كتاب الراية

قطريات .. حكايات في الإدارة (5)

من الملاحظ على خريجي الجامعات ممن درسوا من المرحلة الابتدائية إلى الجامعة باللغة العربية، أن لديهم ضعفا كبيرا في اللغة العربية وانعكاس ذلك على العمل بعد ذلك. ونحن هنا نتحدث عن من كانت دراستهم جميع مراحلها باللغة العربية ولا نتحدث عن جيل المدارس المستقلة والخاصة، والتي ضاعت فيها اللغة العربية حيث أصبح الطالب ينجح في اللغة الأجنبية ويرسب في اللغة العربية. كما أجد بعض قيادات الدولة عندما تتحدث باللغة الإنجليزية في مناسبات عامة تجدها أكثر ثقة وتمكنا، وإذا تحدث بالعربية يكثر اللحن، وتظهر عليه علامات الارتباك. وأعلم أن هذا ترف لا نطالب به، فليس هذا بزمن عبدالملك بن مروان عندما قيل له: لماذا أسرع الشيب إلى رأسك قال: صعود المنابر وخشية اللحن.

عندما كان يتقدم مرشح لإجراء مقابلة قبل التعيين كنت حريصا على سؤاله في اللغة العربية، في قواعدها البسيطة، قبل سؤاله في تخصصه، وكنت أفتح نقاشا في المفاعيل والأسماء وكان وأخواتها، فكانت النتائج سلبية جدا. وذلك بسبب أنني لاحظت أن هناك ضعفا شديدا لدى الموظفين في الكتابة وفي جميع مستوياتها، وخاصة عندما تكون اللغة والكتابة هي مجال العمل والتخصص، فالباحث الموظف دوره في القيام بالبحث والرصد والكشف في المراجع المختلفة، وبعد ذلك يقوم بصياغة ما توصل إليه بأسلوبه الخاص، وهذا يتطلب منه أن يكون ملما باللغة العربية البسيطة وقواعدها والقدرة على الرجوع للمراجع السهلة المتوفرة للمساعدة في ذلك، فحتى القراءة من المراجع فيها ضعف شديد وعدم استيعاب. ونحن هنا لا نطلب أن يكون الأصمعي أو الجاحظ أو التنطع في اللغة، فالمطلوب القدرة على كتابة مذكرة سليمة في أساسها وبنيتها والربط بين أجزائها بصرف النظر عن ضعف الأفكار فيها أو المنطق أو سذاجتها، فهذه مرحلة أخرى وجانب آخر من العمل التخصصي. وهذا الضعف مستمر حتى بعد مرور سنوات عديدة في العمل يمارسه وفق تخصصه، دون تطوير لتلك المهارات اللازمة والضرورية، وهذا يجرنا إلى ما سبق أن ذكرناه في حكاية سابقة: من أنه، على الرغم من هذا الضعف تجد عددا كبيرا ممن يحصل على تقدير امتياز، وذلك لأن الإدارة لا تركز على الجودة والإتقان، وهذا يستتبع تجاهل بعض الكفاءات والخبرات والتي هي قليلة بالأصل، مع قصور في الرؤية والهدف والرسالة، فهما أمران متلازمان. كما أنها تركز على الحضور والالتزام بالدوام دون الإنتاج والإتقان والمهارات الفنية المطلوبة، وحتى الالتزام بالدوام لم يضبط لعدد كبير من الموظفين، خاصة العنصر النسائي المشغول بكثير من الأمور العائلية، وبعض الموظفين المشغولين بالتجارة وبأمور أخرى.وهذا لا يساعد على التقطير الفعلي فليس التقطير في الشكل دون المضمون، فمن يتولى المناصب القيادية المتوسطة ودون ذلك لا يستطيع القيام بأمورها وشؤونها سوى تسيير دولاب العمل اليومي بشكل روتيني.

كنت أتحدث مع مجموعة من الموظفين عن ضرورة الاهتمام باللغة العربية وتطوير أنفسهم فيها، بمن فيهم السكرتارية، فهناك الكثير من الأخطاء الإملائية غير المقبولة، وفي الإنشاء والتعبير، لأنه لا يمكن الارتقاء بالعمل وتطويره، دون توفر بعض الأساسيات الضرورية، وهذا الخطأ الجوهري الذي تقع فيه الإدارة، وكثير من الإدارات من حيث تطلب التطوير والارتقاء وتجاهل الأساسيات التي يجب أن تكون متوفرة من البداية، وسبق وأن تناقشنا في هذا الأمر، إلا أن المشكلة الحساسة جدا أنك ترى أن التغيير يجب أن يكون في مفاصل العمل وفي القيادة نفسها الجامدة والتي لا تحرك ساكنا، وهذا لا تستطيع أن تثيره.

واللغة هي الوعاء الحضاري لأي أمة بها تحيى وبها تموت، والملاحظ أن الضعف في اللغة الأم يجر معه ضعفا عاما في بقية العلوم وفي عدم استيعاب ما يقرأ، وبالتالي صعوبة التطوير والتعليم في أي مجال بعد ذلك والتواصل مع الغير. أذكر في إحدى الدورات وكان المحاضر يقدم محاضرته باللغة الفرنسية، وهناك مترجم فوري، فطرح زميل سؤال باللهجة العامية المحلية مع ضعف فيها أيضا، هناك أيضا فصاحة عامية إذا ضبطت. عرفت أن المترجم سيحرج فيها.. فطلب التوضيح إلا أن السائل عجز عن التوضيح، فبادرت بطرح السؤال بصيغة أخرى، فقال نعم هذا هو السؤال. وفي إحدى الدورات الخارجية والمشارك فيها عدد من الدول العربية تقدم ممثل المغرب بمداخلة باللهجة المغربية وكان لحسن حظه المترجم من نفس البلد، فترجم لنا إجابة المحاضر، ولكن كثيرا منا لم يفهم السؤال..، قلت له: ما هو السؤال؟ نريد ترجمة للسؤال (ضحك الجميع). مع تقبل ممثل المغرب واعتبرها دعابة..، حمدا لله..، حيث واجهت بعضهم في مناسبات، وجدت لديه حساسية إذا ذكرت له ذلك ويجعل الموقف متوترا.

وفي مناسبة أخرى كانت هناك مقابلة مع مرشح لوظيفة باحث، كُتبت في سيرته أنه يجيد اللغة الإنجليزية كتابة ويتحدث بها في المستوى العادي.. وأضاف أنه يتحدث لغته الأم بطبيعة الحال دون تفصيل..، قلت له: أنت تتحدث لغتك الأم.. (ابتسم، وانفرج ثغرة) وقع السؤال عليه كان مفاجئا ومستنكرا.وبدأت بسؤاله عنها، وكانت النتيجة سلبية في القواعد البسيطة. أعلم أنه لو تم التركيز عليها سيتمكنون منها في فترة معقولة، إلا أنها بعيدة عن الذهن تماما، ولا يوجد من يوجههم إلى ذلك، فالإدارة مشغولة بالحضور والانصراف وبعض الشكليات. هناك بعض الأعمال التي لا يقبل فيها أن يكون الضعف في اللغة الأم إلى هذا المستوى فطبيعتها مرتبطة بها ومتصلة اتصالا وثيقا، والضعف فيها ينعكس على بقية أجزاء العمل. قلت له بعد الانتهاء من المقابلة: كثيرا منا عنده بعض نواقص في لغتنا الأم، وهذا أمر طبيعي، كموظفين حتى الخبرات منا، وبالإمكان معالجتها إلا أنه من غير المقبول الضعف الحاد فيها، والانهيار عند البعض الآخر.

 

[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق