينا حرصت في ذروة هذا التعاون على دعم علاقاتها مع سوريا وايران كنوع من الرد على ما اعتبرته محوراً اسرائيلياً- تركيا يمكن أن يكون على حساب أمنها ومصالحها.. غير ان صعود حزب العدالة والتنمية لصدارة المشهد السياسي التركي مستندا على تأييد اغلب المنتمين للطبقة المتوسطة الصاعدة من الملتزمين دينيا فضلا عن جماهير الأناضول الذين تعرضوا من قبل للتهميش الاقتصادي والسياسي الأمر الذي غير الكثير من المعادلات المحلية والاقليمية في العقد الحالي.


وفي دراسة اعدت قبل التحولات المثيرة في السياسة التركية وصعود حزب العدالة والتنمية كان عنوانها “أهمية قبرص” يقول الباحثان الاسرائيليان افرايم اينبار وشمويل ساندلر: إن من مصلحة اسرائيل وقبرص واليونان وتركيا تعزيز التعاون الاستراتيجي في مواجهة المخاطر القادمة من المنطقة العربية بل واقامة “حلف شرق متوسطي بين الأطراف الأربعة” وهو تحالف في صالح الغرب بقدر ما يخدم مصالح اطرافه المباشرة.


كان التصور المثالي من وجهة النظر الاستراتيجية الاسرائيلية تحويل أي عداء تركي لليونان نحو سوريا وإيران ومن تسميهم اسرائيل بمثيري المتاعب في منطقة الشرق الأوسط مثل حركة حماس الفلسطينية وحزب الله اللبناني بل واطلاق يد تركيا في آسيا الوسطى لمواجهة ما تسميه بالتأثيرات الضارة لإيران وروسيا في هذه المنطقة..غير أن العقبة الكؤود التي تعترض إقامة هذا الحلف الشرق متوسطي او “المربع الغربي في شرق البحر المتوسط” تتمثل في العلاقات المتوترة بين اليونان وتركيا والتي ترجع اساسا للمشكلة القبرصية وتقسيم الجزيرة منذ عام 1974 رغم ان الدولتين معا هما عضوان في حلف شمال الأطلنطي “الناتو”.


بالطبع هناك أسباب أخرى لهذه العلاقات المتوترة من بينها الخلافات حول بحر ايجة فضلا عن مرارات تاريخية.. ومع ذلك فإن جورج باباندريو الرئيس الحالي للحكومة اليونانية والذي قام مؤخراً بزيارة لإسرائيل يرى منذ أن كان وزيراً للخارجية في نهاية العقد الماضي أن “تركيا الأكثر أوروبية مسألة تتوافق مع المصالح الوطنية لليونان” ومعنى ذلك أن أثينا ترى أن “تركيا الإسلامية والمناهضة لأوروبا لن تكون بالجار الجيد” غير أن المشكلة القبرصية ما زالت تحول دون علاقات طبيعية تماماً بين أثينا وانقرة وان كانت العلاقات قد تحسّنت كثيراً حتى إن اليونان لم تعد تعارض علانية انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.


وكما يقول الباحث ايان ليسر فإن من مصلحة الغرب على الأمد الطويل دعم النظم ذات التوجه الموالي للرؤى الغربية في منطقة شرق المتوسط فيما باتت ظاهرة حزب العدالة والتنمية أو “الظاهرة الأردوغانية” ظاهرة عربية بامتياز وموضع اهتمام وإعجاب بالغين في الشارع العربي الباحث عن الحرية وحل الصدامات المفتعلة بين الديمقراطية والإسلام.


وإذا كان الكثير من الذين يتابعون في العالم العربي بإعجاب مشروع حزب العدالة والتنمية كتعبير عن ديمقراطية إسلامية تستند لتفويض شعبي كبير ولا تجافي المعايير الغربية فان هناك العديد من الاسئلة التي تتردد في الشارع العربي حول هذا المشروع مثل: هل يعتبر نظام حزب العدالة والتنمية في تركيا مواليا للغرب وماذا عن حدود الدور الأمريكى وامكانية تدخل واشنطن لضبط العلاقات بين تركيا واسرائيل كدولتين حليفتين باعتبار أن تركيا عضو في حلف شمال الأطلنطي ؟..وما مدى وحجم التغيرات الجوهرية في السياسات التركية منذ صعود هذا الحزب لسدة السلطة والرغبة القديمة في الانضمام للاتحاد الأوروبي وهل ترتبط التغيرات في السياسة التركية بحزب العدالة والتنمية وحده أم أنها تعبّر عن استراتيجية جديدة لتركيا وماذا عن امكانات ظهور تحالف أو محور سوري – إيرانى- تركي وهل وصلت العلاقات التركية – الاسرائيلية لنقطة اللاعودة أم أنها أصيبت فحسب بأضرار قابلة للإصلاح؟!.


لا جدال أن إسرائيل تعمل لتعزيز القوى التركية المناهضة لرؤى حزب العدالة والتنمية وهي القوى التي تتبنى رؤى غربية خالصة وتوجهات علمانية متطرفة وتسعى لفرض هذه القيم للأبد على الساحة التركية.. وفي حالة صعود هذه القوى التركية المناهضة لرؤى حزب العدالة والتنمية فإن إسرائيل كما تكشف كتابات خبرائها الاستراتيجيين ستشعر بارتياح حيال أي تقارب تركي-يونانى لأن هذا التقارب يعنى زيادة النفوذ الغربى في منطقة شرق البحر المتوسط ومن هنا فانها لن تعمل على تصعيد المشكلة القبرصية شريطة أن تكون القوى العلمانية المتطرفة وذات الرؤى الغربية الخالصة هي التي تمسك بزمام الأمور في انقرة.


عهد انقضى


غير أن الباحثة الاسرائيلية غاليا ليندشتاروس تقول في كتابها الذي صدر مؤخرا بعنوان “السياسة الخارجية التركية وآثارها على اسرائيل”: إذا كانت إسرائيل لعبت في الماضي على عمق علاقاتها الاستراتيجية مع المؤسسة العسكرية التركية فإن ذلك العهد انقضى الى غير رجعة .. أما في ظل حكم حزب العدالة والتنمية في أنقرة فإن العلاقات الاسرائيلية – التركية تتراجع في كل المجالات بما فيها العلاقات الاقتصادية والتبادلات التجارية ولم تعد تركيا إحدى أهم الوجهات السياحية المفضلة للاسرائيليين كما كان الأمر في الماضي فيما تعمد الحكومة الاسرائيلية لمضايقة أي شركات تركية وفرض قيود على أنشطتها.


وكلما اندلعت أزمة في العلاقات التركية – الاسرائيلية مثلما حدث في قصة أسطول الحرية تطلب الحكومة الاسرائيلية من الاسرائيليين تجنب زيارة تركيا كسائحين ليتوجهوا للشطر اليونانى في الجزيرة القبرصية واليونان وهذا ما حدث في شهري يوليو وأغسطس من العام الحالي أي في ذروة الموسم السياحى لكن السؤال الكبير يدور حول الواردات التركية من المعدات العسكرية الاسرائيلية والتي كانت تمثل جزءاً كبيراً إن لم يكن الأكثر أهمية مما تستورده تركيا من اسرائيل ويبدو أن هذه الواردات قابلة للتراجع بشدة أن تفاقمت التوترات السياسية بين الجانبين.


وقبيل الأزمة الأخيرة في العلاقات التركية-الاسرائيلية قدر عدد الشركات الاسرائيلية التي تعمل في تركيا بـ 250 شركة بلغت استثماراتها هناك نحو 300 مليون دولار أمريكي لكن يبقى حديث الأرقام والاحصاءات ليؤكد أن نصيب اسرائيل في إجمالى التجارة الخارجية لتركيا لا يتجاوز نسبة الواحد في المائة كما أن معدلات النمو الاقتصادي العالية التي حققتها تركيا في ظل حكم حزب العدالة والتنمية تبقى ركيزة مهمة وحيوية للسياسات التركية الجديدة سواء كانت تحت عنوان “العثمانية الجديدة” او “الأردوغانية” فيما يمكن لتوظيف الدور السياسي الإقليمى أن يحقق المزيد من المكاسب الاقتصادية لتركيا.


ومن مفارقات التاريخ أو مكره أن النمو الاقتصادي غير العادي في تركيا اقترن بأزمة مالية حادة في اليونان امتدت آثارها السلبية للاتحاد الأوروبي كله.. وفي مقابل الانخفاض في عدد السائحين الاسرائيليين لتركيا والذين لم يزد عددهم هذا العام على 40 ألف سائح فإن تقديرات رسمية تركية أكدت حدوث طفرة في السياحة العربية لتركيا وقدرت عدد الزوار والسائحين خلال العام الحالي بثلاثة ملايين شخص.


وتقر الباحثة الاسرائيلية غاليا ليندشتاروس: إن اسرائيل تنظر بقلق للنمو الكبير في الاقتصاد التركي وصعوده كأحد الاقتصادات العالمية الناجحة فيما اعتبر الاسرائيليون ان انقرة تجاوزت الخطوط الحمراء عندما أبدت تعاطفاً مع حركة حماس وبادرت بدعوة قادة الحركة لزيارتها وتذهب هذه الباحثة في كتابها الجديد الى ان واشنطن لا تعارض في احتفاظ تركيا بعلاقات مع حركة حماس لإمكانية استخدامها “كقناة خلفية عند الرغبة في اجراء اتصالات او مفاوضات بين الولايات المتحدة وحماس“.“يتبع”

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X