fbpx
كتاب الراية

سحب السفراء..

بيان الدول الثلاث: السعودية والإمارات والبحرين لتبرير سحب سفرائها من الدوحة طويل لكنه لم يقترب من السبب الجوهري لهذا القرار المتسرع والعصبي الذي لا يليق بأنظمة حكم في القرن الواحد والعشرين حيث صار مستحيلا إخفاء الحقيقة. تلك الحقيقة لها وجه واحد فقط، وهي أقصر طريق بين نقطتين مثل الخط المستقيم. محاولات استغفال الشعوب صار اليوم نمط تفكير عقليات تنفصل عن الواقع، وتعيش في الماضي، ولا تريد أن تتعلم من حكمة وفلسفة الحراك السياسي والثوري الذي لا يهز المنطقة العربية وحدها بقوة إنما معظم أرجاء العالم في قاراته المختلفة كما في أوكرانيا، وفنزويلا، وتايلاند. هناك من لا يريد أن يستوعب أو يتعلم درس الربيع العربي حتى لو كان يمر بمصاعب أو انتكاسات، ذلك أن صبر الشعوب له حدود وأنه في لحظة حاسمة يحدث الانفجار كما حصل في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا رغم التكلفة الضخمة ورغم محاولات العودة للماضي وإعلان فشل ثورات الحرية ليرفع المعادون لها شعار أن العيش في ظل الاستبداد أو السلطة الأبوية أفضل من العيش في مناخ الحرية الذي يجلب الفوضى، لكن الحقيقة أن كلفة الحرية والديمقراطية أقل كثيرًا من إغلاق الأبواب على الشعوب وبناء أسوار شاهقة حولها من الإجراءات الاستثنائية وقوائم الحظر والمنع والاعتقالات والمحاكمات التي لا تتوفر لها معايير العدالة الدولية. تلك الأنظمة عليها أن تدرك أن ثورة الاتصالات هي العدو الحقيقي لكل من يريد تأميم الشعوب وتحويلها إلى قطيع، وهذا العدوّ الذي بلا جند ولا أسلحة تقليدية لم يستطِع أحدٌ في أرجاء العالم صده ومنعه مهما كانت قسوة قرارات الحظر كما في الصين وإيران وكوبا وكوريا الشمالية مثلا، والأجدى هو التعامل معه والانفتاح عليه فذلك يحوّله من عدوّ إلى صديق مفيد يطلع الحاكم على حقيقة صورته لدى شعبه ليتصرف سريعًا إذا كانت تلك الصورة مشوّشة أو سيّئة وتحتاج إلى تحسين وتعديل وتطوير.

جاء بيان قطر الهادئ العقلاني القويّ رغم قصره ليكشف في عبارة واحدة فقط حقيقة الخطوة الثلاثية غير المسبوقة في العلاقات الخليجية ذات الخصوصية التاريخية والجغرافية والشعبية بأنه لاعلاقة لها بمصالح الشعوب الخليجية وأمنها واستقرارها، بل باختلاف في المواقف حول قضايا واقعة خارج دول مجلس التعاون.

هنا الفارق بين مَن يُدرك معنى الحقيقة والنفاذ إليها مباشرة مثل قطر وبين من يميلون إلى التضليل وتغييب الحقيقة، وهذا يعكس ثقة بالنفس وقوة المنطق والحجة في السياسة القطرية، بينما يعكس عند الآخرين محاولة إخفاء مالا يمكن إخفاؤه من عيوب سياسية ودبلوماسية.

نعم، جوهر سحب السفراء هو قضايا خارجية وليس أمن واستقرار دول الخليج ولا التدخل في شؤونه الداخلية ولا غير ذلك من التقارير الملفقة التي بثتها فضائيات عربية تتبع المحور الثلاثي لأن التدخل لا يحدث ولأن هناك حرصًا أكيدًا على الأمن والاستقرار في تلك المنطقة التي تتهددها العواصف، فلا يُعقل أن تلعب أي دولة لإثارة القلاقل لأنها ستتضرر أيضًا بل قد تكون أول المتضرّرين.

وبالتحديد فإن القضايا المشار إليها هي مصر، بل هي القضية الوحيدة التي من أجلها اندفعت السعودية والبلدان الآخران لاتخاذ ذلك القرار الذي قد تندم عليه الدول الثلاث فيما بعد لأنها بذلك تضرب بمعول الهدم في جدار مجلس التعاون وهو التجربة العربية التكاملية الوحيدة التي أفلتت من التعثر وظلت قائمة منذ 33 عامًا على قدميها رغم موجات الاضطراب العاتية التي يشهدها الخليج والمنطقة العربية منذ تأسيس ذلك المجلس. والظروف الحالية ليست بأفضل من الماضي وهذا كان يتطلب من السعودية تحديدًا صاحبة السياسة المتأنية ألا تخرج عن طورها وتتصرف بتوتر وألا تكشف عن ضيق صدرها الشديد بالربيع العربي الذي تُشن عليه حربٌ ممنهجة ومدروسة وممولة جيدًا لإفشاله وإعادة بلدانه إلى ما كانت عليه قبل انفجار شراراته الأولى في تونس نهاية 2010، وإذا كانت تونس قد نجحت في الإفلات حتى الآن من إيقاف تطور مسارها الديمقراطي وحدوث انتكاسة تعيدها لعهد بن علي ولو بأدوات جديدة وشكل ديمقراطي مزيف فإن مصر البلد الأكبر عربيًّا وصاحبة الثورة الأهم وماكينة التأثير الواسع في المنطقة كلها تواجه تلك الانتكاسة بعد إيقاف مسارها الديمقراطي والبدء بمسار جديد بلا ملامح حتى اليوم لأنه يتحرك في مناخ وساحات صراع ودماء وكراهية وانقسام غير مسبوق في تاريخ مصر، والأخطر هو استعادة أجواء الاستبداد وغياب الحريات وانتهاكات حقوق الإنسان فيما يعني دهس كل شعارات وقيم ثورة 25 يناير، وكذلك ما تم رفعه من شعارات في 30 يونيو. هذا المسار جاء ليصحِّحَ المسار السابق عليه فإذ به يقع في أخطاء أكبر وأشد مما كانت.

القضية بوضوح أن هناك دولًا خليجية وهي تلك التي سحبت السفراء لها موقف مضاد للربيع العربي، وتصاعد هذا الموقف بعد وصول الإخوان للسلطة في مصر عبر الآليات الديمقراطية المعترف بها عالميًّا، وهناك دول أخرى مثل قطر لها موقف شجاع وجريء في دعم الربيع العربي ولها منطق سياسي حكيم هو أنها تحترم خيارات الشعوب ولذلك تساند الربيع العربي بغض النظر عن الحزب الذي يحكم لأنها تدعم الشعوب بالأساس وليس الأنظمة الحاكمة، وتجربتها في مصر واضحة الدلالة فهي دعّمََت الشعب عبر فترات الحكم الثلاث: المجلس العسكري ومرسي وما بعد عزل مرسي.

الفارق بين الموقف الثلاثي أنه يدعم فريقًا من الشعب المصري دون النظر لمطالب فريق آخر، أما قطر فهي لا تنحاز لفريق دون الآخر، ودعمها موجه للشعب كله.

لا انتقائية لدى قطر، بينما الآخرون انتقائيون.

قطر واضحة في مواقفها وتوجهاتها ولذلك من مفارقات القدر أن يأتي بيان الحكومة المصرية بعد اجتماعها صباح الخميس الماضي بخصوص سحب سفراء دول الخليج الثلاثة وكشفها عن إبقاء سفيرها بالقاهرة ليؤكد تمامًا حقيقة ما ذهب إليه بيان الحكومة القطرية بأن سحب السفراء أساسه مصر، وليس قضايا خليجية داخلية. النظام في مصر أكد من حيث يدري أو لا يدري مصداقية الرؤية القطرية ودحض بيان حلفائه.

الأحق أحق أن يُتَّبَع، وسياسة اللفّ والدوران لم تَعُد ذات جدوى في عالم اليوم.

[email protected]

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق