كتاب الراية

قطريات .. المفتي والفتوى.. والرأي

في عالم متشابك من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدولية وكثير من المستجدات التقنية والتكنولوجية، وفي ظل المؤسسات والمنظمات المتخصصة الرسمية وغير الرسمية، لا يمكن اعتبار المفتي الفرد هو المرجع النهائي لكل ذلك، والذي له القول الفصل ولا ينعقد الرأي إلا له وحده، وعندما أقصد المفتي أقصد العالم المجتهد في الفتوى في ظل الحوادث والقضايا المستجدة، وليس خطباء الجمع الذين كثير منهم غير مؤهل للخوض في كثير من هذه القضايا ويخلط على الناس بإدخال آرائه الشخصية والحزبية الضيقة ونوازعه الغريزية بإظهارها وكأنها من الدين المقدّس الذي لا يمس.

فكثير من المصالح والقضايا لا يحكمها نص من الكتاب والسنة ويتعامل معها وفق المقاصد العامة للشريعة الإسلامية والمصالح والمفاسد وهذا يشترك فيه عموم الناس في التقرير بمدى نفع هذا الأمر أو فساده، والمفتي هنا الفرد مثل عموم الناس يشترك مع غيره في المجتمع في الرؤية الجماعية. وهذا لا يعني عدم قيام المفتي بدوره الشرعي في الفتيا الشرعية المنضبطة، فهو هنا يفتي بعدم تعارض هذا الأمر مع نص قطعي أو نهي شرعي مع الأخذ في الاعتبار الظروف والملابسات المحيطة بتلك القضايا وضرورات العمل، والتي قد تكون خافية عليه، سواء كان على المستوى الفردي أو المؤسساتي الرسمي وغير الرسمي، واحترام التخصصات والمسؤوليات، فلا يستطيع المفتي الفرد وحده التصدي لتلك القضايا أو حسم هذا الأمر، فالجميع يجب أن يشترك في هذه القضايا بحسب نطاقها ومجالها الوظيفي والتخصصي، والقائمون على هذا الأمر من موظفين ومسؤولين الذين على اتصال مباشر مع هذه القضايا والحوادث، فليست جميعها من المناسب إطلاع العامة عليها، وهذا أيضًا يدعم جانب الديمقراطية في المجتمع وحريّة التعبير والتفكير، فلا ديمقراطية دون مشاركة الناس في قضاياهم، وإلا بذلك نمنع الناس من التفكير الحر، وقصرها على فئة محدّدة فهذا جمود، كما أنه لا يجب ترهيب الناس لمجرد أن أدلوا بآرائهم في مسائل فقهية حديثة أو قديمة، وإن كانت فيها بعض التجاوزات، فالمجتمع هنا يناقش بعضه بعضا ويرد بعضه على بعض، دون عصمة لقول أحد، وإن كانت اعتبارات الناس وصفاتهم محل نظر عند عموم الناس، فهم سيقدّرون وحدهم ممن يأخذون أو يتركون. لا يمكن منع المتخصصين في كل فن ومجال من التفكير وإبداء الرأي في قضايا المجتمع أو في المجال الذي يعمل فيه، بما فيها المسائل الفقهية والقضايا الشرعية، ليس من باب الفتيا الشرعية، وإنما من باب الرأي والتفكير الحر، والتي قد تخدم المفتي وتبيّن له أبعاد تلك القضايا. فهناك الكثير من مسائل الفقه التي انعقد الرأي فيها أو الفتوى وفق ظروف وملابسات ذلك التاريخ حيث أغلب هذه المسائل من المتغيّرات، والتي يدخل فيها المزاج العام أو الشخصي، وهذا جائز لأن المجتمع هنا يصبغ قضاياه بما وصل إليه من قواعد سلوكية وعادات وتقاليد بقضاياه المرحلية، والتي رضي أن يعيش بها وفق اعتقاده الديني، واختياره ذلك، في إطار كليات الدين وأصوله. ولا يعتبر هذا الوصول هو الدين نفسه ولا هي الغاية النهاية التي لا تحتاج إلى تجديد ومراجعة فالإنسان طبع عوائده متغيرة سواء للأحسن أو الأسوأ، فوصوله غير مقدّس في حين أن النص هو المقدّس، وإن اعتبر المجتمع وصوله لا يمس وهذا ليس من باب التقديس، وإنما من باب العوائد والألفة، وقد يعتبر بعض العامة هذه العوائد مقدّسة لما تقع فيه من خلط بين النص المقدّس والعوائد.

سمعت ابن عثيمين في أحد دروسه أمام تلاميذه في مسألة عرضها عليهم وتوقفت كثيرًا أمام موقف الشيخ إعجابًا وتقديرًا في تواضع الشيخ وأستاذيته،عندما عرض عليهم مسألة دخول الجيش مع اشتراط حلق اللحية، حيث بعض الدول يشترط ذلك، بعدما فصل المسألة، بوجوب إعفاء اللحية، قال: هل نقول للذي يريد أن يتمسّك بالسنة ويعفي لحيته يدخل الجيش، ويحلقها، أم لا يدخل الجيش..، قال لتلاميذه أعينوني نحن في حيرة ما هو الأفضل والمصلحة، إذا قلنا بعدم الدخول تركنا الجيش لدخول غير الملتزم دينيًا، ونفوت بذلك مصلحة دنيوية، وقد تكون دينية أيضًا وأكبر من مجرد حلق اللحية. هنا الشيخ لم ينفرد وحده بإعطاء الرأي أو الفتوى النهائية بل طلب مشاركة تلاميذه في ذلك..، لما للقضية من أبعاد أخرى تهم عموم المجتمع وليس شخص المفتي. كما أن الشيخ لم يهاجم أحدًا لا أفرادًا ولا دولاً ولا مؤسسات فليست هي الموضوع، فهو قصر الفتوى على المسألة المعروضة. ولو كان خطيبًا حزبيًا أو سياسيًا لاستغل الموقف وحوله إلى دعاية حزبية تتستر بالدين. وليس القصد من عرض المسألة حلق اللحية بقدر معرفة منهج الشيخ في الفتوى.

ونريد أن نخرج من مقولة “ضعها في رقبة عالم واخرج سالم” والتي تعني إلغاء العقل والتفكير، وفي نفس الوقت، كأن المفتي بذلك يعطي نفسه حصانة من المساءلة القانونية ويأخذها من المجتمع، ولأسباب سياسية أو حزبية وبذريعة تلك العبارة قد تصدر فتاوى القتل ويهرب المفتي منها. وأصحاب هذا النوع من الفتاوى يجد لنفسه مبررًا فلا يعدمه، رغم أنها فردية وقاصرة على صاحبها الذي لا ينزل عليه الوحي ولا يملك سلطة لا عامة ولا خاصة. في حين أن هذه المسألة من اختصاص الحاكم ولي الأمر صاحب السلطة الذي يقدّر الظروف السياسية والدولية وتشتغل معه جميع الأجهزة. والحاكم قد يعطي أمرًا للأجهزة، ومن ضمن هذه الأجهزة مؤسسة الفتوى الرسمية التي تشترك بالرأي الشرعي، بتصفية بعض الأشخاص إذا كان يواجه عدوًا خارجيًا، ولكن ذلك في إطار العمل السري غير المعلن ووفق ضرورات العمل السياسي الذي تقدّره تلك الأجهزة.

 

[email protected]

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق