fbpx
كتاب الراية

الصراع بين كبر وهلال

تحول الصراع في دارفور بغرب السودان من صراع بين الحكومة السودانية والحركات المتمردة والتي تكاثر عددها بحيث تظهر في يوم حركة جديدة تدعي أن لها رئيسا ومجلسا ثوريا وجيشا، إلى صراع حكومي حكومي ممثلا في الصراع الذي يقوده الزعيم القبلي موسى هلال الذي انشق بقواته من الجنجويد، ووالي شمال دارفور عثمان يوسف كبر، وأصبح كل منهما يحشد قواته وآلياته بل إن هلال كشر عن أنيابه وأعلن مناطق واسعة من شمال دارفور مناطق محررة يحظر على الجيش والشرطة وحتى جنجويد الحكومة الدخول فيها، ودخل في حرب علنية مع الحكومة بمناطق كبكابية بتجريد قوات حكومية أراسلت إلى مناطق يسيطر عليها من سلاحها وسياراتها في تحد واضح وسافر ليس ضد كبر وإنما ضد الحكومة.

الأمر لم يقف عند هذا الحد وإنما استغلت الحركات المتمردة الأوضاع واستطاعت أن تستهدف المدن والمناطق الآمنة بشرق الإقليم فيما أعادت ميليشيات الجنجويد والتي تمت تسميتها بقوات الإسناد السريع بعد إرسال كردفان إلى سابق عهدها ومارست التقتيل والإحراق بقرى في جنوب الإقليم.

السؤال المطروح: أين الحكومة من تطورات هذه الأوضاع؟ وما موقفها من موسى هلال؟ وأين اتفاقيات السلام الموقعة؟ وما آلت هذه التطورات عليها؟ببساطة لم يعد هناك معنى لوجود الدولة السودانية في دارفور إلا أسماء مملكة في غير موضعها، ولايات وحكام لا تمتد سلطتهم أبعد كثيراً من عواصمها، ومع ذلك هم مشغولون بصراعات عبثية داخل أسوار ولاياتهم لتثبيت مواقعهم لا لحل مشكلات مواطنيهم ومن هنا ظهرت مراكز القوى بعدما استغل الجميع القبائل، فموسى هلال الذي كان يد الحكومة إبان كان التمرد في عنفوانها أصبح حالياً يشكل خطورة حقيقية عليها بإعلانه الصريح عدم اعترافه بكبر كوالي لشمال دارفور والدخول في صراع مع الحكومة المحلية بل لم يقف عند معارضة كبر فقط وإنما كون جبهة واسعة من القبائل ودخل في تحالفات عسكرية وقبلية وبذلك امتد مركز نفوذه من مناطق كبكابية كتم في الغرب حتى مليط في الشرق وخطورة موسى هلال في التحالف القبلي فقط وإنما في القوة الضاربة التي تحت يده من ميليشيات الجنجويد السابقة والتي حولتها الحكومة إلى قوات حرس الحدود فيما هي أساسا ميليشيات قبلية تأتمر بأوامر من هلال وليس الحكومة التي حاولت تجميع ميليشيات أخرى بقيادة حميدتي بجنوب دارفور لتكون موازية لقوات موسى هلال ولكن فات عليها أن هذه الميليشيات لن تقاتل بعضها بعضا وأن ما يجمع بينها أكبر من أى خلاف مصنوع من الخرطوم، فهلال أقوى نفوذا من حميدتي الذي هو مجرد زعيم ميليشيات وليس زعيما قبليا يتمتع بعلاقات ونفوذ مثل هلال وغيره من الزعماء القبليين الذين يتحالفون معه،

الطريف في أزمة دارفور المصنوعة أغلبها من المركز أن الخرطوم، مع كل هذا الذي يجري من قتال وقتال مضاد بين هلال وكبر لم تعد تشغل بالها كثيراً بالأمر وتركت لهما المهمة كما أن الأمر لم يعد يعنيها في شيء رغم فقدان سلطتها وسيطرتها على الأرض والتي تحولت لسيطرة الميليشيات القبلية وعلى رأسها ميليشيات موسى هلال والتي هي رسميا قوات نظامية وفقا للقانون، فالحكومة السودانية لم تعد تلقي أي اهتمام لما يجري على أرض دارفور وكأنه يحدث في بلاد أخرى رغم أنها معنية بها وفقا لاتفاقيات السلام الموقعة والتي تلزمها بتعهدات واضحة ومنها حل الميليشيات القبلية المسلحة بجميع مسمياتها وبسط سلطة وهيبة الدولة.

فرغم أن التمرد قد انحسر بشكل واضح بجميع مناطق دارفور وباعتراف الحكومة نفسها إلا أن الأوضاع على الأرض لم تتحسن بسبب ظهور لاعبين جدد أكثر خطورة على الأوضاع الأمنية من التمرد وخاصة أنهم يستغلون الدولة في تنفيذ مآربهم، ومن بين هؤلاء اللاعبين موسى هلال وعثمان كبر، فالاثنان يستغلان أدوات الدولة في الصراع من أجل النفوذ، فموسى هلال استفاد من تسليح الحكومة لميليشياته وتحويلها إلى قوات نظامية في حماية نفسه فيما أن كبر وجد نفسه في مأزق مواجهة هلال بالشرطة والميليشيات وليس بالجيش الذي يقف على الحياد بين الاثنين ولا يتدخل في أزمات دارفور إلا حينما تتدخل حركات التمرد وبذلك تحولت أزمة دارفور من أزمة صراع بين حكومة حركات التمرد إلى أزمة صراع بين أجنحة الحكومة نفسها ولكن ليس على مستوى المركز الذي بدا وكأنه مستمتع بالمشهد الذي يمثل مسرح اللامعقول في السياسة السودانية.

 

من الواضح أن الحكومة السودانية ليس لديها رغبة أو إرادة قوية تجاه حل أزمات دارفور رغم توقيعها عدة اتفاقيات، فهي المسؤولة عما آلت إليه الأوضاع حالياً، فموسى هلال ماكان بإمكانه تحدي الحكومة علنا إذا وجد من يردعه فهو بعدما طرح شروطه للحوار مع الحكومة التي تجاهلته ها هو يتحداها علنا ليس سياسيا وإنما عسكريا، فمسؤولية الحكومة المركزية تجاه أزمة دارفور لأ يمكن بأى حال من الأحوال إنكارها، فهي لم تلتزم بتنفيذ تعهداتها تجاه أي اتفاق، فحتى السلطة الإقليمية بقيادة التجاني السيسي التي تم تأسيسها بعد اتفاقية الدوحة لسلام دارفور أفرغت من محتواها فهي بللإصلاحيات والسيسي ليس له سلطات على الولاة ولا حتى على الزعماء القبليين وميليشياتهم مثل موسى هلال الذي وضح أنه اللاعب الأساسي في دارفور حاليا بالإمكانيات العسكرية والتسليح والمال الذي يملكه، فهو حكومة داخل حكومة، ولا سلطة لأحد عليه بدارفور والحكومة المركزية تُدرك هذا جيدا ولكنها تتجاهل الأمر لشيء في نفسها.

فالصراع الحالي بين هلال وكبر إنما هو صراع نفوذ تمتد جذوره من الخرطوم وإن مواطن دارفور البسيط هو من يدفع في نهاية الأمر ثمن استخدامه من قبل جميع أطراف الصراع المحلية كبشاً لفداء أجندة ومصالح هذه الأطراف المختلفة. فالحكومة تُدرك أن الوالي كبر ليس شخصاً مقبولاً بدارفور، فحتى الحركة الإسلامية التي يحكم باسمها قد تبرأ منه وانه فشل في تحقيق أي إنجاز كما أن الشيخ موسى هلال ليس مؤهلا لحكم دارفور لأنه جزء من الصراع ولن يكون حلا للازمة التي ساهم في استفحالها، مشكلة دارفور الأساسية ليس في الصراع بين الحكومة وحركات التمرد التي اصبح المواطن العادي لا يحس بها رغم النزوح واللجوء وإنما في استغلال المركز لأبناء الإقليم عبر انتهاج سياسة فرق تسد في النخبة الدارفورية والصراع الحالي بين كبر وهلال خير مثال لذلك، ولكن إلى متى يستمر هذا المسلسل؟ فالقضية أكبر من كبر وهلال ولن تنفع معها تجييش الميليشيات وتغيير أسمائها من الجنجويد إلى حرس الحدود، والاحيتاطي المركزي ثم قوات الإسناد السريع، فالممارسات ستظل نفسها ما دام هناك جيوش موازية للجيش الوطني والشرطة الوطنية. فالسؤال المطروح دارفور إلى أين؟ ومن المنتصر من اللاعبين الأساسيين هل هو كبر أم موسى هلال ؟ وإلى متى الحكومة ستظل متفرجة عليهما؟

كاتب سوداني

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق