المنتدى

ثورة الشك!

بقلم – سليم عزوز:

أطلق عليها الداعون لها ثورة الغلابة في 11/11، وقال البعض بل ثورة الجياع، فالغلابة وهم المساكين، لا يمكنهم القيام بثورة، وهناك من شكك في قدرة الجياع على الثورة، فلا يثور إلا الأحرار!

الشك أحاط بالدعوة من أول يوم، وهو السبب في الإمساك عن توقع ماذا سيحدث في هذا اليوم، فالسلطة لا تخاف من ثورة للغلابة، والثوار أنفسهم لديهم قناعة بأن ارتفاع الأسعار، وعدم قدرة شرائح كبيرة في المجتمع المصري على تحمل أعباء المعيشة في حدها الأدنى، لا يمكن أن ينتج ثورة، وإن كان تخوف السلطة من هذا اليوم، حد الهلع، هو ما يدفع البعض لأن يتوجسوا منها خيفة!

هناك من يرى بأن مبالغة أهل الحكم في مصر من الخوف من يوم 11/11 هو أمر مفتعل، فهي تقف وراء هذه الدعوة، لتصيب الثوار بالإحباط عند فشلها، ويمكنها بالتالي في ظل حالة الإحباط والإحساس بالعجز أن تمرر قراراتها الاقتصادية الأكثر إيلاماً، مثل تعويم الجنيه، والقيام بتسريح أكثر من خمسة ملايين موظف من الجهاز الإداري للدولة على مراحل، والرفع الكامل لدعم الوقود، وتخفيض أعداد المستفيدين من دعم البطاقات التموينية.

لا يمكن لمثلي التسليم بأن نظام عبد الفتاح السيسي يمكنه أن يقف وراء الدعوة لثورة الغلابة، لإيماني بأنه يعلم أن مصر على “كف عفريت”، وأي مخاطرة تمثل لعباً بالنار، فالثورة في انتظار شرارة بعدها لا يوجد أحد يمكنه التوقع بمآلات الأمور، لكن هذا لا يمنع من أن يستغل فشل 11/11، ليمضي قدماً في تطبيق سياساته الاقتصادية سالفة الوصف، ولا يمنع هذا من أنه يستشعر خوفاً من أن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن!

السيسي لا يؤمن بقدرة الغلابة على الفعل، أو الجياع على الثورة، لكن الخوف مرده أن تكون قوى سياسية تخف خلف هذه الدعوة، أو أن هذه القوى السياسية تستغلها، والخوف الأكبر من أن يتفاعل معها أطراف داخل السلطة، تعلم أن استمرار الأوضاع في مصر بهذا الشكل مستحيل، وأنه إذا كان السيسي مضطراً لذلك، باعتباره أوغل في الدم، فهم في حل من أن يصبحوا رهائن في حرب ليسوا طرفاً فيها، وتكمن خطورة هؤلاء أن تفكيرهم باطني، وليس معلناً، ليمكن للسيسي التخلص منهم، فحضورهم للمشهد يكون بعد شعورهم بالأمان، إذا حضرت الجماهير بشكل لا يمكن لآلة القتل أن تفتك بها، وهو لسابق خيانته يعيش القلق من أي خيانة محتملة، فإذا كانت دوائر إقليمية ودولية اتفقت في السابق مع أطراف في الحكم للانقلاب عليه ببيان 3 يوليو 2013، دون أن يشعر الرئيس مرسي وجماعته بذلك، ودون أن يحتاطوا له، فما الذي يمنع من تكراره؟!

السيسي دائماً ما يوجه رسائل مستترة لهؤلاء، تجعله يبدو أمام من يسمعه ويراه أنه أصابه طائف من الشيطان فصار يكلم نفسه، مثل تهديده بأن من سيأتي جنبها سيمحوه من على وجه الأرض، ومثل صيحته الشهيرة: “أنتم مين؟!.. ولم ينته الأمر بإعلانه عن خطط “فرد الجيش” في ربوع مصر في ظرف ست ساعات، وهو حديث ليس موجهاً للإخوان، إذا كانوا بمفردهم فقد خبر حدود قوتهم، ووقف على أنها ليست مخيفة ولن تنتج أثراً، فقد أمكنه ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في رابعة، وقمع المظاهرات التي عمت القطر المصري بعد الانقلاب وبعد الفض، وعندما بدت قدرة جناح من الجماعة على الفعل الثوري ولمدة أربعة أيام في يناير 2015، وبدا واضحاً أن الثورة انطلقت هذه المرة من المطرية، كان قرار القيادة بالعودة إلى البيوت، ليزورهم زائر الفجر، فيصفي من يصفي منهم، ويعتقل من لم تكن هناك حاجة لتصفيته.

وعندما يحتشد نظام السيسي الآن، من أجل اتهام الإخوان بأنهم يقفون وراء الدعوة إلى 11/11، فلأنه يعلم أن الإخوان هم كلمة سر الليل، التي ما إن يطلقها حتى يحشد الناس خلفه، وقد ظل فريق من الناس لفترة وبعد أن تبين له أن اختار الفشل بشحمه ولحمه، يقول: يكفي أنه خلصنا من الإخوان، لكن السيسي لم ينتبه للتطور الجديد، فعجز السواد الأعظم من المصريين عن سد احتياجاتهم في حدها الأدنى، أنهى مرحلة السكرة، فقد كانت أوضاعهم المعيشية أفضل في عهد الإخوان.

وكما أن ثقة السيسي في قدرة الغلابة على الفعل الثوري منعدمة، فإن خصومه يشاركونه في ذلك، لكنهم قد يرون في الدعوة أنها قد تكون الشرارة التي تنتظر مصر فتجعل عاليها سافلها، ولهذا فإن قوى سياسية ربما لا تحبذ الخروج من أجل مطالب اقتصادية، لم تعلن رفضها خوفاً من أن تنجح الدعوة، ولا يستبعدون أن أطرافاً في السلطة قد تنضم إليها، وإذا وجدت هذه القوى حضوراً جماهيرياً كثيفاً في هذا اليوم، فستدعو للثورة، وإن لم يحدث فيا دار ما دخلك شر، فهي لم توجه الدعوة ولم تنحز لها.

في حديث تلفزيوني، سئل الدكتور ممدوح حمزة، عن رأي الشباب في هذه الدعوة؟.. فقال إن كثيرين وإن كانوا لا يعرفون هوية الداعين لها، إلا أنهم يقولون بالانتظار، فإذا كانت جادة شاركنا بالنزول!

وبعيداً عن الغاطس في الدعوة لثورة الغلابة، فلو سألت كافة الأطراف ماذا سيحدث في هذا اليوم؟ لأجمعوا على أنه سيكون يوماً عادياً جداً، فهناك استبعاد تام لفكرة ثورة الجياع في مصر، ليس لأن الفقراء يديرون حياتهم بالطرق غير القانونية، فلم يعد هناك سبيل الآن لمثل هذه الطرق، فالكل يشكو من ارتفاع الأسعار وانسداد أبواب الأمل، ولكن الفقراء هم الأكثر خوفاً من بطش الأنظمة الديكتاتورية، والأقل مغامرة، وهناك جديد وهو وإن كانوا هم الذين انحازوا للانقلاب، وطاردوا المتظاهرين ضده، ورقصوا على إيقاع أغانيه، فقد باعهم هذا الانقلاب بالرخيص، وهم وإن لم يكونوا أبداً الشرارة، لكنهم لن يغيبوا إذا حضر الناس!

السيسي بكل دوائره يؤمنون بأن شعبيته في أقل معدلاتها، وهو يدرك أنه فرط في احتياطيه الاستراتيجي، لأن فاتورة التمسك بتأييد هؤلاء له مكلف مادياً، ومشروعه يقوم على سحق الفقراء، وإزاء الخطر الذي قد يمثله يوم 11/11، تصرف على طريقة التاجر لحظة إفلاسه، فقام بالتفتيش في دفاتره القديمة!

لقد سعى لإرضاء الكنيسة بالاستجابة لمطلب كنسي قديم، وهو إلغاء خانة الديانة في المحررات الرسمية، الذي وافقت عليه اللجنة التشريعية في برلمانه مؤخراً، وشكل لجنة لبحث حالات الشباب المعتقل من القوى المدنية تمهيداً للإفراج عنهم، مع أنه سبق له قبل أكثر من سنة أن التقى مجموعة من شباب الإعلاميين، وطلب منهم بحث ملف المعتقلين واعترف بأن هناك مظلومين داخل السجون، ثم نسي الأمر وبدا في مؤتمر شرم الشيخ كأنه يسمع عنه لأول مرة.

الغريق يتعلق بقشاية، والسيسي يتعلق بالكنيسة وبالقوى المدنية بتنازلات بسيطة، والقشاية بالنسبة لقوى الثورة هي ثورة الغلابة، وإن كان من لسعته الشوربة ينفخ في الزبادي، ويرى أن هذه الدعوة، هي دعوة مخابراتية!

إنه مشهد مأزوم من كافة جوانبه.

كاتب وصحفي مصري

[email protected]

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X