كتاب الراية

قطريات .. حكايات في الإدارة (10)

عندما استلمت الإدارة كنت أعلم بمشاكلها وهمومها ونقاط القوة والضعف فيها ، وليس الإدارة فحسب، وإنما حتى الوزارة بشكل عام . كانت الوزارة تعمل مثل الدول الجزرية المتباعدة المسافات وليس بينها جسور وطرق تربط فيما بينها ، الاسم أنها دولة واحدة ، ولكن كل جزيرة منعزلة عن الأخرى ، دون هدف وروابط حقيقية تنسجم في وحدة واحدة وهذه كانت من سلبيات الإدارة العليا ومن نقاط الضعف الواضحة بجلاء .

وكانت الإدارة السابقة تقوم على تسيير دولاب العمل من صادر ووارد وأخذ ورد بشكل روتيني بطيء، ولا توجد خطة عمل، ولا أهداف ولارؤى مستقبلية . وكانت لدي خطة وبرامج معدة من قبل عن ما تحتاج إليه الإدارة على أمل تطبيق ذلك في الوقت المناسب والى أن تتهيأ الظروف لها.ولا يمكن تحقيق نتائج إيجابية وإنجازات متميزة دون تهيئة الأرضية المناسبة لها ، ومراجعة الموارد المتاحة من كوادر بشرية ومادية وغير ذلك مما يدخل في طبيعة العمل . لذا ، اتجهت السياسة الى شقين الشق الأول النهوض بالباحث خاصة والموظف عموما. وتوظيف الخبراء في العلاقة فيما بينهما . والشق الثاني بالإدارة العامة من احتياجات نوعية وطريقة عمل جديدة محفزة ، المعتمدة على التحفيز والمبادرة وفتح جميع الأبواب للعطاء والإبداع والمشاركة. وأي تغيير لابد من أن يصطدم بمعوقات ومقاومة، وهذا أمر طبيعي يجب التعامل معه، سواء كانت هذه المعوقات داخل الإدارة أو خارجها في محيطها التي تعمل فيه، ولا يمكن تطوير العمل دون توفر كوادر بشرية مواطنة مؤهلة للقيام بالحــد الأدنى المطلوب منها على الأقل في بداية عملها الوظيفي. لذا، كانت تواجهني صعوبات في جعل الباحث المواطن، والموظف يقبل على العمل ويؤديه بشكل فعلي وحقيقي ، هناك عزوف عن العمل الجاد، وهروب من البعض بخلق أعذار كثيرة ، ومن هنا تنشغل الإدارة عن الإنجاز والتطوير والخلق والإبداع أو تقل ، بحسب ما لديها من قوة بشرية منتجة ومتميزة ومنسجمة لتحقيق أهدافها.وفي البداية تنصرف جهودها لتوفير البنية الأساسية البشرية لذلك الأمر. كانت الوزارة تبحث عن النتائج والإنجازات النوعية ولا تسأل أهم سؤال، هل تستطيع وحداتها الإدارية تقديم ذلك وفق أوضاعها الحالية؟. وبالتالي تدور في حلقة مفرغة وتكرر نفسها كل سنة خاصة اذا كانت الوظائف القيادية الدنيا والمتوسطة تحجز للبعض لسنوات طويلة دون نتائج تذكر .

كان الهدف الأول إشراك الموظفين في جميع شؤون العمل وقيامهم به بشكل فعلي، وهناك الكثيرون الذين لا يرغبون بالتطوير والتعلم وكسب المهارات اللازمة،ولا يستغلون بيئة العمل في ذلك رغم توفرها لهم.

وكان من بين الأهداف تقطير العمل وخروجه برؤية قطرية ، كنت أحفز عقولهم في الاجتماعات لكي أستخرج منها رأيا معتبرا وكنت أحصل عليه من البعض، مع كثير من الكبس، والبعض يحتاج الى تأهيل لكي يدخل الى الطريق الصحيح، وهذه البداية. وهناك من لايزال يراوح مكانه ومازال يفتش عن الطريق والبعض يرفض التوجيه ولا يريد أن يكتسب شيئا، والبعض الآخر لايصلح للقيام بالعمل المنوط به رغم تخصصه في ذلك .

قبل تولي الإدارة عندما كنت رئيسا لقسم من الأقسام ، كانت المشكلة الأولى في خجل الباحث وعدم مبادرته وصمته، لذا، عملت منذ البداية على منح الباحث الثقة بنفسه وفي إبداء رأيه دون حرج مهما كان هذا الرأي، وكنت أعمل على توفير المناخ الملائم للباحث لإبداء رأيه مع حمايته إن لزم من بعض الخبراء (غير القطريين ) الذين يحاولون استعراض علمهم وخبراتهم أمام باحث مازال في بداية حياته العملية وكانت الإدارة السابقة لا تعي هذا الأمر بل كانت غافلة عن كل ما يحــيط بها من صراعات نفسية، واستعراض خداع تجهله، الأمر الذي انعكس على الباحث والإدارة بالسلب في جوانب عديدة .

في أحد الاجتماعات تقدمت باحثة متميزة واعدة برأي في موضوع ما وكان هناك خبيرعادة ما يترصد الباحثين ويسفه آراءهم بطريقة تجعل كثيرا منهم يحجم عن إبداء رأيه ، وأخذ هذا الخبير يدقق على كل كلمة وحرف يرد عليها، كان يبحث عن أي شيء ليصد هذا الرأي الواعــد. فكان هذا الخبير مكشوفا لي، فما أسهل رصد نفسيات هذه النوعية من الناس وعقدهم ، تركته الى أن انتهى وظهر على الباحثة الضيق وشيء من الحرج ، وبعد ذلك أثنيت على الباحثة وعلى ما توصلت إليه، حيث كان الرأي سليما من الناحية القانونية، ومنطقيا وإن اختلفت الآراء معه. وعندما رأت مني ذلك استجمعت قواها، وردت على الخبير بثقة نفس، وإصرار على موقفها . كنت حريصا على دعم الباحث ووضع ثقته بنفسه..عندما سمع الخبير كلامي بدأ يتمتم بكلمات مع زميل له بجانبه حيث أحيانا ، يتفقون قبل دخلوهم الاجتماع على توحــيد رأيهم وكأنهم في تنافس مع الباحث الذي يحتاج الى دعمهم بدل منافستهم. كما لاحظت بخــل بعض الخبراء وشحهم في إعطاء ونقل خبرته الى الباحث. جاءني خبير يشتكي كثرة العمل لديه ، قلت له سأوفر لك عددا من الباحثين يعملون تحت إشرافك، وهذا هو المطلوب منك في العادة، وعندما ذهبوا إليه أغلق الباب في وجوههم ولم يرجع يشتكي بعد ذلك. كان يريد إظهار أنه يعمل بجد ونشاط ويريد لفت النظر إليه، مع ما قد يترتب على ذلك من مزايا إدارية. وعلى ما يبدو وجد الحل الذي وفرته له، لم يناسبه أو ظن أنه قد يسحب البساط منه.

[email protected]

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق