كتاب الراية

المحتال وحلف الحصار

المحتال من يدبّر المؤامرة ضدّ قطر من خلف الستار

التاريخ لا يُعيد نفسه وإنما أفعال البشر

الطّمع أعمى قلبه وغيّب عقله عن إدراك الخديعة

  • من يسهل خداعه مرّة يمكن خداعه آلاف المرّات
  • غياب العقل يعطل الحواس ويفقدها وظيفتها
  • تجاهل الشر وإن صغر يشبه تجاهل شرارة اللهب
  • من لا يملكون الوعي مصيرهم الضياع

التّاريخ لا يُعيد نفسه. وهو تقريرٌ يُخالف كلّ ما دأبنا على قراءته أو الاستماع إليه. الحقيقة أنّ الفعل الإنسانيّ هو الذي يُعيد نفسه؛ لأنّ الفعل الإنسانيّ مُنذ بدء الخليقة وحتّى الآن لم يتغيّر. لذلك فإنّ “الثّيمات” أو الأفكار الرّئيسيّة لكلّ الأعمال الإبداعيّة الماضية واللاحقة، لا تتعدّى في اعتمادها إلّا على حوالي 32 “ثيمة” دراميّة فقط. المُتغيِّر الوحيد هو المُعالجات، أو طريقة تناول وعرض تلك الأفعال الإنسانيّة الثّابتة في عرض دراميّ وَفْقَ صياغةٍ جديدةٍ مُتغيِّرةٍ. وبما أنّ الفعل الإنسانيّ ثابتٌ بين الوفاء والخيانة، والبرّ والعقوق، والكرم والبخل، والشّجاعة والجُبن،………. وهكذا فإنّ المُتغيّر هو الصّياغات أو المُعالجات المُختلفة لذات الفعل. من أجل ذلك فإنّ التّاريخ لا يُعيد نفسه، بقدر ما تُعيد الأفعال الإنسانيّة ذاتها. ولو أنّ البشر بعد كلّ تلك المعارف التي حصّلوها، وكلّ تلك الكتب التي قرأوها، والدراما التي شاهدوها وصلوا للوعي المطلوب لما تكرّر أيّ فعل كما هو. لذلك فإنّ القصص وهي أساس الخطاب القرآنيّ وهي الأكثر تأثيراً، تأتي لتؤكّد أنّ الفعل الإنسانيّ هو المُتكرّر، وأنّ التّاريخ لا يُعيد نفسه بالضّرورة فعليّاً أو مجازيّاً.

المُحتال:

جرت أحداث الحكاية في زمانٍ ومكانٍ غير مُحدّدَين، في إحدى المُدن المُزدهرة الواقعة على هضبة عالية، تحدّها الصّحراء من جانب، والبحر من الجانب الآخر، ويمتهن أهلُها التّجارة والرعي إلى جانب الزّراعة والصّيد. قبيل الغُروب وصل رجلٌ مُحتالٌ مع زوجته من جهة غير معلومة. استأجر المُحتال بيتاً على أطراف المدينة واستقرّ فيه. وفي الصّباح الباكر راح المُحتال يحشي فمَ حماره -أعزّكم الله- بقطع النّقد الذّهبيّة، وساعدته زوجتُه في السّيطرة على عناد الحمار ورفضه ما يجري، حتّى لم يعدْ في فمِ الحمار مكانٌ يستوعب المزيد من النّقود.

فن الخداع:

انطلق المُحتال نحو السّوق، وأعلن هناك عن نيّته بيعَ الحمار، وعندما تجمّع حوله بعضُ مُرتادي السّوق لمُعاينة الحمار، لاحظوا أنّه كلما نهق تتساقط من فمه نقودٌ ذهبيّةٌ، فعجبوا من ذلك، وكان المُحتال يجمع النّقود في جيبه ويقول بشكل غير مبالٍ: إنّه كذلك مُنذ ورثتٌه عن والدي، لكنّه الآن كَبِرَ في السنّ، وبات ما يخرجه من نقودٍ ذهبيّةٍ قليلاً جدّاً مُقارنة بالماضي. حينها احتشد التّجار والمارّة وبدأوا يتنافسون في زيادة السّعر حتّى حصل على الحمار العجيب كبيرُ التّجار، بمبلغ خمسة آلاف دينار ذهبيّ. في مساء ذلك اليوم اكتشف كبيرُ التجار الحيلةَ الجَهنميّةَ التي راح ضحيتها، ولام نفسه لأنّ الطّمع أعمى قلبَه وغيب عقلَه عن إدراك الخديعة. ولم تكد تُشرق شمسُ الصّباح، حتّى كان التجار وكبيرُهم وحشدٌ من الموالين عند باب المُحتال. خرجت زوجته تسأل عن الخبر. أخبروها بأنّهم يطلبون زوجها في أمر عاجل، فقالت لهم إنّها لا تعرف مكانه، لكنها يمكن أنْ ترسل الكلب في أثره، فهو الوحيد الذي يمكنه العثور عليه وإعادته للمنزل. أدهشهم قولُها، ولم تمضِ ثوانٍ حتى أخرجت كلباً يتفلت للانطلاق، وعندما حلّت الحبل عن رقبته ولّى بسرعة نحو جهة مجهولة. وزاد من دهشة القوم أكثر عودةُ الزوج بعد قليلٍ يجر معه الكلب. وفي تلك اللحظة ولأنّ آفة الإنسان النسيان، ومنها جاء اسمه، نسِيَ التّجار ومن معهم أمرَ الحمار وراحوا يتنافسون لشراء الكلب العجيب. حسم المزاد أحد التّجار ودفع ثلاثة آلاف قطعة ذهبيّة.

إحياء الموتى:

وكان المُحتال وزوجته يدركان أنّ من يسهل خداعه مرّة، يمكن خداعه آلاف المرّات. لذلك سبق أنْ احتجزا كلبين ضالّين يشبهان بعضهما جداً، وبالطّبع عندما أطلق التّاجر الكلب ليجربه ولّى ولم يعقّب. ذهل القومُ من دهاء ذلك المُحتال، فذهبوا لبيته بحشدٍ أكبرَ يطلبونه. أخبرتهم الزّوجة أنّه خرج ولا تعرف موعدَ عودته، فقرروا البقاء في انتظاره حتى يعود. لم تمضِ دقائقُ حتّى أقبل المُحتال عائداً، وحين شاهد القوم لم يعطِهم فرصة للحديث وراح يصيح بزوجته: تبّاً لك، كيف تتركين القوم الأفاضل ينتظرون هكذا، دون القيام بواجب ضيافتهم؟ فصاحت فيه بدورها: تبّاً لك أنتَ، وكيف لي صنع القهوة لكلّ هؤلاء القوم؟ زاد جدالُهما وعلت أصواتُهما، فما كان من المُحتال إلا أنّ أخرج خنجراً وطعن به زوجته فسقطت نازفة بلا حراك. شلّت المُفاجأة ألسنَ القوم، وعندما بدأ بعضهم بلومه على تهوره وخطيئته التي اقترف، طمأنهم بقوله: لا عليكم، فعلتها عدّة مرّات من قبل، هذه طريقتي في تلقينها الأدب، إذا تجاوزت حدودها معي. ثم أخرج من جيبه مزماراً وراح ينفخُ فيه كيفما اتفق، ولم يكد القوم يصدّقون أعينهم، عندما نهضت المرأة كأنّ شيئاً لم يحدث، وأسرعت تعتذر من زوجها وتشكره على إعادتها للحياة مرّة أخرى، وهرعت مسرعة للداخل لتعدّ القهوة وواجب الضيافة للقوم. ولأنّ غياب العقل يعطل الحواس، ويفقدها وظيفتها، استطاع المُحتال بخفة يده وأسلوبه المقنع خداعَ القوم من جديد.

حسم الأمر:

وهذه المرّة أيضاً نسِيَ القوم ما مضى وراحوا يتنافسون لشراء المزمار. واشتراه أحدهم بألفي دينار، وعندما عاد لمنزله طعن زوجته وظلّ ينفخ في المزمار عند رأسها طوال الليل دون فائدة. خجل من أن يكشف تعرضه هو الآخر للاحتيال، ولم يمانع إعارة المزمار لأحد جيرانه. وتكرّر الأمر حتّى هلكت أغلب نساء المدينة. عندها أدرك القوم أنّه مُحتال بشكل لم يسبق لهم رؤيته، وأنّهم إنْ لم يتخلصوا منه بسرعة، فسوف يقضي عليهم جميعاً. تجاهل الشّر وإن صغر يشبه تجاهل شرارة اللهب الصّغيرة التي يمكن أن تحرق بلداً بالكامل. وبالفعل أوكلوا المُهمّة لمجموعة مُختارة من الأشدّاء ضِخام البنية، فانطلقوا من فورهم نحو بيته، باغتوه وهو نائم ووضعوه في كيسٍ كبيرٍ من الخيش وربطوه جيّداً، وانطلقوا به نحو سفح الهضبة لرميه في البحر والتّخلص من شرّه. ولكن المُحتال لم يستسلم، وظلّ يصرخ ويستغيث طوال الطّريق، وعند انتصاف النّهار ضجر القوم من كثرة صراخه، وتعبوا لطول الطّريق وثقل وزنه، فوضعوه بعيداً ولجأوا إلى شجرة وارفة الظّلال ليرتاحوا.

فضول الراعي:

سمع المُحتال أصواتَ أغنام وماعز على مقربة منه، فزاد في صراخه واستغاثاته. اقترب منه راعي القطيع وتساءَل بفضول عن سبب ربطه بداخل الخيشة، وعن حاجة القوم تحت الشّجرة منه؟ فأوهم المُحتالُ الراعيَ بأنّه مطلوب للزواج غصباً من ابنة كبير التجار بالإكراه، وأنّه رغم ثرائها وجمالها إلا أنّه يعشق ابنة عمّه، ويفضّل الحياة في فقر معها على حياة الغنى والترف بعيداً عنها. صدّقه الراعي الفضولي وأعجبته فكرة الدّخول بدلاً عنه في الخيشة ليحظى بالمال والجمال، وبعد أن دخل الراعي في الخيشة، ربطه المُحتال وساق أغنامه عائداً إلى بيته.

البحر المسحور:

أُصيب القومُ بالذّهول حين علموا بعودة المُحتال بعد رميه في البحر. لكنه أنساهم كل شيء عندما أخبرهم بأنّه أنقذ من قبل حورية بحر رائعة الجمال، وأنّها أعطته نقوداً فقرر شراء قطيع الأغنام ليعيش بطريقة شريفة. وأضاف إنّ الحورية أخبرته بأنّ ذلك الجانب من البحر مسحور ولا يمكن لأحد أن يغرق فيه، لأنّه بحر “الفرصة الثانية”، وأنّه لو كان ألقي على مسافة أبعد فإن أختها الكُبرى كانت ستنقذه وتعطيه نقوداً أكثرَ، وبعد كل مسافة توجد أختٌ أكبرُ ونقودٌ أكثرُ. لم يكذّب القومُ خبراً وانطلقوا بثيابهم يعانقون أمواج البحر، ويوغلون نحو لُجّته البعيدة للوصول إلى الحورية الكبرى.

مَن يُشبه مَن؟

لم يعد أحدٌ من القوم بالطّبع، وامتلك المُحتال مقاليد المدينة. لكن السّؤال الذي أودّ مناقشته مع القرّاء الكرام: مَن يُشبه مَن؟ بمعنى أنّ تفسيرات القصّة عبر المواقع والمدونات أنّ المُحتال يُمثّل الكيان الصهيوني، وزوجته هي أمريكا، وأهل المدينة المخدوعون هم الشّعوب العربية والإسلاميّة. لكنْ للقصّة في الواقع الرّاهن في ظلّ الأزمة الخليجيّة وقعٌ آخر عند القراءة أو الاستماع. لذلك سيقودنا الخيالُ بالضّرورة لإسقاط شخصيّات القصّة على حلف الحصار ومن يساندهم. فلمَ لا يكون المُحتال هو من يدبّر ويحرّك المُؤامرة ضدّ قطر من خلف السّتار. كما يمكن أيضاً اللعب على إسقاط جميع شخصيّات القصّة على واقع الأزمة الخليجيّة، لنرى من هو المُحتال؟ ومن هي زوجته؟ ومن هو الجدير بينهم للعب دور الحمار؟ ومن يكون الكلبان؟ ومن هو الراعي؟ ويُمكن أيضاً البحث في مَن يكون أوّل المخدوعين؟ ومن تلاه في الخديعة وهكذا، فالأمر مفتوح لخيال المُتلقّي بلا حدود.

خاتمة:

الأمانة الأدبيّة تقتضي الإقرار بأنّ القصّة التي أوردتها ليست من بنات أفكاري، إنما هي من التّراث الشّفاهي المنقول. بحثتُ عن مصدرها، لكن لم أجد إلا تكراراً لذات الحكاية في العديد من المواقع والمدوّنات. وسواء كانت الشّخصيّات والأحداث حقيقيّةً جزئيّاً أو كليّاً، أو أنّها مُتخيَّلة بالكامل، فإنّ ما يعنيني منها العظة التي يمكن الخروج بها. والدّرس الكبير الذي يحذّر البلهاء، فمن لا يملكون الوعي مصيرهم الضياع. لأنّ الذي يُصدّق “المحتال” كمن يصدّق السّراب، أو كالذي ينتظر جني العنب من أرض مزروعة بالحنظل.

تغريدة:

الذي لا يرى الحقائق كما هي، ويواصل إعادة وتكرار افتراءات وتفاهات المُرتزِقة عن قطر كالببغاء؛ إما متآمر أو مكابر أو “عديم الذكاء”. !!!

 

@Saoud_Ali_

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X