كتاب الراية

مرايا .. الأوروبيات.. حريات بلا حقوق!

قمة العدل والرقي والشفافية أن تُعامل الناس كما تُحِب أن يعاملوك، والمُتابع للشأن السعودي يلاحظ أن جمعيات حقوق الإنسان، والدفاع عن الحريات في أوروبا وأمريكا، لا تفتأ تبدي قلقها حيال أوضاع المرأة السعوديّة، ومن وقت إلى آخر توجّه نقدها إلينا، إزاء ما تصفه بمعاملتنا المُهينة للمرأة، ومصادرة حقوقها، والتضييق على حريتها، وعدم مساواتها بالرجل، ومآخذ كثيرة يصعب حصرها، إلى جانب نقد رؤساء ومسؤولي حكوماتهم!

 

التلاقح الثقافي مطلوب، والنقاش الفكري في زمن العولمة ضرورة، لكننا بكل أسف نستقبل ولا نرسل، ما يجعل تواصلنا مع الآخر ضعيفاً واهناً، لا أدري لماذا نقف سلبيين إزاء الدفاع عن حقوق المرأة الأوروبية والأمريكية، لماذا لا نبدي انزعاجنا للأوضاع المزرية التي تعيشها في أوطانها، التي تعتقد أنها الأنموذج والمثال، الذي ينبغي أن يُحتذى، وهو أسوأ ما يكون، ثمة فرق بين الحريات والحقوق، المرأة الغربية تمارس حريتها كاملة، لكن حقوقها منقوصة مستلبة، ولا بد أن يكون لنا دور في الدفاع عنها، كما تطوّعوا هم للدفاع عن حقوق نسائنا؟!

 

كم أتمنّى لو يقوم بعض المسؤولين السعوديين، وجمعيات حقوق الإنسان، وأعضاء من مجلس الشورى، وبعض المثقفين والكتّاب لزيارة دول الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية، لعقد مؤتمرات إعلاميّة، تُدعى لها وكالات الأنباء، والقنوات الفضائيّة، والصحف والمجلات، لنسجل فيها انزعاجنا للمعاملة المُهينة التي تُعامل بها المرأة الأوروبية والأمريكية، ولنطالب بإنصافها من الظلم الواقع عليها، سنقول لهم: لماذا تُعطى المرأة أجراً شهرياً أقل من الرجل، وهي تحمل نفس مؤهلاته العلميّة، وتقوم بنفس عمله الوظيفي كما في فرنسا؟!

 

لماذا تُمتهن كرامتها، وإنسانيتها، ومشاعرها، وأحاسيسها، في أسواق نخاسة الجنس، والدعارة، وصناعة الإفلام الإباحيّة، حتى تغدو سلعة رخيصة لكل طالب متعة، وليس إشباعاً لغريزتها باختيارها مع من تحب ؟! هل من حقوق الإنسان أن تُبتذل آدميتها بتسويقها كسلعة في سوق الإعلان، للترويج للبضائع، التي يتم اختيار الحسناوات لها، وكأنكم تقولون للرجل أنت حيوان غريزي، شبق بالنساء، انظر لهذه الحسناء، أي نوع من التجارة تعرضه لك ؟!

 

لماذا تصادر أعرافكم البالية هوية المرأة بعد الزواج، فتجرد من اسم عائلتها وتنسب لزوجها، وتاريخياً لم يفرض هذا على المرأة إلا في زمن الجواري والرقيق، لذا يجب سنّ القوانين التي تحظر إلغاء شخصية المرأة، للحفاظ على استقلاليتها، كما يجب سنّ القوانين التي تحميها من جشع كل زوج يُلزمها بالإنفاق على المنزل، والمفترض إعفاؤها من ذلك، وإلزام الزوج بجميع النفقات إلا ما تدفعه راغبة مختارة بطيب نفس منها.

 

بالأمس سجل البروفيسور محمد البشر ملاحظته على لقاء لهيلاري كلينتون في قناة CNN، قالت فيه: إن كراهية النساء misogyny أثرت عليّ في الانتخابات الرئاسيّة، وهو ما يؤكد وجود الكراهية ضد المرأة في بلادها وفي أوروبا أيضاً، وهو ما يدعونا للدفاع عن حقوقها، وإذا تمّ هذا فأعتقد أن معظم النساء الأوروبيات والأمريكيات، وأن كثيراً من المدافعين عن حقوق المرأة، وحقوق الإنسان؛ سيقفون معنا.

 

أما المرأة السعودية التي تتباكون على مظلوميتها فقد أنصفتها الكاتبة الأمريكية «زوي فيراري» التي عاشت في «السعودية» عاماً، وعرفتها عن قرب دون وسطاء، وفي كتابها: نظرة من الداخل على الحياة السعودية، عبرت عن شفقتها على الرجل السعودي، جراء ما يتحمله من مشاق ومكابدة في حياته اليوميّة، واصفة إياه بالمظلوم، مقارنة بالرجال في بقية أنحاء العالم، فيما وصفت المرأة السعودية بقولها: «في البداية شعرت بأن المرأة السعودية ‏مظلومة، لكن مع الوقت بدأت أشعر بالأسى تجاه الرجال السعوديين، الذين يعملون طوال اليوم، ثم يعودون إلى منازلهم فيصطحبون ‏زوجاتهم إلى الأماكن التي يرغبون الذهاب إليها، إنه حمل كبير من المسؤولية ‏يُلقى على عاتق الرجل السعودي»!

 

بغض النظر عن الجنس، واللون، والعرق، والدين ما أحوجنا لنصرة المظلوم في كل مكان، وأعتقد أن المرأة الفلسطينية المشرّدة، والسورية المرملة، والعراقية المقتولة تحت الأنقاض، أحوج لنصرتكم من المرأة السعودية، التي جرى تعميم سوء معاملتها من قبل البعض كما لو كان ذلك الفعل الشاذّ هو القاعدة، فيما تم تجاهل المكانة المرموقة للكثير من السعوديات، وبالمناسبة المرأة الفلسطينية والعراقية والسورية وكثير من نساء العالم يقدن سياراتهن، لكنهن لا ينعمن بما تنعم به المرأة السعودية من ترف ورفاهية وسعادة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X