كتاب الراية

قطريات .. حكايات في الإدارة (8)

أوّل ما عُيّنتُ في الوزارة كان عددُ الموظّفات من النّساء قليلًا، ومع الأيّام ازداد شيئًا فشيئًا. وكان التّعامل في البداية معهن فيه كثير من التّحفّظات، ومع مرور الأيّام كُسر الحاجز النفسي. ومع ذلك بقي شيء من الحذر والتّحفّظات بطبيعة العلاقة بين الجنسين والفروق بينهما، فليس الحديث مع الرجل مثل المرأة مهما كان تحرُّر المجتمع في ذلك.

عندما توليت رئاسة القسم في الإدارة التابع لها في بداية صعودي السُّلّم الوظيفي لم يكن لدينا سكرتارية، حيث الوزارة لم تكن منظّمة التّنظيم الجيّد وينقصها الكثير، وكانت وحداتها الإداريّة قليلة، وفي بداية ولادة وحدات جديدة. وبعد مدّة من الوقت وانتقال الوزارة لمبناها الجديد، وضخّ وزارة الخدمة المدنيّة السابقة عددًا كبيرًا من النّساء في الوزارة، أُلحقت بالأقسام سكرتارية من العنصر النّسائيّ القطريّ، وكنّ من حملة الشّهادة الثّانويّة والجامعيّة، من مختلف التخصصات. وفي البداية واجهتنا إشكاليّة في أسلوب التّعامل معهن، حيث لم يسبق لنا ولا للوزارة تقاليد سابقة في التّعامل مع الموظّفات، خاصّة القطريّات، فهذه أوّل تجربة. والتّعامل يختلف بين كون الموظفة زميلة عمل أو مرؤوسة يحقّ لرئيسها توجيهها وإصدار الأوامر لها والتّعليمات. ظللتُ عدّة أيّام لا أطلب منهنّ شيئًا ولا أكلفهن بشيء خشية من ردّة الفعل التي قد أكون لم أحسب لها. خاصّة أنه لم يجتمع معنا أحد المسؤولين لوضعنا في الصّورة وشرح وجهة نظر الوزارة في ذلك لنا. إلى أن جاءتني من الإدارة تعليمات شفويّة بالتعّامل معهن..، ولاقيت تجاوبًا كبيرًا منهن في بساطة التّعامل، خاصّة أنّه في علاقة الرئيس بالسكرتارية لا تبنى على الرسميّات وتقاليد العلاقات الاجتماعيّة، والحذر في التّعامل يكون من السكرتارية حسب طبيعة العلاقة في ذلك مع الرئيس، وليس العكس، حيث هناك علاقة خاصّة بين السكرتارية والرئيس بحكم التّواصل اليوميّ، وسير العمل لايكون إلا من خلالهن. وبالنّسبة للتّعامل مع السكرتارية القطريّة ذكرت في حكاية سابقة من أنّهن مشغولات كثيرًا بشؤون المنزل وشؤون العائلة، وهذا يجعل التّركيز في العمل قليلًا وغالبًا يكون في المرتبة الثانية عند الكثيرات، هذا غير أن المهارات والإتقان في العمل ينقصها الكثير.

ومع ازدياد العنصر النّسائي في العمل بشكل كبير مقابل الرجال بدأنا نوصي بتعيينات من الرجال، حيث عندنا اكتفاء من العنصر النّسائي إلا أن الوزير كان كريمًا معهن ويعيّن الكثيرات. وفي هذا السياق وفي إحدى المناسبات، قلت: إنه إذا استمرّ الوضع هكذا، بعد عشر سنوات ستكون أغلب مناصب الوزارة والوظائف الإشرافية من نصيبهن. وحصل بعد ذلك ما توقعناه. وقد يكون ذلك بسبب سياسة تمكين المرأة، إلا أنه يجب مراعاة التّوازن في ذلك، فليس من تلك السّياسة جلوس الرّجال في منازلهم وعمل زوجاتهم وبناتهم، ولا في استحواذ النّساء على النّصيب الأكبر من تلك المناصب، بحيث بعد ذلك قد نجد أنفسنا نبحث عن تمكين الرجال. أعتقد أن ذلك يؤدّي إلى خلل اجتماعيّ ومهنيّ.

وبطبيعة الحال ينشأ عن تلك الزّيادة في عدد الموظّفات في مختلف الوظائف والتخصصات احتكاك بين الموظّفات والموظّفين مع مُراعاة الوزارة الفصل بينهم بقدر الإمكان مكانيًا، مع المُشاركة في العمل. إلا أنّه ومع ذلك قد يحدث الاحتكاك لأيّ داعٍ. والمجتمع القطريّ بطبيعته مجتمع محافظ وله تقاليد خاصّة به في شأن المرأة يعطيها شيئًا من القداسة والاحترام والفضيلة، حتى أنه إذا صدر قرار من الوزير في شأن إحدى الموظّفات يسبق اسمها: الفاضلة أو الأخت الفاضلة.، لذا، سماع شكوى الموظّفات ضدّ الموظّفين لأيّ سبب غالبًا وفي كثير منها ما تصدّق دون سماع وجهة نظر الطرف الآخر، ويُبنى عليها تعليمات أو قرار في شأن الموظّف تمسّ حياته الوظيفيّة. وهذا ضدّ منطق العدالة الطبيعيّة، خاصّة أننا وزارة تطبّق تلك القواعد في تعاملاتها واختصاصاتها اليوميّة، وأولى من غيرها في التّمسك بها. وهذا كان هو معنى حديثي مع أحد المسؤولين بالوزارة في شأن موظّف قُدمت ضدّه شكوى من موظّفة في موضوعٍ ما. ومهما كان موضوع الشكوى كبيرًا أوصغيرًا إذا لم يحل بصفة وديّة لايجوز ترتيب نتائج عليه دون أن يسبق ذلك تحقيق إداريّ. فقواعد العدالة لا تفرق بين ذكر وأنثى.

جاءتني موظّفة تشتكي رئيسها في العمل بصفتي مديرًا لهما. وبعد سماع شكواها دون أن أقطع كلامها، قلت إنه لم يتجاوز حدود وظيفته وحقّه الإشرافيّ، وكلّ ما قام به في حدود ذلك. وكان وقع ردّي مفاجأة عليها، فالذي تعودنه أن تُسمع شكواهن دون نقاش أو سماع الطرف الآخر، ويجب الاقتناع بما يقلنه. وهذا التخويف من الاحتكاك مع العنصر النّسائي اذا أكّدته الإدارة في تصرفاتها لن تجعل لرئيسٍ حقّ السيطرة والإشراف على وحدته. وكنت أستطيع أن أصمت، وأظهر التّعاطف معها، ولكن كان القصد إنشاء تقاليد جديدة ومفاهيم جديدة في العمل. خاصّة أننا عانينا كثيرًا من صمت الإدارة في جميع مستوياتها، منذ التحاقنا بالعمل، ولانعرف إلى أين تسير وماذا تريد. فكانت إدارة تعاني من داء الخرس الإداريّ، فالجميع ينطق إلا هي.

لذا، كان الاحتكاك بالموظّفات يشوبه شيء من الحذر،لأيّ موظف، وعلمت ذلك منذ البداية ووضعت لي قواعد صارمة في التعامل معهن، حتى أن البعض اشتكى منها، من أنني لا أقابل موظّفات. مع أنّني أتعامل مع الجادات في العمل واللائي لهنّ قدرة على المناقشة والطرح في شؤون العمل المُختلفة ولهن إنتاج واضح فيه، فهذا النوع من الموظّفات لا إشكاليّة معه.

[email protected]

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق