كتاب الراية

قطريات .. حكايات في الإدارة (9)

الإدارة الحديثة لا تعتمد على المركزيّة في العمل، بل تعتبرها معوّقًا وعاملَ ضعفٍ فيها. والإدارة التي لا تفوّض بعض أعمالها تعتبر إدارة مُتأخرّة عن العصر وإيقاعه، وبعض الدّول تلزم الرؤساء ومن في صنع القرار بتفويض بعض صلاحيّاتهم، ويدخل من ضمن عناصر الأداء الحاسمة من يقوم بفعل ذلك سلبًا أو إيجابًا. الفرد بطبعه وبجبلّته يميل إلى السّيطرة على جميع الصّلاحيّات والاختصاصات، ولا يرغب أن يشاركه أحد في ذلك، وتركيز جميع الصّلاحيّات في يده، وإن جاز له الأمر استحوذ على اختصاصات غيره. والذي يميل إلى المركزيّة في العمل يجد متعةً في رجوع مرؤوسيه إليه في كلّ كبيرة وصغيرة، وقمّة سعادته عندما يتعطّل العمل في غيابه أو يقف عن الدوران؛ على اعتبار أنّ هذا يُعدّ نجاحًا باهرًا له، مع أنّ ذلك يُعتبر سلبيّة وضعفًا، بربط العمل بشخصه، وعدم تهيئة من يخلفه في العمل أثناء غيابه. وهذا بسبب أنّ التفويض في الاختصاصات لا يُعتبر من عناصر التّقييم والأداء، بل قد تجد قمّة الهرم الإداريّ يعتبرون ذلك إخلاصًا وتفانيًا ومسؤوليّةً. وبذلك تصبح إيجابيّة وليست سلبيّة. فالجميع يخشى من وجود هذا البديل الذي من الممكن أن يسدّ مكانه أثناء الغياب، مع أنّ هذا دليل نجاح له شخصيًا، من إتاحة الفرص لتأهيل صفٍّ ثانٍ قياديٍّ، وهذه سُنّة الحياة.

طلبت من رؤساء الأقسام اختيار مُوظّف من بين كلّ قسم لمُساعدة الرئيس في عمله – وهذا تنظيم داخليّ خاصّ بالإدارة – لعدم وقوع القسم في حرج عند غياب رئيسه لأيّ سبب كان، وعدم إشغال المدير بدولاب العمل اليوميّ – الروتين، واكتساب الموظف خبرات إشرافية. البعض منهم تخوّف من وجود هذا المُوظّف المُساعد، ويختلق الأعذار والتّبريرات من عدم حاجته له..، ولم أكن أرغب بفرضها دون اقتناع منهم، فلن تكون هناك نتائج إيجابيّة بحسب المقصود منها. وكنت أتفهّم النّفس البشريّة في هذا الأمر والصبر عليها إلى أنْ تتقبّل ما هو جديد عليها، وقد يكون شاذًّا بحسب العادة والسّائد مما تعوّدت عليه.

أصبح التّفويض ضرورة في عالم الإدارة اليوم، والتّشريع القطريّ يخلو من وجود تشريع ينظّم هذا العمل بشكل دقيق، بحيث يجعل من تفويض صلاحيّات الرئيس إلزامًا عليه. وأثناء قيامي بتولّي منصب مُساعد المدير طرحت على الإدارة تفويضي ببعض الصّلاحيّات بشكل مُباشر دون الحاجة إلى الرجوع إلى المدير، وبعد إلحاح شديد وكثير من التّوضيحات والشّروح، لم يقتنع المدير بذلك، فالعادة تحكم، ومن شبّ على شيء شاب عليه. مع نجاحي في أخذ بعض الصّلاحيّات الإداريّة والتي كان يرجع بين الحين والآخر في استرجاعها مرّة أخرى، إلى أن أجد فرصة أخرى في استرجاعها منه مرّة أخرى. إذا لم يكن الأمر موضحًا ومحددًا بدقّة لن تكون هناك نتائج كبيرة. مع أنّ الأصل في الإدارة من مسؤوليّة المدير وهو المسؤول عن رسم سياستها، ومشاورة ومعاونة المُساعد، لكنْ هذا الأمر لم يكن واردًا لديها. عندما طلب مني تقديم اقتراحات بشأن تطوير الإدارة توصّلت من خلال تلك المُقترحات إلى أنّ أوّل تغيير لابدّ أن يكون هو تغيير المدير نفسه. وهذا لا يمكن ذكره في خُطة التّطوير بطبيعة الحال، وكان يجب تعديلها على ما هو مُتاح ومُمكن. وهذا لا يعني أنّ المدير لم يكن غير مرضيّ عنه من قبل رؤسائه، فهذا لا علاقة له بالأداء والفاعليّة، فهناك معايير أخرى تحكم هذا الجانب، وأبعاد نفسيّة وشخصيّة.

عندما تولّيت الإدارة كان من ضمن أولوياتي تفويض بعض الصّلاحيّات لرؤساء الأقسام، بل رغبت في التّوسع في ذلك إلا أن التّشريعات وأسلوب العمل لا يسمحان بذلك، وكلّ ذلك كان تحت إشراف المدير ورقابته ومُتابعة جميع ذلك، ولا يُخشى من ابتعادها عن هدفها مادامت هناك رقابة ومُتابعة وتوجيه، ومن يسيء استخدامها أو ثبت عدم قدرته تسترجع منه مرّة أخرى، مع تقويم العمل بحسب المُتاح من عناصر قوّة وضعف..، ودائمًا هناك مرونة.

وكان من بين الأمور الهامّة والتي كنت أعتبرها جوهريّة في نجاح الإدارة في عملها ورسم سياستها الإداريّة الجديدة، هو في استعادة بعض اختصاصاتها القانونيّة والتي انتقلت إلى الوزير إداريًّا وأصبحت تحت إشرافه منذ سنوات، وكان النجاح حليفنا، الأمر الذي أدهش الجميع في سرعة رجوعها إلينا، مع إخفاقنا في رجوع البعض الآخر..، على أمل مُواصلة السعي إلى ذلك مُستقبلاً.

يمنح التفويض مزايا كثيرة للرئيس من حيث زيادة الوقت لديه لتأدية أعمال أخرى أكثر أهمّيّة، وقيامه بشؤون الإدارة في المسائل الكبرى، وصناعة قادة جدد، وتدريب صغار الرؤساء على التّوجيه والرّقابة والإشراف والمُتابعة، لأنّه كان من المُلاحظ ضعف ذلك عند الكثير منهم واعتمادهم على المدير في كل شيء حتّى فيما يتعلّق باختصاصاتهم المُباشرة، وبعضهم يقوم بأعمال لا صلة لها بعمله كرئيس يقوم بالإشراف والمُتابعة، فكان البعض يقوم بدور السكرتارية ويسجّل الصادر والوارد ويمسك الأرشيف..، فهو وضع نفسه في دور ليس دوره، لأنّ هذا هو الذي يستطيع أن يقوم به، غافلًا عن دوره الإشرافيّ والتّوجيهيّ ومما هو من طبيعة أعمال الإدارة. والتّفويض لايخشى منه على أساس أنه قد يعتبره تنازلًا عن الاختصاصات، وهذا بسبب عدم إدراك طبيعته، فلا يعني تفويض بعض الصّلاحيّات تنازلًا وإنما هو تعاون في إطار ما هو مرسوم من سياسة إداريّة تمّت بوعي أو دون وعي، حيث جميع تلك العمليّة الإداريّة تتمّ تحت إشرافه ورقابته ومُتابعته، كما أنّه يعتبر مسؤولًا عن هذا التّفويض. نعم، قد تنشأ بعض الصّراعات الجانبيّة، ندرك هذا الأمر جيّدًا، وقد تحدث ازدواجيّة في بعض القرارات، ولكن هذا لا يعني الخشية منه، فلكلّ أمر سلبيّاته وإيجابيّاته. والتّفويض لا ينجح فيه ولا يقدم عليه إلا من كان واثقًا من نفسه، واثقًا من قدراته قادرًا على الحزم عندما يرى الموقف يتطلّب ذلك.

[email protected]

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق