كتاب الراية

لقطات

رايزيروك:

تتداول الذاكرة الجمعية لأهل بلجيكا حكاية مبنى البلدية، و هو معلم وطني شهير له برج شامخ. إذ يحكى أن المهندس “يان فان رايزيروك” تولى بناء دار البلدية، وقضى أكثر من أربعين عاماً في تشييد المبنى (1402-1448)، ولكنه حين أتم البناء وجد أن البرج لم يكن يتوسط المبنى تماما، وبدا واضحاً الفارق الكبير في المساحة بين يمين ويسار البرج، ما دفع المهندس البلجيكي لصعود المبنى وإلقاء نفسه من الأعلى، تأنيباً وحزناً على الخطأ الهندسي الذي وقع فيه. ويشاع أن المدينة ثبتت التمثال الموجود أعلى البرج فيما بعد تكريماً للمهندس “رايزيروك” على إبداعه.

وفي تاريخنا العربي يحكى أن النعمان ملك الحيرة أراد بناء قصر ليس له مثيل يتفاخر به على العرب والفرس، وقيل أنه كلف مهندساً رومياً مبدعاً يدعى “سنمار”، الذي قضى عشرين عاماً في تشييد القصر الأعجوبة الذي سمي “الخورنق”، وتناقلت السيّر حواراً حدث بين النعمان خلال معاينته البناء، مع سنمار الذي قال بأنه يعلم موضع “آجرة” لبنة لو زالت لانهار القصر. وأضاف: أما والله لو شئت حين بنيته جعلته يدور مع الشمس حيث دارت. فسأل النعمان: أيعلم أحد موضع الآجرة غيرك؟ وعندما نفى سنمار ذلك، لم يكن من النعمان إلا أن أمر به فألقي من أعلى القصر، ودرجت الألسن على قول: “جزاء سنمار” كناية عن رد المعروف بالإساءة.

-الحالة الأولى في الغرب، أقدم “زايزيروك” المشهود بعبقريته وإبداعه على الانتحار عقاباً لنفسه، على خطأ لم يلمه عليه أحد، وعقاباً لذاته كتأكيد على إخلاصه والتزامه الأخلاقي والإبداعي.

-الحالة الثانية في الشرق، حيث كان “سنمار” يبحث عن كلمات تشيد بإبداعه وتقرّ عبقريته غير المقدرة، وكان لا يبحث إلا عن الإعجاب والثناء، فقتل شر قتله. !!!

 

تأنيب:

انقضى يوم شاق من العمل المتواصل، بدأ الموظف بجمع متعلقاته استعداداً لمغادرة المكتب، وعندما ثبت المفتاح ليغلق الباب ارتفع رنين الهاتف. كان موعد عمله انقضى منذ نصف ساعة، لكن جالت في مخيلته شتى الأفكار، أهمها فرضية أن تكون المكالمة محاولة أخيرة من المتصل لإيجاد حل لمشكلته.

ترك المفتاح معلقاً في باب المكتب، وضع متعلقاته على طرف المكتب وتناول السماعة. كان المتصل مستاءً وحانقاً إلى أبعد الحدود، لم يمهله فرصة لاستيعاب ما يجري. فاجأه بوابل من التقريع واللوم والطعن بنزاهة المؤسسة التي يعمل بها، والتشكيك في شخصه ونواياه.

لم يحاول شرح موقفه وتبرير عمله، حاول في مرّات سابقة بلا جدوى، قرر ترك المتصل يطلق شحنة انفعاله المحموم، ليتمكن من إنهاء المكالمة والانصراف. كان الحديث قريب الشبه بمزارع يوبخ طبيباً ويملي عليه واجباته والتزاماته. أو تماماً مثل أعمى يفسر عناصر لوحة فنيّة للمبصرين.

قضى نصف ساعة أخرى رافعاً السماعة، وفي ذات الوقت سارح الفكر محتاراً بين تأنيب الجهل لدى بعض البشر، وبين التماس العذر لقلة وعيهم، فهم لا يطلعون على النوايا، ويحكمون بما يبدو ظاهراً. بعد أن أفرغ المتحدث ما تراكم في قلبه، أنهى المكالمة.

سارع الموظف للمغادرة، أدرك أثناء طريقه للمنزل أن الإخلاص والعطاء الصادق لا يقابل دائماً بالتقدير، ربما يقابل العمل العظيم بالتقليل من شأنه، أو التشكيك في قيمته، لكنها سنّة “البشر”، وإن هو استسلم لمعطيات الواقع تلك، وتبعته القلة الباقية، لن يبصر العالم الإبداع، وسيحيط الدنيا غمام الجهل والقسوة وغياب العدل، أضعافاً أكثر مما اعتاد عليه الواقع. أن تتمسك بخيط رفيع من شمس تحجبها غيوم مؤقتة، خير من التسليم بحياة أبدية في الظلمات. !!!

 

شذى:

في زمن الّلا حب، تنقلب الأوضاع، تتناقض المواقف وردود الأفعال، تتشح القلوب بالسواد. العطاء المتواصل يقابل بالنكران، الحب المتأجج، يقابله بغض،هجر، خذلان. يصير العشق بلا معنى.

في زمن الّلا حب، تحكي العينان ما لا تنطقه الشفتان، وتتلفظ الشفتان بما لا يحكيه القلب، ويشي القلب بما يتعارض ورأي العقل، ويقر العقل ما لا ترضى عنه الروح.

في زمن الّلا حب، تجف الحقول، تنحني الورود متيبسة الأطرف، متفحمة الخدود، وبرغم النار والجراح، تواصل العطاء وبث الأريج، بما تبقى لها من أنفاس.

شذاها ينتشر رغم الحريق، رغم الوهن، تصلّي من أجلها الطيور، وتخرج الأشجار في مسيرة احتجاج، تهرع قطرات الندى، لمواساة الورود، لتضميد آثار الحريق، يمنحها الندى قبلة تعيد لروحها الإخضرار.

تظل الغابة محتارة، من قسوة العالم، غياب الإنسانية، وفي ذات الوقت تشعرها الرحمة بالسكون، بالثناء على الخالق. العالم ليس أنانياً بالكامل، يكفي العالم وردة، نموذجاً للعطاء، رمزاً للوفاء. !!!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X