كتاب الراية

مرايا .. الأحساء وثمرة اختلافها الفقهي

وجود المذاهب الفقهية الأربعة في الأحساء كما في مدن إسلامية كثيرة، جعل للمدينة صبغة دينية لا يعرفها إلا من عايشها عن كثب، حيث رفد ثقافة الأهالي بآفاق أرحب للحوار وتقبل الآخر، ففي بعض مساجدها يُلاحظ المصلون أن إمامهم يجهر بالبسملة في الفجر والعشاءين، خلافاً لأئمة المساجد الذين ُيسرون بها، هذا الاختلاف وإن بدا لافتاً، خاصة للوافدين من خارج المدينة، إلا أنه ليس غريباً على أهلها، وهو وإن يكن قولاً مرجوحاً لدى الجمهور إلا أنه مقدر من فقهاء المذاهب الأخرى، ولذا فهو لا يدعو إلى مناصحة أو نهي عن منكر، وقد بات معلوماً أن الجهر بالبسملة علامة فارقة لاجتهاد فقهي معتبر لدى الشافعية، كما بات معلوماً أن القنوت سراً أو جهراً في صلاة الفجر هو الراجح لدى المالكية والشافعية، وكذا تأخير صلاتي الفجر والعصر إلى آخر وقتيهما عند الأحناف، أما لحم الإبل الذي يراه الحنابلة ناقضاً للوضوء فهو غير ناقض لدى الأحناف والمالكية والشافعية، وإذا ما اتفقت مقاصد الأحسائيين في الذهاب إلى الحج فلابد أن تختلف أنساكهم ما بين حنفي مقرن، ومالكي وشافعي مفردين، وحنبلي متمتع.

هذه الاختلافات الفرعية بين المذاهب الأربعة كثيرة جداً، وهي وإن بدت بؤر تنافر واختلاف إلا أن المجتمع الأحسائي لم يشهد عبر تاريخه أي نوع من التأزيم والخلاف بسبب تلك الاجتهادات الفقهية، بل كان ولا يزال متسامحاً ومتصالحاً لأبعد الحدود، حتى بات من المألوف أن يُرى طالب علم مالكي يأخذ العلم عن فقيه شافعي أو العكس، وأحياناً نرى بعض من يشق عليه العمل بمسألة في مذهبه يدعها ليعمل بما يتيسر له في مذهب آخر، كدلالة على التسامح وعدم التعصب للمذهب المتبع.

ورغم أن “الناس على دين ملوكهم” كما يقال إلا أن أئمة الدولة السعودية في الماضي والحاضر كان لهم دور في إرساء التسامح وعدم التعصب المذهبي، ففي الدولة السعودية الثانية عمد الإمام فيصل بن تركي لدى تجديده لمسجد الإمام سعود بن عبدالعزيز في الهفوف إلى جعل الإمامة فيه لأسرة مالكية المذهب، وذات الشيء عمله لمسجده في المبرز الذي عهد بإمامته لأسرة شافعية، رغم وجود علماء وطلبة علم حنابلة في كلا المدينتين، وعلى هذا النهج سار أبناؤه من بعده، حتى جاء الملك عبدالعزيز فاستقضي من أهل الأحساء قضاة ينتمون لأسر حنفية ومالكية وشافعية، وهو ما يكرس صفة التسامح المنشود.

الاختلاف هو ما نحتاجه وليس الاتفاق في الفتاوى والاجتهادات والآراء، والمجتمع المسلم في قرونه الفاضلة عاش مختلفاً ولم يكن متفقاً في كل شيء، وحين ألف الإمام مالك الموطأ وأراد هارون الرشيد حمل المسلمين على العمل به نهاه مالك لأن الاختلاف هو ما ينبغي أن يكون وليس الاتفاق!.

Twitter:@almol7em

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X