كتاب الراية

قطريات.. حكايات في الإدارة ( 6 )

ذات صباح في يوم من أيام الربيع، يصبح فيها الجـو رائعا، ومن مكتبي في منطقة الأبراج المطل على الخليج، يأتي صوت فيروز من خلال صوت إذاعة الريان عبر المذياع الصغير الموضوع على طرف المكتب. وسماع فيروز صباحا مختلف عن أي وقت من أوقات اليوم، كأنها تقول لنا صباح الخــير صباح النور والورد والياسمين. ويختلف الإحساس اذا كان الجـو غائما. وأثناء ذلك دخــل عليّ أحد الموظفين ممن أتجـاذب معهم طرف الحديث بين فترة وأخرى في موضوعات عامة، وهو من الموظفين الملتزمين ديانة،أطلق لحـيته وقصر ثوبه بحسب السنة، ونورالإيمان ظاهر على تقسيمات وجهه مع ابتسامة عريضة صافية. وهو يميل الى الوعظ والإرشاد وتوجيه النصائح. وأطلقت عليه الموظف الواعظ ، وهناك الموظف التاجـر، حيث أغلب وقته منصرف لتجارته من خلال مكتبه في العمل والذي يسير من خلاله نشاطه التجاري، والمراقب والمشاكس والعنيف والخامل والمستظــــرف وغيرهم ممن يوجب عليك العمل التعامل مع مختــلف النماذج الإنسانية.

عندما دخــل عليّ الموظف الواعظ، كان صوت المذياع مرتفعا قليلا، ويأتي من خلاله صوت كبار المطربين على إذاعة صوت الريان والتي لا تبث إلا لكبار المطربين وتحجب الابتذال والإسفاف. قال لي:الأغاني حـرام والعلماء أفتوا بذلك، وكان يريد أن يستخـرج من جواله نص الفتوى، قلت له: لحظة، تظن أنني لا أعلم ماذا قال العلماء في ذلك..، الموضوع طويل ويحتاج الى تفصيل فيه، ليس هذا وقته..، ولكن باختصار ليست كل الأغاني تدعو الى معصية أو فعل حـرام ،والأغاني العاطفية عندما أسمعها لا أفكر في فتاة جميلة أو تحـرك فيّ غرائز الشهوة فهو بحسب إناءك، قد تستدعي معاني جميلة سامية لا علاقة لها بالابتذال والإسفاف.

وتابعت ، قلت له : لي قصة مع الأغاني، ومستغرب منها..،منذ أكثر من عشر سنوات وقبل دخول رمضان بأيام ، حدثت نفسي وألزمتها بعدم سماع الأغاني طوال الشهر، حيث كنت متعود السماع في السيارة فقط، وقلت بدل ذلك أسمع القرآن، في ذهابي الى العمل والعودة منه. وفعلا التزمت بالوعد الذي قطعته على نفسي طوال الشهر. والمدهش في الأمر بعد ذلك، بعد انتهاء رمضان لم أتذكر الأغاني ولم أرجع لها، وليس ذلك بالضغط على النفس أو إجبارها، وإنما هي نفسها لم تشته ذلك،ووجدتها لا تستسيغ الأغاني وتنفر منها، ومن ذلك الوقت لم أذهب الى محـــل للكاسيت، ولم أشتر من يومها شريطا أو ألبوما غنائيا واحـدا، هجرت النفس الغناء من تلقاء نفسها. وبعد مرور سنوات خرجت إذاعة صوت الريان، حيث بدأت بقوة بوضع باقة من أجمل الأغاني لكبار المطربين العرب طوال اليوم..، ما جعلنا نستدعي الذكريات، وهيضتنا،وأيقظت فينا أشياء كنا قد نسيناها منذ زمن. لذا تجدني أفتح على إذاعة الريان بين فترة وأخرى وغالبا في المكتب حيث تنساب منه نغمات جميلة لا أستطيع أنكر أنها تحدث مشاعر جميلة في النفس .

قلت له: جميل الواحـد أن يكون ملتزما،ويفتش في ذاته ويراقبها ويضبط شهواتها، وهناك أمور كثيرة نحن عنها غافلون، وهي أيضا تعتبر من الدين، لكن لا أحد يسأل عنها – مثلا – حديث ” إن الله يحب اذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ” كيف لموظف يمارس عمله منذ سنوات لايعرف شيئا عنه ولا يهتم بما هو مسؤول عنه ، وتجـد من يتهرب من أي التزام وظيفي ، وهو يقوم بدور الوعظ والإرشاد ، مركزا على العبادات فقط وغافلا عن واجباته الوظيفية . شاهدت أثر تلك الكلمات على وجهه واختفت الابتسامة التي دائما ما نشاهدها. لم يكن هو من الموظفين المتحمسين للعمل،ومهاراته الوظيفية ضعيفة،وكثير الخروج والاستئذان، ولا توجد له إنتاجية في العمل رغم أنه لطيف المعشر حسن الأدب . وافقني هو على ما ذكرت ..، وقلت له الجميع عنده نواقص،ولا يجب الحكم على الناس فقط من المظاهرالخارجية..، نشاهد الكثيرين ممن يلتزم بالعبادات ولكنها لا أثر لها في المعاملات والعمل .

ومن بعد هذه المقابلة لم أره بعد ذلك إلا قليلا ، فهو تعود هو الذي يقوم بدورالواعظ ، وكنا نقبلها منه. حدثني ذات يوم من أنه شاهد موظفة مكشوفة الذراع حيث العباءة أحيانا ترتفع قليلا مع الحركة فوجه لها نصيحة وكانت لطيفة معه فقبلتها منه . وكانت هذه جراءة منه. كان هو سعيدا بهذا الدور،وعندما وجهت إليه الموعظة عن الإتقان في العمل تغير وجهه الضاحـك واستبدل بملامح الجـد والوقار. فليس من المناسب القيام بدور الواعظ في كل وقت وحين ومراقبة الناس في كل تصرفاتهم وشؤونهم وكأنك بذلك رقيب عليهم،ترصد حركاتهم ولفتاتهم فأنت بذلك تكون ثقيلا عليهم ، فلكل مقام مقال،واختيار الظرف والمناسبة والأشخاص من الأهمية بمكان في قبول وعظك وإرشادك . وقد تكون بعض الموعظة تطفلا في شؤون الآخرين .

[email protected]

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق