كتاب الراية

قطريات.. حكايات في الإدارة ( 7 )

تستعين مختلف الوزارات والإدارات الحكومية بمختلف الخبرات العربية والأجنبية وفي جميع التخصصات الفنية، لذا تقوم بالتعاقد معها لتقديم تلك الخبرة، وفي الغالب بامتيازات عقدية تراعى فيها مختلف الظروف الشخصية والأسرية للخبير. والخبير هو الذي لديه خبرة سابقة من عمل سابق أو أعمال سابقة ذات طبيعة متشابهة ومنسجمة مع العمل المرشح له. وقد تكون لديه خبرات أخرى متنوعة ولكن في مجالات أخرى وهذه قد تصنف كخبرات عامة. وعندما يتم تعيين الخبير يفترض أن تستفيد منه الإدارة أو الوحدة المعين فيها، ويفترض فيه القدرة على القيام بما هو منوط منه بحسب ما لديه من خبرات سابقة، مع الأخذ في الاعتبار أنه بحاجة إلى الخبرة المحلية وتقاليد العمل الجديد والتشريعات والقوانين المحلية، وهذه يكتسبها مع الأيام من خلال العمل، ومن خلال توجيه رؤسائه له.

وعند تعيين خبير يجـب أن تراعى فيه اشتراطات خبرته السابقة وانسجامها مع العمل وتوافقها مع طبيعته، وهذه معايير العمل الموضوعية في التعيين والاختيار. وبعض المدراء والرؤساء بمختلف مسمياتهم، لا يراعون هذه الشروط وتلك الخبرات وتغلبهم العاطفة والإنسانية حيث يتم تعيين بعض الخبرات على هذا الأساس، بصرف النظر عن صلاحيته للعمل أو حاجة الإدارة له على الرغم من الامتيازات الوظيفية التي يحصل عليها. وكان لي حديث مع المدير في هذا الشأن من أن الحكومة لا تقدم رعاية اجتماعية ولسنا نحن وزارة الشؤون الاجتماعية، فإذا قبلت الوزارة أو بعض الإدارات خبرات على أساس المحسوبية فقط، فهذا يضر العمل بوجه عام وينعكس سلباً على مختلف تفاصيله، وهذا إلى جانب كثير منهم لا عمل له إلا قليلا، ولا يكلف بأية أعمال. وفي هذا السياق طلب مني ومن جميع الوحدات تقييم الخبراء الذين في الإدارة، وهذا التقييم سيرتب بعض الأمور في شأن وظائفهم وأعمالهم ..، وكان هناك أحد الخبراء -كمثال-، خبراته السابقة غير منسجمة مع طبيعة الإدارة وأعمالها، ومنح أكثر من فرصة، لذا جاء التقييم منسجماً مع واقع حاله. والذي أثار هذا الأمر كان بمناسبة اجتماع مع الوزير حيث كان له بعض الملاحظات على الإدارة ..، ومن هنا تم إثارة تقييم الخبراء بشكل عام. وبعد ذلك طلب الوزير رفع تقرير بشأن أي خبير لا يصلح للعمل. والغريب أن المدير سعى بنفسه بعد ذلك عند الوزير للإبقاء على هذا الخبير وكان حريصاً كل الحرص في إثناء الوزير عن قراره، ولمست عند الوزير قبول ذلك، ولكنهم يريدونني أن أغيّر تقريري! وأقول إنه صالح للعمل. مع أن القرار النهائي يملكه الوزير هو الذي يستطيع أن يمضيه بحسب قناعاته في ذلك. وبعد شد وجذب وضغوط غير مفهومة ودون داع لها، أعطيتهم الحـل الذي يبقيه دون أن أغيّر من نتيجة التقرير. رغم أن الإدارة خاطرها كان واسعاً مع الجميع، ولكن من المستحيل إرضاء الجميع فهذه إدارة فاشلة.

في نهاية كل سنة يتم تقييم إنجازات الإدارات وهي محسوبة على المدير بالإيجاب أو السلب، وإذا كان أحد عناصر العمل الرئيسية عضواً غير فعال فهذا سينعكس سلباً على الإدارة وسينقص من الجودة وبالتالي هو محسوب على المدير، لذا بيان ذلك الأمر وتوضيحه للإدارة العليا، مهم حتى تخلي الإدارة مسؤوليتها، وأيضاً هذا الأمر من الأهمية بيانه للوزارة عموما أو أي منظمة لتعرف مواطن القوة والضعف في المؤسسة.

والذي لمسته من الإدارة عندنا، أنها إدارة عاطفية تغلب الجانب الإنساني والعلاقات الشخصية على العمل دون أية موازنات بينهما..، وهذه تظهرك بصورة المغفل المخدوع، ليتها في الشخوص فقط، وإنما تلصق بالحكومة والدولة حيث هم من يمثلها، والبعض يمثلها بغباء. والمدهش في ذلك أنه كان لي حديث مع المدير حول هذا الأمر فقال لي: الكل يعمل لمصلحته، من يهمه مصلحة العمل. تسمرت في مكاني للحظات وكأن على رأسي الطير من المفاجأة والصراحة المطلقة، فهذا كان منطق الحال وكنت أعرفه قبل ذلك، وتأكد بمنطق المقال ..، واستأذنت بعد ذلك دون تعليق. فليس بالإمكان مواصلة الحديث وإحراجه، فهذه قناعاته الشخصية وهو حر بها.

وفي مناسبة أخرى ذات صلة بما تقدم، قلت للمدير يجب أن تكون لنا غيرة على الدولة ليس كل من اشتكى يفترض أن الصواب معه، وهذا كان في سياق تحويل بعض الخبراء من قبل الوزير إلى التحقيق الإداري وهم رفضوا ذلك وتقدموا باستقالتهم..، وقام المدير يسترضيهم ويطيب خاطرهم حسب منطقه العاطفي الصرف، بالإضافة إلى أنه عمل لهم حفلة وداع رغم الفترة القصيرة التي قضوها. والإجراء الذي اتخذه الوزير معهم كان سليماً من الناحيتين القانونية والإدارية..، قلت لهم: الوزير كان من الممكن أن يتراجع عن التحقيق الإداري، ولا يوجد أكرم منه في الجوانب الإنسانية، خاصة في التعامل مع مختلف الخبرات، ووضحت لهم أن هذه شكليات ولا علاقة لها بمناصبكم في دولكم، فهنا لا علم لهم بذلك الأمر، فأنت هنا تعامل كخبير وموظف في الوزارة، وكثير منا تحول إلى التحقيق الإداري دون ضجة. وقلت للمدير: بعد تقديم الاستقالة كأسلوب ضغط، المفروض من الوزير يقبلها الآن، ولا يتراجع عن التحقيق. المفروض لا نقبل خـروج الوزير والوزارة بصورة ضعيفة بحق هي مارسته. فالكرم في الجانب الإنساني والعاطفي الإداري دون حساب قد يراك به الآخرون في صورة الإنسان المغفل.

[email protected]

 

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق