fbpx
المنتدى

وفاء لياسر عرفات ..

بقلم – خيرالله خيرالله:

في الذكرى التاسعة لغياب ياسر عرفات، الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني، يعود الكلام عن أنّ الرجل قضى بالسمّ الذي دُسّ له أثناء فترة الحصار التي قضاها في رام الله. قد يكون هذا الكلام صحيحًا، خصوصًا أن التحليلات الطبيّة التي أجريت في سويسرا رجّحت ذلك. لكن ما قد يكون أهم من هذا الكلام، الظروف التي رافقت وضع “أبو عمّار” ابتداء من أواخر السنة 2001 في الإقامة الجبرية في “المقاطعة”. مؤسف أن ذلك حصل ذلك فيما العالم، بمن فيه العالم العربي، يتفرّج.

جاء هذا التطوّر، في وقت صارت المؤسسة العسكرية والأمنية والسياسية الحاكمة في إسرائيل، بكلّ اتجاهاتها تقريبًا، تعتبر ابتداء من بداية السنة 2001 أن وجود ياسر عرفات في رام الله بات عبئًا وأنه لم يعد ممكنًا التعاطي معه بأي شكل. كان مفروضًا في البدء إعدامه سياسيًا!.

ظهر هذا الموقف جليًا خلال المؤتمر الذي يُعقد مطلع كلّ سنة في منتجع هرتسيليا، غير البعيد عن الحدود اللبنانية، تشارك في هذا المؤتمر شخصيات إسرائيلية تمثّل معظم مراكز القوى والاتجاهات والمؤسسات في دولة تمتلك قوة عسكرية كبيرة ولاتزال تعتقد أنّ في استطاعتها تكريس الاحتلال للأرض الفلسطينية.

تبلور الموقف الإسرائيلي من “أبو عمّار” نتيجة فشل قمة كامب ديفيد صيف العام 2000، وهي القمة التي ضمّت الزعيم الفلسطيني الراحل والرئيس بيل كلينتون، الذي كان في الشهور الأخيرة من ولايته الثانية، وإيهود باراك، رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتذاك. لم يقبل ياسر عرفات، في تلك القمة، ما كان مطلوبًا أن يقبل به، في الواقع، لم يكن العرض الذي قدّمه باراك واضحًا إلى درجة يمكن إلقاء اللوم في فشل القمّة على “أبو عمّار”.

لا شكّ أن الظروف في تلك المرحلة لم تخدم الزعيم الفلسطيني الذي ارتكب خطأين فادحين في الأسابيع التي تلت القمة. الاوّل في رفضه الإطار العام للتسوية الذي عرضه كلينتون في الأيام الأخيرة من السنة 2000 والآخر في ما سمّي “عسكرة الانتفاضة”. لم يضع “أبو عمار” في حساباته أن الرئيس الأمريكي سيوصي خليفته جورج بوش الابن بوقف التعاطي معه بعدما خذله. والحقيقة أن بوش الابن لم يكن حتى في حاجة إلى مثل هذه النصيحة كي يسير فيها وكي يرفع الغطاء الأمريكي عن “أبو عمّار”.

أمّا الخطأ الآخر فتمثّل في أنّ الزعيم الفلسطيني لم يفرّق بين وضع الضفة الغربية ووضع جنوب لبنان الذي انسحب منه الإسرائيلي في آيار- مايو 2000. ظنّ أن مجرّد اندلاع انتفاضة جديدة يستخدم فيها السلاح وقتل بضع عشرات من الجنود الإسرائيليين، سيجعلان إسرائيل تنسحب من الضفة الغربية. لم يفطن إلى مدى تعلّق إسرائيل باحتلال جزء من الضفة من منطلق أنها “أرض متنازع عليها”، فيما كانت مستعدّة في كلّ وقت للانسحاب من جنوب لبنان، بموجب القرار 425، لقاء ضمانات معيّنة لم تحصل عليها عمليًا إلا بعد حرب صيف 2006 وصدور القرار الرقم 1701 الذي وافق “حزب الله”، الذي كان يقود “المقاومة”، على كلّ حرف فيه.

المهمّ الآن، أن لا تطغى قضية تسمّم ياسر عرفات على التفكير في المستقبل. لا يختلف عاقلان على أن قضية التسمّم مهمّة وأن هناك مصلحة عربية وفلسطينية في كشف المجرم، خصوصًا أن أريل شارون خلف باراك في رئاسة الوزارة في شباط – فبراير 2001… وكان لشارون حساب شخصي يودّ تصفيته مع الرجل الذي وضع فلسطين على الخريطة السياسية للشرق الأوسط .

ماذا يمكن أن يعني التفكير في المستقبل في ظلّ الانسداد التام في المفاوضات الهادفة، إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلّة “قابلة للحياة”عاصمتها القدس الشرقية؟ كيف يتصرّف الفلسطينيون في ضوء الرغبة الإسرائيلية في متابعة الاستيطان وقضم الأرض الفسطينية ؟.

يفترض في الفلسطينيين أن يطرحوا على أنفسهم مثل هذا النوع من الأسئلة في حال كانوا يُريدون البقاء أوفياء لذكرى ياسر عرفات الذي عاد إلى فلسطين بفضل اتفاق أوسلو وهو يطرق الآن أبواب القدس يوميًا من حيث ووري الثرى في رام الله .

لا شكّ أن “أبو عمّار” استطاع تحقيق الكثير على طريق إنجاز المشروع الوطني الفلسطيني. من يريد أن يكون وفيّا له يعمل أولاً من أجل أن لا تكون الضفة الغربية أرضًا طاردة لأهلها، استمرّت المفاوضات الدائرة مع إسرائيل بناءً على رغبة أمريكية، أم لم تستمرّ. ذلك هو التحدي المطروح، وهو تحدٍ يمكن أن يُساهم في صمود الشعب الفلسطيني الذي يمتلك سلاحًا في غاية الأهمّية. إنّه شعب استطاع المُحافظة على هويته الوطنية برغم كلّ الظلم الذي تعرّض له طوال قرن من الزمن!.    

كاتب لبناني

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق