كتاب الراية

لقطات

مباراة:

جمعت بينهما صداقة فريدة، فاقت روابط الدم من حيث المتانة والرسوخ. ولولا المسؤوليات المتعددة لكل منهما، لما افترقا أبداً. كانت فعاليات كأس العالم تمثل فرصة مثالية، ليقضيا وقتاً أطول سوياً، وعلى مدى أيام، احتدمت أحداث المونديال، انهارت توقعات كثيرة، وتفجرت مفاجآت لم تكن في الحسبان.

    في ليلة حاسمة، جرت مواجهة بين فريقيهما المفضلين، نتيجتها تجبر الخاسر على مغادرة البطولة، بينما تضمن للفائز الصعود للمرحلة قبل النهائية. طغت على أحداث المباراة سرعة التحولات، هجوم، دفاع، فرص ضائعة، بطاقات ملوّنة، أهداف.

مع كل تحول جديد، تشتعل المدرجات بهتافات وصيحات الجماهير الحماسية، ويشتعل بينهما جدل حاد، حول التحكيم، والمهارات، ونظافة اللعب، تطوّر جدلهما بسرعة إلى ملاسنة، كاد الخلاف يصل إلى تبادل اللكمات، لولا أن ضربة جزاء أوقفت جنونهما المؤقت. عصبية غبية هشمت عقوداً من الودّ المتبادل. واصل كلاهما متابعة أحداث المونديال، لكن لم يحاول أيّ منهما التواصل مع الآخر بعد تلك الليلة. !!!

 

قبلة:

    ترك العكاز بجانبه، وبدأ يقترب منها بهدوء. أحست بدفء جسده يلامس كتفها الضئيل، عدلت من جلستها، واصلت متابعة التلفاز.

تسارعت أنفاسه، وضع كفاً مرتعشة على يدها المتجمدة، وعندما مد فاه ناحيتها، قفزت بخفة وانتقلت للجلوس على كرسي بعيد.

صحيح أننا لم نتبادل قبلة منذ زمن بعيد، لكنها تعوّدت ادعاء التمنع وتصنع الدلال. حدثته نفسه بذلك، طغى عليه بعدها شوق عظيم، أجج حماسه فنهض بلا عكاز.

استعار لسان الفلسفة، وقال بيقين الحكماء: مهما تقدمت السن بالأنثى، فإنها تبقى طفلة تميل للشقاوة واللعب. عندما تقدم نحوها، نهضت وعادت إلى حيث الأريكة.

بعد مطاردات «بطيئة» متتالية، جلس قريباً منها يلتقط أنفاسه المتلاحقة، وبسرعة عجيبة أمسك يدها لمنعها من الفرار، حاول طبع قبلته على خدها، لكنها أدارت وجهها بعيداً، وظلت قبلاته تضيع بين الوسادة والأريكة.

سخر من صبيانيته. أرخى قبضة نافرة العروق عن يدها. وضعت يدها فوق يده المنهكة، وبعد أن هدأ قليلاً بدأت تميل ناحيته، لم يتحرك، قربت وجهها أكثر، وضعت شفتيها قريباً من أذنه السليمة، وهمست بهدوء المحبين: آسفة، رائحة فمك. !!!

حريّة:

نقضي حياتنا في الشراء، كثيرة هي الأشياء التي نسعى للحصول عليها دون حاجة حقيقية، كم جمعنا أغراضاً. وبمرور الأيام نمتلك المزيد، نكدس أكوام المقتنيات، ونرسم على وجوهنا ابتسامات تافهة بلهاء، في كل مرّة تراها، ذلك مرده «وهم» يفيد بأن زيادة ملكيتنا، تدلل على زيادة شعورنا بالحريّة، ولأننا ننظر للحياة برؤوس مقلوبة، نتوهم أننا على مايرام.

نشوة الامتلاك المحمومة، تمنعنا من إدراك حقيقة كوننا لا نملك إلا ما نهب، وأن الأشياء التي نظن أننا ملكناها، هي التي امتلكتنا لتسيطر علينا تدريجياً، تقلّص مساحة حريتنا، وتتركنا أذلاء، خاضعين لإرادتها. !!!

 

شموع:

تبدد الظلمات. تصر على مقاومة السواد الذي يطوّق العالم، تحترق، تذوب، تتألم، لا تعرف اليأس. تناضل بكل همّة للبقاء مشتعلة.

يحيط بنا كثير ممن يملكون المبدأ ذاته، يدركون أنهم يتألمون، يحترقون، تذوب أرواحهم، دون أن يشعر بهم أحد، لكنهم لا يتنازلون عن إيمانهم، ويصرّون على إبقاء الطريق مضاءة للعابرين. !!!

 

إجازة:

كلما اقتربت ساعة السفر زادت سعادته أكثر، كان متفائلاً بالانتقال المؤقت لعالم آخر، ليضمن بقاء خلافاتهما المتراكمة قابعة في زوايا البيت. جانب من تفاؤله يعود لظنه باستعادة جذوة حبهما القديمة، التي أصابتها عواصف خلافاتهما بالفتور.

وضع في حقيبة اليد، شفرات حلاقة، كتباً منتقاة، أدوية شائعة الاستخدام. تذكرت شيئاً قبل مغادرتهما بقليل، عادت مسرعة إلى غرفتها، تناولت حقيبة إضافية صغيرة، ووضعت فيها كل الخلافات والمشاكل التي يحاولان الهرب منها. !!!

(شكراً لمتابعينا الأعزاء، ونتمنى معاودة اللقاء)

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X