المنتدى

لماذا استقال العربي من (التفكير) ؟ 2/2

بقلم :أ.د.عمر بن قينه (كاتب جزائري) ..
لا يبرحني التعليق عمّا وصفه بعض بالمبالغة في الحديث عن انعدام (فكر عربي) وغياب من هو جدير بصفة (مفكّر)!.

رؤية سمتها القصور، وهذا وذلك: يرى أنّ كلّ قادر على كتابة (مقال) مفكراً في حياتنا الثقافية، بل يندفع للمنابر الإعلامية أو يُدفع أو يُقحم (كمفكّر) وهو العقيم (تفكيراً) وإنتاجاً، ولغة أيضاً.

 فهو صورة للشّلل الذي يطبع الحياة، فيؤكّد أكذوبة (مفكر) الغريبة في حاضرنا المُعاصر، دون ماضينا (الزاهر) ولا حتى لاحقه المتخلّف قبل مرحلة النهضة المجهضة سريعاً، رغم كل ما فيها من ملامح استهلاك دون صورة إنسان فاعل واعد، فمن الخير كما يؤكّد الكاتب العربي البحريني الدكتور محمد جابر الأنصاري “أن نتصارح ونصارح أنفسنا بأنّ هذه النهضة المعنوية الجوهرية لم تظهر علاماتها حتى الآن في كلّ ما أقمنا ونقيمه من مظاهر عمرانية وإنمائية، لأن محكّ أية نهضة حقيقية هو قدرتها على ردّ التحدّي، ومجابهة الغزو العسكري والاقتصادي والفكري، وما لم يتحقّق ذلك فلا التقدّم بتقدّم ولا النهضة بنهضة”.

فأية قيمة لاسم ينعت بصفة (مفكر) إن لم يكن من صنّاع الرأي العام، من ذوي التأثير السياسي والاجتماعي فضلاً عن الثقافي، بمواقف واضحة وآراء فاعلة، ورؤى فلسفية جادة أصيلة! من دون نفاق!.

تبقى صفة (مفكّر عربي حديث) أكذوبة في حياتنا الثقافية العربية، وقد باتت الثقافة في مؤخّرة اهتمامات (المجتمعات) العربية اللاهية المطحونة، في أنظمة مهزومة، فبات من هو مهيّأٌ لأن يكون ذا رأي ودور ورؤية مؤهل للقيادة الفكرية بصفة (مفكّر) في الذيل محاصراً، لا اهتمام به على المستوى الشخصي، ولا عبرة لرأيه إن أتيح له (النطق!) في وطن عربي تطحنه الحروب حتى بين أبناء القطر الواحد، سرعان ما تجاوزت الجوانب السياسية العامة لتتّخذ لها الطابع القبائلي، والطائفي والإيديولوجي، ممّا انغمست فيه قوى إجرامية منافقة تتزيّى بالإسلام وهي ألدّ أعدائه، وصورها القذرة تصيب (الإسلام) في عيون أعدائه، وحتى أبنائه ممّن ينخدعون بتلك التنظيمات الإجرامية التي هي صناعة (أمريكية – روسية – إسرائيلية – غربية – إيرانية) هو المناخ الذي ينبغي أن يحرّك همم (الرجال) حين يفسح لهم للنهوض بمهامهم، ففي الحروب المندلعة، والأزمات الطارئة تبرز حيوية (الرجال) فأين هم في وطن عربي منكوب؟ غابوا يأساً وقنوطاً، استسلموا لأنظمة صادرت الحريات، فأنجزت بمظالمها الإرهابية في المجتمعات إرهاباً فاقها ظلماً وعدواناً، فلم يواجه من ينعتون بالمفكّرين هذه كما تواطأ بعضهم مع تلك أو غابوا، فغابت (الصفة) في (رجل قلم ورأي) المنتظر منه القيادة الفكرية والريادة السياسية.

بغيابه: بوحا وموقفاً حرّاً تغيب الصفة. انسحب بعض، وباع بعضهم أقلامهم في قلب المحن التي تعصف بالأمة، فلم يعودوا يعبأون بما يمزّق أمّتهم! ولو كانوا (مفكّرين) ما صبروا يوماً على البوح بالمصائب التي تعصف بأمتهم ومنهم المتاح لهم إعلامياً! جبناء! أصاب الكاتب العربي اللبناني (سمير عطا الله) في حكمه: “سمّمتنا السياسة وتفاهاتها، الضابط أراد أن يُصبح حاكماُ، والعالم حلم بأن يصبح عريفاً، والمفكّر أن يصبح مخبراً، والشعوب أن تصبح هتّافة”.

إن اضطرّ المفكّرون الأحرار- في العالم – للتواري تحاشياً للتصفيات فإن عملهم قائم حتى في الأقبية لتحريك الجماهير، وقيادتها. هذا ما فعله المفكّر الأوروبي الحديث والمُعاصر، من رجال (فرنسا) نفسها أثناء الحرب العالمية الثانية: مثل (جان بول سارتر) و(ألبير كامو)، لم يتملّق ذلك المفكّر الحريّة ولا الديمقراطية من الطغاة بل صنعها، في جماهير متعلّمة واعية قارئة متفاعلة تصطفّ وراء مفكّريها بحريّة، لا تسجد أمام سياسيّيها الجهلة وطغاتها الظالمين.

مشكلتنا العربية ليست فقط في حكامنا فحسب ككوابيس في ليلنا الشتائي، ولا لمثقفينا المستقيلين من (التفكير) بل في مجتمعاتنا أيضاً التي تصبغ على (حكامها) قداسة، فحلّت فيهم روح (فرعون) وأستاذه (إبليس)!.

لا نحمّل (مثقفينا) إذن وحدهم أوزار مجتمعاتنا الجاهلة اللاّهية المتخلّفة إلى جانب أنظمتها القمعية التي تضيق بكلّ ذي فكر ورأي، فتهجّره، أو تهمّشه، فإن عاد (شوقاً إلى وطنه) حاصرته إن لم تسجنه.

(المفكّر) عقل فاعل لم يعد له لدينا مكان في أمّة لا عَقْل لها ولا (عُقّال) و(لا عِقال) ولا معقول فيها، بالصفة التي خصّ الله بها الإنسان، الوحيد الذي كرّمه الله بالعقل دون سائر المخلوقات، (العَقْل) حَكَم في العلاقات والقرارات، دون الهوى الذي هو نزعة إبليسية تغري بالذاتية بـ (أنا) و(القبائلية) و(الطائفية).

ليس المفكّر طائفياً، ولا قبائلياً، هو ابن أمته كلها، فوق التصنيفات، عقل (مثمر) فاعل للتغيير والبناء، يقوم على التفكير والتدبّر والتدبير، رائده الحقّ والحقيقة بموضوعية لخدمة أمة ووطن للنهوض بهما، في فضاءات الحريّة والعدالة والأخوة والمحبة والسلام!.

كلّ هذا وغيره استقال منه العربي اليوم أو أُقيل: جبراً أو اختياراً، يائساً يخنقه القنوط حتى من رحمة الله!، العياذ بالله!، في واقع شرع يصنعه بيديه في مجتمع (طلّق) عقله، فغُيِّب رجال فكره، حتى قبل عشرة قرون!.

Email : [email protected]

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X