كتاب الراية

قطريات .. حكايات في الإدارة ( 4 )

حضر إلى مكتبي مُدير الإدارة بشأن موضوع التقييمات السنويّة التي تجرى عادة للموظفين كلّ سنة. والمُدير هو من النوع الهادي المُسالم واسع الصدر لايميل إلى المُواجهة والحسم، بارد الأعصاب بشكل يحسد عليه. وهو يغلّب العلاقات الشخصيّة والاجتماعيّة على العمل، وهي ظاهرة فيه بشكل حادّ، مما أثر على الجودة والإتقان في العمل. وإدارته قائمة على إرضاء الجميع، وكلما تعرّض إلى ضغوط إنسانيّة. وهو يميل إلى منح الجميع درجة الامتياز، وكان حضوره بسبب ذلك، حيث كنت من الذين يقيّمون على أساس العمل والإنجاز الفعلي، لذا المعيار عندي هو التقييم الموضوعي، ولم يكن هذا المعيار واردًا عند الإدارة قبل ذلك، لم يطرق أسماعهم، وكان جميع الموظفين يعتقدون أنه من حقّهم الحصول على تقييم امتياز، الذي يعمل والذي لايعمل، الذي ينجز والذي لا ينجز، الجميع سواء، الجميع في سلّة واحدة. وكان يخشى أن أقيّم أقلّ من درجة امتياز، مع أنني لا أنزل كثيرًا عن جيد جدًا، إلا نادرًا، ومع عدد قليل، الذين هم تحت إشرافي. ولو طبقنا المعيار الموضوعي على الكثيرين لما حصل على امتياز إلا القلة القليلة، ولكن الإدارة لها وجهة نظر مُختلفة وسياسة مُغايرة.

وعندما طبّقت هذا المعيار كانت هناك ضغوط تُمارس عليّ لكي أتراجع عنه إلى الوضع السابق، امتياز للجميع، وكنت أرى أن ذلك يظلم الموظف نفسه قبل الإدارة والعمل، لأنه لن يعرف مستواه الفعلي إذا رأى نفسه يحصل على امتياز، فلماذا يطوّر من نفسه..، المهمّ، قلت له سأقيّم موضوعيًا وسنطلب من رؤساء الأقسام تقييمات موضوعية حتى لا يظلم الجميع..، سألني ماذا يعني موضوعيًا..؟، بمعنى الأداء الفعلي للموظف قلت ذلك، وهنا تغيّرت ملامح وجهه قليلاً علامة على عدم القبول قائلاً: ” خله تقييم نصف موضوعي” استغربت (!) من التوجيه ومن التعبير هنا سكت اضطرارًا ورفعًا للحرج. وبعد ذلك أخذت أسأل نفسي كيف نصف موضوعي ؟، هل من الممكن تقسيمه، إذا لم يكن موضوعيًا فهو شيء آخر. وبعض الذين يحصلون على تقييمات أقلّ يستحقونها يرفعون تظلمًا إلى الوزير يقبلها ويرفعها إلى امتياز.

تمّ تقييم موظف على درجة جيد، فذهب إلى المدير يشتكي وبعد ذلك طلب المدير إعادة التقييمات، وبشكل غير مباشر طلب المدير رفعه إلى درجة امتياز، فأصررت على التقييم السابق، فالموظف لم يكن بالفاعلية ولا الحماسة المطلوبة في أي شيء. وهذه مشكلة حقيقية لدى الإدارة فهي لاترى التقييم تعبيرًا حقيقيًا عن أداء الموظف. والإدارة كانت ضعيفة جدًا أمام العلاقات الشخصية والضغوط الإنسانيّة، هذا غير فكرها وثقافتها كانت بسيطة جدًا، لا تتعدى ثقافة مجالس أهل قطر، والتي تبنى على الودّ والإخوة والزيارات وانعكاس ذلك على العمل في الغالب.

وهناك ثقافة “وش بتخسر” وتعني أنك إذا لم تخسر شيئًا أو لم تدفع شيئًا فلماذا التشدد، وكأن الإنسان كائن مادي فقط يحسبها بالربح والخسارة المادية بصرف النظر عن المسؤولية والأمانة والالتزام المعنوي والأدبي والقانوني أيضًا، فلماذا نستبعده إذا كان المقيم صادقًا في عمله.بعدما قيمت موظفًا آخر وهو من الموظفين الجيدين الواعدين على المستوى الشخصي والمهني، وكنت مهتمًا به، فتم تقييمه بتقديرجيد جدًا، لكي يتحفز أكثر، خاصة أنه في بداية الحياة الوظيفية، ولكي لا يركن إلى الامتياز، جاءني بعد ذلك بهدوء، وقال لماذا لم تمنحني امتيازًا “وش بتخسر” الحكومة هي التي بتتحمل أية التزامات. اضطرني هذا الكلام إلى أن أشرح له سياستي، فليس الأمر كذلك إطلاقًا، وتفهم دون اقتناع. وأعلم أن الكثيرين لا يفهمون ذلك فمازالت ثقافة “وش بتخسر” سارية. وفي نفس السياق هناك من قالت لي: “حسبي الله ونعم الوكيل” لأنني قيمتها جيد جدًا، رغم أنه تقدير مرتفع. وبعد أسبوع حصلت على ترقية. فليست كل دعوة مستجابة، ولو المولى استجاب لكثير من الدعوات لأفنى الناس بعضهم بعضًا، فالداعي قد يكون ظالمًا وهو لا يعلم أو على خطأ أو ما حصل عليه هو ما يستحقّه.

أمام ثقافة سائدة مدعومة من قمة الهرم الوظيفي، لا تستطيع كفرد أن تعمل شيئًا مع قلة الصلاحيات والاختصاصات.

وفي تقييم آخر اعترضت موظفتان على منحهما درجة جيد جدًا..، على أساس أن كثيرًا من الموظفين في الأقسام الأخرى حصلوا على تقييمات أكبر، وهم أقل في الأداء. وفي هذا معهما حقّ، ولكنني مسؤول عن عملي ولا أسأل عن أعمال الآخرين. وأعلم أنكما من الموظفين الأكْفاء ولكن لي طريقتي في التقييم، وأخذتا تبكيان. وفي السنة التالية منحتهما امتيازًا مع التوصية بالرعاية لكفاءتهما.

سياستي تلك ضرتني فيما بعد إلى حد كبير، يمكن لو كنت علمت ذلك ما كنت فعلتها، لأنه بعد ذلك، وبعد اكتساب مزيد من الخبرة في طريقة فهم عقل الإدارة وثقافتها بما فيها الإدارة العليا على مستوى قمة الهرم رجعت إلى طريقتهم، ووجدتها أسهل بالنسبة لشخصي، ولكنها ليست في صالح العمل وتطويره. وبعد ذلك تبين لي من التجربة أن هناك تقييمًا خاصًا للموظف القطري حسب قدراته ومهاراته، وليس على عناصر التقييم الحقيقية الموجودة في نموذج التقييم، وعندما توصلت لهذا أصبح لدي شيء من الرضا الداخلي، حيث لو طبقنا عناصر التقييم الحقيقية مع الأداء الفعلي لما وجدنا إلا نفرًا قليلاً من الذين يستحقون درجة امتياز، وأعتقد أن أغلبهم سيكون بين جيد ومقبول وضعيف ولا يصلح للعمل، وهذه نتائج لا تتحملها الإدارة، ولا الوزارة، ويمكن ولا الحكومة نفسها. لذا، كان التركيز على العناصر السهلة من حضور وانصراف ومواظبة على حضور الاجتماعات، والقيام بالأعمال بالشكل الاعتيادي، بصرف النظر عن النتائج والجودة والإتقان والمهارات الفنية اللازمة لكل عمل بحسب طبيعته، وهذا على أمل أن يتحسن بعد ذلك الأداء من خلال التركيز على العناصر الجيدة وإبرازها. ولكن في ظل الإدارة الحالية كنت أعلم أنه لا يمكن الوصول إلى ذلك، لأنها تميل إلى الحفاظ على الود الشخصي ورضا الجميع أكثر من العمل، وإن كان الاهتمام بالموظف مهمًا جدًا، خاصة ذوي الكفاءة والفاعلية، والاحتفاظ بعلاقات جيدة مع الموظفين مطلوب، إلا أنه لا يكون الميل واضحًا بهذا الشكل، بإلغاء صفة العمل من الأداء. والسير على رجل واحدة قد تصلح لألعاب السرك، ولكنها لاتؤهلك للدخول إلى مسابقة جميع المتسابقين فيها على رجلين.

أصدرت الحكومة تعديلاً على التقييمات بحيث لا يحصل على درجة امتياز إلا بنسبة معينة من المجموع العام من الموظفين، وعلى ما يبدو لاحظت الحكومة مبالغة الإدارات المختلفة وإفراطها في منح درجة امتياز للجميع، الأمر الذي استدعى منها التدخل لضبط هذه النسب، إلا أن الذي حصل بعد ذلك ضغط من قبل الموظفين على الحكومة تناولته الصحف، الأمر الذي جعلها تتراجع عن هذا التعديل والرجوع إلى النظام القديم دون نسب.

 

[email protected]

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق