كتاب الراية

قطريات .. المنبر والخطيب والخطاب

يستغل الخطيب السياسي المنابر لتوظيفها لصالح الجماعة السياسية ويوظفها أيدولوجـياً وفق رؤية الحـــزب، ويتناول ذلك بخطاب ديني صرف في خطابه دون النظر للواقع وملابساته فهو يسرد الآيات والأحاديث ووقائع التاريخ دون نظر للواقع، بشكل مقصود بقصد تأليب الناس وحشدهم أو عن جهل وسذاجة وغفلة.

ويبرر ذلك أن الإسلام دين ودولة ويدفع عن نفسه أن هناك من يريد جعل الإسلام في الحيض والنفاس والطهارة حتى يسهل له الدخول في السياسة وهو لا يستطيع السباحة على شواطئها، وكأن سرده للآيات والأحاديث ووقائع التاريخ دليل على خبرته السياسية وتبحـره في هذا الميدان. وهؤلاء يلصقون جرائمهم وغباءهم وتطاولهم أحياناً على الناس بالسب والشتيمة بالإسلام ! وبعضهم يقول أنا لا أشتم، الإسلام هو الذي شتم، بطريقة فجة يطيحون في الناس. وحجتهم أن الإسلام قال ذلك وهو منهم بريء مما يقولون، حتى يرهبوا الناس ويخـــرسوا الألسنة من أن تنالهم وكأنهم معصومون من النقد.

ليس الخلاف في كون الإسلام ديناً ودولة وإنما الخلاف في توظيف الدين في السياسة لضرب الخصوم السياسيين وفي إيهام الناس والإيحاء بأن من خالفهم إما كافراً أو مارقاً من الدين أو غيرها من الأوصاف من خلال إنزال الآيات على خصومهم وكأنها نزلت فيهم وبعض هذه الآيات تحمل كلمة الكفر، وبعضهم صرّح بها عندما فشل سياسياً. وهؤلاء عادة يحتكرون الجنة والنار يُدخلون هذا الجنة وذاك النار، ويفسرون الأحداث لصالحهم، لأنهم بحسب زعمهم الفئة المختارة والصفوة المنتقاة فإذا فشلوا فهذا اختبار لهم وتمحيص بحسبهم الصفوة المؤمنة، ولغيرهم استدراج إلى أن يأخذهم الله أخذ عزيز مقـتدر. وكل الآيات التي نزلت في الكفار يصبونها على المسلمين ممن يعتبرونهم خصومهم.

والحوادث إذا كانت معاكسة لهم فهي من قدر الله وإذا كانت ضد خصومهم فهي تقصير في المسؤولية ووجبت محاسبتهم.

والعمل السياسي عمل بشري يخضع لمعطيات الواقع وما تمليه ظروف المرحلة الراهنة والسياسات الدولية وتجاذب القوى المحيطة والتوازن فيما بين هذا وذاك. ودخول خطاب المنابر والمتخصصين الشرعيين في السياسة العميقة والمباشرة لهو خطر كبير على المجتمع، فهم يدخلونها بجهل حقيقي وقلة خبرة ودراية ويخبطون ذات اليمين وذات الشمال ورأينا ذلك، كيف تاهوا وضلوا وأضلوا، وحديثهم أغلبه عاطفي حماسي وبلاغي إنشائي يُدخــلون الآيات والأحاديث فيه وينزلونها على وقائع وهم جاهلون بها ويوظفونها توظيفاً خاطئا ويجتزئونها من سياقها، مصورين للناس أن المخاطبين به كفروا بها، ومن هنا خطورة ما يفعلون. وصار بعضهم يعادي أشخاصاً بالأسماء مستغلاً بذلك المنبر، وهو هنا يدافع عن نفسه أو ينفس عن غضبه، ويختصم الخصوم من على المنابر ويوظفها لشخصه أو لحــزبه. وهؤلاء الخطباء المسيسون كثير منهم يدخلون العمل السياسي من خلال وقائع التاريخ وتلك الأحداث الماضية المنزوع عنها صفة القداسة في حين أنه يؤخذ منها العبرة وقوانين التاريخ، ويعطيها صفة القداسة وكأن التاريخ جُمد في مرحلة تاريخية معينة لا يتزحـزح من مكانه. لذا، إبعاد المنابر من العمل السياسي والمتخصصين الشرعيين، فيه مصلحة دينية ودنيوية. وهم نزعوا القداسة من كل ذي صفة وشأن حتى يسهل تناوله ونقده والتجريح فيه إلا شخوصهم فهي معصومة، ومن هنا يجب نزع القداسة عن خطباء السياسة. ونقول لهم أنتم بشر يسري عليكم ما يسري على الناس من عوارض الضعف البشري، وتسري عليكم القوانين ومن حق أي فرد اختصامكم إذا ما تجاوزتم الحــــد.

 

[email protected]

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق