المنتدى

مع موجة تغيير عالمية

بقلم: توجان فيصل

الديمقراطية ليست ترفاً ولا تشبهاً بالغرب، ولا هي منحة من حاكم للشعب، ولا تطاولاً من قبل الشعب على حاكمه.. هي باتت ضرورة بقاء للدولة بكل مكوناتها. فغياب الرقابة يؤدي للخطأ وللإيغال فيه حد اللاعودة. ولهذا انتشرت عبارة الرئيس التونسي بن علي “الآن فهمتكم”، وستمرر لأجيال عدة قادمة لأنها تختصر الثمن الفادح للفهم المتأخر وتنطبق على أمور كثيرة في السياسة وخارجها.

والمجالس النيابية تنتخب لتشرع وليس فقط لتراقب. وغياب القوانين أو سهولة خرقها أو التشريع الارتجالي والانفرادي، يماثل تبديل قوانين السير ونزع الإشارات المرورية أو حتى استسهال خرقها، إذ يودي بالسائقين ومركباتهم مهما كانت فارهة ومحصنة.. وهذا ليس تشبيهاً يهدف لتسجيل سبق أدبي، فكلمات مثل “القيادة” و”السير” و”المسار” و”الطريق” و”إعطاء الضوء الأخضر أو الأحمر” كلها دخلت قواميس السياسة وإدارة الدولة لكون الحالين متشابهين حد التطابق. كما تعابير “الشارع” و”البناء” و”البنية التحتية” و”الأسس” و”البيئة المناسبة أو غير المناسبة”، والتي هي تعابير تفتح أيضاً على القوانين الحاكمة في الجيوليجا وتنطبق بحتمية طبيعية – تاريخية على السياسة. ويقر بهذا كل المؤرخين، ولكن يستعمل تعابير التشبيه أكثر المؤرخين المثقفين، كالراحل الكبير محمد حسنين هيكل الذي ظل يؤكد على أن التغيرات السياسية، وصولا للثورات، تأتي كالزلازل والفيضانات لإعادة التوازن لبنية الأرض التي اختلت.

وقد يكون الاختلال في ذات الموقع الجغرافي أو في جواره القريب أو البعيد. وكلا التغييرين الحتميين يمكن رصدهما والتحوط من أضرارهما برصد “الهزات” أو “الانتفاضات” أو “الحراكات” التي تؤشر على القادم، وتعطي فرصة لتدابير تقلل من الأخطار وتتواءم مع الطبيعة التي يستحيل تغيير نواميسها. وأجهزة الرصد الأكثر فعالية كلها حديثة، من تقنيات رصد المؤشرات التي تسبق الزلازل، للتغيرات الإجتماعية والإقتصادية والثقافية وغيرها التي تمر بالأوطان والعالم وتصب في مجملها في خط التغيرات السياسية. والأخيرة رصدها الأحدث والأدق يقوم على قراءة نتائج صناديق الاقتراع بشكل رئيس، والاستبيانات واستطلاعات الرأي بشكل جزئي غير دقيق وقابل للتلاعب أو خداع الذات، كما ثبت في مفاجأة فوز ترامب على كلينتون بعكس ما قالت أغلب الاستطلاعات. ولكن العالم المتقدم- أي العاقل بغض النظر عن موقعه الجغرافي- كله وليس فقط الولايات المتحدة، انكب على دراسة مؤشرات صناديق الانتخاب الأمريكية على تغيرات تحدث في أقطار أخرى تفصلها عن أمريكا محيطات.. وقيل من بعض الأمريكان المطلعين أكثر على عالمنا العربي، أن فوز ترامب هذا من إرهاصات “الربيع الأمريكي”.

في عصر العولمة، وبخاصة عولمة المعلومة والخبر والتحليل، تتاح للشعوب إطلالات أوسع على كافة التجارب. والدول المتقدمة في نظمها السياسية تقر بأثر تغيرات في دول عالمثالثية على منظورها السياسي وتوجه شعوبها. ورغم توفر حرية الرأي وحرية الصحافة الآن بدرجات غير مسبوقة حتى في ذات الدول المتقدمة، وأيضاً نتيجة لمواقع التواصل الاجتماعي والتي لا يحجر فيها على رأي أي فرد في أية قضية سياسية أو عامة مهما كانت خطورتها.. إلا أن تلك الدول باتت تعمد لجس نبض شارعها عن طريق صناديق الانتخاب، بما يتجاوز الانتخاب للمنصب ذاته، لقياس التأييد الذي يتمتع به المرشحون المحتملون عن كل حزب. وهو ما يجري حالياً في فرنسا رغم كون أحزابها متأصلة من جهة، وكون سياسات كل حزب تدور في مساحة معينة ضمن التوجه الرئيس للحزب من أقصى اليمين للوسط لأقصى اليسار. فتلك التقسيمات لم تعد تعتبر ملزمة، كون خيار الشعوب هو الأهم، وسيغلب على الأحزاب التوجه المقبول من غالبية الشعب.

وجزء كبير من هذا التغير في موقف الناخبين في فرنسا وفي أوروبا يعود لتغيرات حدثت في عالمنا العربي، وأبرزها المؤثر في فرنسا هو الهجرة القادمة من سوريا، وقيام داعش وتوظيفها لذئاب منفردة داخل أوروبا، وتداعيات إسقاط نظام القذافي ودور فرنسا فيه، والأخير هو ما أنهى مستقبل ساركوزي السياسي وقد يكون أضعف حزبه. ومع ذلك نجد أنه في عالمنا العربي، لا تزال الأنظمة غير آبهة بمعرفة توجهات شعوبها. والأهم أن أغلبها مازال يعتقد أن باستطاعته أن يخط سياساته المحلية والإقليمية كلها كما كان يفعل في السابق بناء على معطيات قد لا تكون قائمة الآن. ولكن يبقى أن القوي و”المستريح” داخل بيته ومع أهل بيته، هو الأقدر على مواجهة أي تغيرات إقليمية أو دولية. ولكن تلك الراحة لا تتأتى بدون معرفة ما يفكر به أهل البيت وما يشعرون به.. كي لا يكون الشعور بالراحة أقرب للتخدير الذاتي أو تخدير تقوم به الحاشية.

وبمجمله يلزمنا أن نقر بحتمية التغيير كقانون طبيعي وأن لا نخشاه، كون معاندة الطبيعة ومسار التاريخ تقتل صاحبها. والسياسة هي فن الممكن، ولا ينجح فيها إلا من يعرف حدود ذلك الممكن وطبيعته المتغيرة.

كاتبة أردنية

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X