كتاب الراية

قطريات .. حكايات في الإدارة (11)

في أحد الاجتماعات حصلت مشادة كلامية بين موظف وموظفة وتطورت إلى ما بعد الاجتماع حيث أخذت الموظفة ترفع صوتها عليه، على ما يبدو كانت معترضة على سلوك معين لم تقبله منه. كانت هذه الموظفة من النوع الجرئ نوعا ما، وقد يكون هذا الموظف وجد ذلك سببا لرفع أي تكليف. هذا النوع من الاحتكاك لا يكون بعيدا في مثل هذه الأحوال، وقد يتخذ أشكالا عدة بحسب درجة الاحتكاك ونوعه وسخونته وبالتالي يصبح الرجل في موقف يضطره للدفاع عن نفسه وقد يتخذ بعض الأساليب التي قد لا تقبل في مجتمع محافظ، وأيضا ليس عدلا وقوف الرجل مكتوفا لا يحرك ساكنا إذا ما اضطره الموقف ليتخذ أي شكل من أشكال الصراع المجتمعي الذي هو من طبيعة السلوك الاجتماعي. اشتكت لي موظفة من رئيسها وكانت الشكوى في عمومها حديثا مرسلا ويدخل في اختصاصات الرئيس وصلاحياته، ولم يتجاوزها، وعندما رأت أنني لا أرى ذلك تجاوزا.. قالت: هل تقبلها لبنتك أو زوجتك، مع أنهما ليسا طرفا في الموضوع. قلت، نعم أقبل..، فإذا عملا في هذا العمل يجب أن يقبلا طبيعته، وهذا يعني ضمنيا موافقة الزوج أو الأب..، نحن نأخذ في الاعتبار حساسية التعامل مع الموظفة القطرية، وهذا كان حتى نهج الإدارة العليا، ولكن لا يكون لدرجة شل يد الإدارة والرئيس وتخويفه عن ممارسة عمله، خاصة عندما تسمع شكواها من طرف واحد.

الاختلاط كان محدودا قبل الانفتاح، وبعد ذلك فتح للمرأة الباب على مصراعيه وأزيلت كل عقبات إدارية أو حكومية وبقيت التحفظات الاجتماعية وعادات وتقاليد المجتمع. الكثيرون مازال متحفظين على الاختلاط وقد يكون بسبب عدم وضوحه، وأيضا هناك من قبل به بسبب الوضع القائم الجديد خاصة مع زيادة الراتب. وبعض الموظفات كن متحفظات في البداية ومع الأيام زال هذا التحفظ فيما يتعلق بكشف الوجه والمرونة في أسلوب التعامل وظل البعض متحفظا.

زارني صديق في المكتب، وبعدما رأى حركة الموظفات في العمل قال بعفوية وتلقائية وباندهاش: “أصبحت القطريات سهلات” ولا يقصد من ذلك سوى مرونتهن في العمل، والتحفظ الذي كان يراه قديما قد زال شيء منه لطبيعة المرحلة الجديدة. فهل كان متصورا أن يرى جيل الجدات مثلا. أصبح المجتمع فيه شيء من التعددية في التوجه والأفكار والرؤى وأنماط السلوك حتى في البيت الواحد.

وهناك من تعاملت مع الأمر بصورة اعتيادية في إطار العمل الرسمي المنضبط بضوابط المهنة ونجحت فيه. وهناك عدد من الموظفات اشتكين من ذلك الاختلاط ووصل الموضوع إلى الوزير مع ملاحظاتهن في ذلك، فوجه الوزير إلى تفريق الموظفين والموظفات في طوابق منفصلة بقدر ما يسمح المكان بذلك.

ومن المواقف الظريفة كنت عضوا في لجنة تشريعية تقوم على مراجعة مشروعات القوانين من حيث الصياغة القانونية واللغوية وكان معنا بطبيعة الحال بعض الموظفات وتغيبن جميعهن ذلك اليوم إلا موظفة شابة تأخرت عن الحضور. وكان معنا خبير مصري ألحق بالعمل قريبا. وقال اتصلوا عليها لتحضر معنا قد يكون نست الاجتماع..، كذا الجلسة تبقى ناشفة.. قلت له عيب عليك.. هؤلاء خواتنا.. ابتسم بثغر خجول.

كان معروضا على اللجنة الفنية موضوع ما، لإبداء الرأي القانوني، وكان موضوعا جنائيا..، قال أحد الأعضاء، لا أريد أن أفصل فيه احتراما للزميلات..، قال لي قاض من دولة عربية دخلت فيه المرأة القضاء منذ زمن طويل: لا أرى مناسبة تولي المرأة للقضاء الجنائي حيث في بعض الملفات المعروضة علينا فيها ألفاظ حادة تخدش حياء المرأة..، وكانت تقول لي زميلاتي في القضاء عند النقاش حول ملف ما إذا جاءت هذه الألفاظ لا تذكرها أكتبها وممرها ورقيا. وأيضا كوكيل نيابة في حالة القتل والانتقال ميدانيا إلى موقع الجريمة..، يقول كيف نستدعي المرأة من بيتها الساعة الواحدة ليلا، هذا غير ما قد يحيط مكان الجريمة من خطورة ما لا تغيب في مثل هذه الظروف.

في إحدى المناسبات كان هناك اجتماع مع الوزير حضره قيادات الوزارة ومسؤولوها ومن بينهم عدد من القيادات النسائية دخلت إحداهن الاجتماع متأخرة قليلا، وكان لا يوجد كرسي إلا واحد بين موظفين فأخذت مكانها فيه. وبعد فترة، أشعل الوزير سيجارا من الحجم الكبير في حضور الموظفات رأيت أن ذلك الفعل غير مناسب وغير لائق..، ذلك الشعور الذي أحسست به في ذلك الوقت.. عموما اختلاط المرأة بالرجل قد يفرض بعض المواقف عليها بقبول بعض التصرفات والسلوكيات وإن كانت غير راغبة فيها.

 

[email protected]

اقرأ أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق