fbpx
كتاب الراية

التعريب ضرورة لغوية أم حاجة قومية (2-2)

يتضح من خلال تتبع موضوع التعريب – في هذه العجالة – أن هناك قناعة كبيرة لدى الباحثين والمختصين في هذا المجال، بالإضافة إلى معظم المؤسسات التعليمية، وأساتذة الجامعات.

وسبق أن قام المكتب الدائم لتنسيق التعريب، عام ١٩٦٦ م باستفتاء حول التعريب، وأظهر الاستفتاء اتفاقاً على ضرورة وأهمية التعريب.

كما أن العديد من مؤتمرات وزراء الثقافة، ووزراء التعليم العالي، يؤكد على ضرورة وأهمية التعريب. كما أكدت جامعة الدول العربية، في أول معاهدة ثقافية بين الدول العربية، عام ١٩٤٥ م على ضرورة النهوض باللغة العربية، ونشرها، وأن تكون اللغة العربية لغة التعليم.

فما هي يا ترى الأسباب المعوقة لإنجاز مشروع التعريب؟ رغم أهميته القصوى من الناحية اللغوية، وأبعاده القومية؟ هناك عدة أسباب في مقدمتها:

(١): غياب القرار السياسي الملزم على المستوى الجماعي لهذه الدول، وهو قرار صعب المنال، لما عرف تاريخيا في مثل هذه القرارات، ومواقف الدول الأعضاء، وما يقتضيه من إجماع، ولو تمت الموافقة فهو غير ملزم، وكما هو سائد يترك تنفيذه لظروف كل دولة.. وهناك الكثير من القرارات والتوصيات غير مفعلة، مضى عليها عشرات السنين، ومنها مشروع الموسوعة العربية ومشروع الاستراتيجية الثقافية .. الذي تم إعداده ونشره دون أن يجد طريقه للتنفيذ.

فتعدد الأنظمة العربية والاختلاف حول بعض الأهداف والوسائل والسياسات، والأوليات، يؤدي إلى عدم الاتفاق على قرار ملزم للتعريب، ومن ثم تكون هذه القرارات غير حاسمة، وهي أشبه ما تكون بالتوصيات التي لا يؤخذ بها.

(٢) ضعف التنسيق بين المؤسسات التي تتحمل مسؤوليات التعريب ومؤسسات التعليم العالي، والإعلام، والثقافة ..، لأن كل مؤسسة تعمل شبه منفردة أو هي كجُزر منعزلة والتواصل بينها عبر قوارب شراعية بطيئة الحركة.

(٣) يوجد نوع من عدم الثقة لدى بعض القيادات والمثقفين وبعض أساتذة الجامعات، في قدرات وإمكانية اللغة العربية لاستيعاب العلوم الحديثة، وهذا يقتضي أن يكون لمجامع اللغة العربية دور فاعل في مؤسسات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام ومؤسات التعليم العالي لإيضاح الصورة وهو دور منوط باتحاد الجامعات العربية ومكتب تنسيق التعريب.

والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.. حيث هناك قناعة لدى البعض بأن اللغة العربية لن تكون قادرة على نقل العلوم والتقنية بالصورة المتوفرة في اللغة الإنجليزية وقد لمست ذلك شخصيا مع بعض أعضاء هيئة التدريس في كليات مختلفة.

(٤) تأخر المجامع في إعداد وإخراج المعاجم اللغوية، والعلمية التخصصية المعاصرة، والمتسقة مع حركة وسرعة المستجدات العلمية والثقافية، وتقنيات المعلومات.

(٥) تأخر وضع المصطلحات وإقرارها، وما يصحبها من اختلاف وخلافات، وطول الإجراءات التي تمر بها عملية وضع المصطلح وإقراره، من قبل الجهات المعنية.. مما يفوت فرصة استخدامه وانتشاره، حيث يشيع استخدام المصطلحات الأجنبية، في أوساط المجتمع، والمؤسسات الاقتصادية والتجارية، ووسائل الإعلام المختلفة.

(٦) عدم وضع خطط متكاملة ومنهجية للتعريب، وتحديد أجهزة أو مؤسسة في كل دولة عربية تكون مسؤولة عن التعريب، ومرتبطة بمكتب تنسيق التعريب، وهو تابع لمؤتمر التعريب، المسؤول عن إقرار المصطلحات، الذي يدعى له العديد من المنظمات المختصة من جميع الدول العربية ومجامع اللغة، والاتحاد … الخ.

ولكن لابد من تفعيل مكتب التنسيق في عملية التواصل مع الجامعات ومراكز الأبحاث، والجهات المعنية بالتعريب.

وكذلك بالنسبة للمركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف والنشر الذي نشأ تحت مظلة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عام ١٩٨٣م. وهدفه المساعدة في تعريب التعليم العالي على مستوى الوطن العربي. والعمل على تأمين حاجاته من الكتب والمراجع، والدوريات.

أصبحت هذه المكاتب واللجان غير قادرة على تأدية الدور المنوط بها.. والأسباب عديدة مالية وإدارية، ولكن لا نريد أن نحملها مسؤولية الإخفاق، حيث إن التقاعس، وعدم الجدية في تفعيل المشروعات المشتركة بصفة عامة- مرض يعاني منه معظم المؤسسات في الوطن العربي، بسبب اختلاف التوجهات. ومثل هذه الأمور تحتاج إلى قرارات سياسية ملزمة، وإلا ما الداعي إلى إنشاء مراكز أبحاث، وتشكيل لجان، وإقامة مؤسسات علمية، ولا يتم تفعيلها، والإفادة من إنجازاتها وجهودها، إن مثل هذه الأمور تؤدي إلى نوع من الإحباط وعدم الجدية لدى القائمين على المؤسسات في أحيان كثيرة، والحقيقة أن المسؤولية مشتركة، ولابد من نظرة متأنية ناقدة متفحصة لقضية التعريب، وتحديد دور الجهات المعنيه به، من خلال وضع خطة (استراتيجية)، واضحة المعالم يشترك في وضعها مجامع اللغة العربية واتحاد المجامع، ومكتب التنسيق، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، وممثلون عن اتحاد الجامعات العربية.. وممثل عن جامعة الدول العربية..

مع مطلب ترفعه جامعة الدول العربية باعتبار التعريب، هو أهم عناصر المحافظة على اللغة العربية، والمحافظة على اللغة هو أهم عناصر الأمن السياسي القومي.

لأن اللغة هي الأساس في وحدة الأمة وترابط المجتمع العربي، والمحافظة على هويته وكيانه، وكما يقول أحد المفكرين، (إن الذين يتكلمون بلغة واحدة يكونون كلاً موحداً ربطته الطبيعية بروابط متينة وإن كانت غير مرئية).

فقضية التعريب والنهوض باللغة العربية هي في صلب قضية الأمن الثقافي، الذي هو جزء من الأمن القومي، وهو الهاجس الذي يثير الكثير من القلق والتحدي لواقع الأمة ومستقبلها، فإذا ارتقينا بقضية التعريب واللغة إلى مستوى الهاجس الأمني القومي، لابد أن تتغير النظرة إلى هذه القضية عند مختلف المستويات، وتصبح هماً مشتركاً لدى الجميع، أعني بها قضية التعريب العام والشامل، بحيث لا تتوقف عند التعليم العالي بل تتعداه إلى المؤسسات البحثية والإعلامية، والثقافية.

لقد رفض العرب سابقاً التتريك، والفرنسة، وناضلوا من أجل المحافظة على لغتهم وهويتهم، واليوم يلهثون لتغريب مؤسساتهم وتعليمهم، لا أحد ينكر تعلم اللغات الأخرى وإتقانها والإفادة منها، ولكن لا يكون ذلك على حساب لغته وثقافته وهويته.

المراجع :

(١) معاجم اللغة العربية وصناعة التعليم والتعريب والترجمة (بحث ألقي في ندوة النهوض باللغة العربية) هدى سالم ص ١٥ – الدوحة – ٢٠١٢م.

(٢) اللغة العربية وتحديات القرن الحادي والعشرين. منشورات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم . بحث د. يحيي صلاح قدرسي ص ١٩٥.

(٣) اللغة العربية إرث وارتقاء حياة د. حسين جمعة ص ٧٦.

(٤) اللغة العربية وتحديات العصر . د. محمود أحمد السيد الهيئة العامة السورية للكتاب – دمشق ٢٠٠٨م.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق