كتاب الراية

دراما الحصار.. سقوط تراجيدي

 

·        الكون يفقد اتزانه حتى تتحقق العدالة الشعرية

·        شهد «عطيل» سقوطه ودفع ثمن غبائه

·        مواقف قطر ستكون مضرباً للمثل لأجيال قادمة

·        كل تهم «أوديب» لخصومه عادت إليه

·        يموت «لير» لأنه فقد ملكه وفقد احترامه لذاته

·        قرار الحصار أثبت الواقع قبل التاريخ خطأه الفاحش

·        من فشل في نقل الفعل إلى فشل أكبر في التطبيق

 

من المُهمّ أنْ نعلمَ في البداية أنّ الدراما ببساطة هي: التجسيد. بعكس السرد، سواء كان المُحتوى تراجيديّاً أو كوميديّاً. ولأنّ الدراما الإغريقيّة تتناول شخصيّات الأساطير بعظمتها وسحرها، فإنّ البطل التراجيديّ كان يتحلّى بتلك الصفات الإيجابيّة، لكنه ليس سويّاً تماماً. البطل التراجيديّ مُصاب بعيب يؤدّي به إلى «السّقطة التراجيديّة»، ومن صفاته التعجّل في اتخاذ القرار بلا تفكير جيّد، وأسوأ ما فيه الإصرار على قراراته الخاطئة التي تودي به إلى مأساته الكُبرى. وليست مأساته في الخسارة والفضيحة فقط، وإنما لكون البطل التراجيديّ دائماً يبقى حيّاً يشهد سقوط أحبابه ومن حوله تباعاً، ويدفع ثمن غروره وعناده موتاً قبل الموت. والجدير ذكره أنّ “اللعنة” التي تصيب البطل التراجيديّ تمتدّ عبر ثلاثة أجيال.

الحصار:

لن أخوضَ هنا فيما سبق وقُتل بحثاً حول الأسباب السياسيّة والاقتصاديّة، التي أدّت إلى الحصار القبيح على قطر، ولا عن تداعياتها الإنسانيّة التي يصعب علاجُها على المدى القريب. لكن سأحاول تطبيق نظرية السّقطة التراجيديّة على سيناريو الحصار الغاشم.

يتشابه «حلف الحصار» وأبطال التراجيديا من حيثُ ما يسمّى بـ «الهمارتيا»، وهو مُصطلح يعني الخلل في تقدير الأمور. ولعلّ أبرز مثال تطبيقيّ شخصيّةُ «أوديب» المصاب بثُقب في كاحليه كدلالة على تعطّل وحدة القياس لديه، وذلك الخلل في التقدير يؤدّي لذات النتائج المأساويّة. والأمثلة كثيرة جداً، وسأكتفي بثلاث مآسٍ: “أوديب” سوفوكليس، و”الملك لير” و”عطيل” بطلي شكسبير، وسأعرض لسقطات الثلاثة باختصار، لأنّ مجموعها يُمثّل سقطة «حلف الحصار» من عدّة أوجه. سقطة أوديب تركّز على التهوّر والعناد، ولير قتله حبُ الإطراء والمديح، وعطيل هلك بسبب الاستماع والاتباع دون تفكير.

أوديب:

«حلف الحصار» لديهم خلل في التقدير، يضاف إليه تهوّر وغرور غبيّ، فأصرّوا على تنفيذ قرار أثبت الواقع قبل التاريخ خطأه الفاحش. ورغم كلّ الدلائل التي تثبت خطأهم الجسيم، إلّا أنّهم كتبعات للسّقطة التراجيديّة الأولى يَمضون بعناد الأطفال في قرارهم. ولم يبتعدوا عن خطى أوديب الذي أصرّ بغرور على البحث عن القاتل الذي تسبّب في وباء الطاعون الذي حلّ على مدينة طيبة، وهو لا يعلم أنّه القاتل المطلوب. أي أنه ظلّ طوال المأساة يبحث عن نفسه، و«حلف الحصار» تفاجأ بأنّه المُحاصَر لا قطر. فكلما اتهم «الحلف» قطر بتهمة عادت التهمة وأثبت الواقع أنها تنطبق عليه.

الملك لير:

الأمر ذاته ينطبق بشكل أوضح على تراجيديا «الملك لير» الذي أعمته العظمة وحبّ المديح إلى تجاهل مشاعر ابنته الصّغرى الصّادقة، ورمى نفسه في حضن ابنتيه المنافقتين اللتين تقاسمتا مملكته الكبرى، ومن ثمّ أذاقتاه مُرّ العيش بالتدريج حتى ألقيتا به إلى المجهول، عجوزاً ضعيفاً، وحيداً في خضم عاصفة مُزمجرة. فهامَ على وجهه في العراء يصارع بيأس ويدفع الثمن ندماً وعذاباً قاسياً. ولم ينقذه في النهاية إلا ابنته الصغرى التي تحتويه وتُؤويه من جديد، لكنه يموت كمداً لأنه فقد ملكه، والأهم درامياً أنه فقد احترامه لذاته.

عطيل:

عطيل كان فارساً لكن سقطته، أو عيبه الذي سيؤدّي لسقوطه يتمثّل في الشكّ، الارتياب بشكل مرضيّ، ما يجعله يعطي أذنيه لكل واشٍ أو ناقلِ أحاديث. والمصيبة أنّه ينساق وراء ما يسمع دون وعي وتبصّر، يجري خلف وهم زيّنه في عقله واشٍ حاقدٌ. الأمر الذي أدّى به لقتل حبيبته «ديزديمونة» بيديه، وانهار نادماً لخسارة كلّ شيء بعد أن أدرك خطأه المأساوي، وشهد سقوطه ودفع ثمن غبائه.

الدراما الحقيقيّة:

وكما ظهر في العصر الحديث نصوص يطلق عليها “مسرحية داخل المسرحية”، وتعني وجود حكاية صغيرة بداخل الحكاية الكبيرة. وبذات المنطق الدراميّ يبدو أنّ الذي يجري في الخليج، رغم خطورته فهو لا يعدو كونه دراما صغيرة بداخل الدراما الكُبرى التي تعمل على تحطيم وتقسيم باقي المنطقة، لتكون مهيأة للكيان الصّهيونيّ الذي يسعى للسيطرة والهيمنة عليها، بحسب ما يُؤمنون به ويسعون لتحقيقه من زمن بعيد.

و«حلف الحصار» يحلم بالمُشاركة، ويتسابق لاستبدال العزّة بالخضوع، والبحث عن موقع “الخادم المقرّب” في العالم الجديد الموعود. بعد تحقيق صفقة القرن، التي تسعى لإنهاء القضية الفلسطينيّة. ولإيقاف الصراع العربيّ الإسرائيليّ وتحويله إلى تطبيع كامل، وإن بدأ تدريجياً.

عدالة دراميّة:

نظرية الدراما منذ الإغريق، مفادها أنّ أيّ خلل يحدث في أيّ مكان في العالم، مهما كان الخلل صغيراً، فإنّ الكون بكامله يختلّ ويفقد اتزانه، حتى تتحقق العدالة الشعريّة، أو العدالة الدراميّة. وبذات المنطق وكما أنّ “العدالة الشعريّة” تتحقّق في الدراما، فهي حتماً تتحقّق في الواقع. وفي التاريخ لنا شاهد، فهو المُعلِّم الذي تتكرّر بين جنباته الأفعال والأخطاء الإنسانيّة.

خاتمة:

يبدو أنّ قَبول الشّارع المحليّ والمُجتمع الدوليّ لدراما الـ “لا معقول” التي تجري في مصر، بفعل حاكمها الحالي، وشاهد «حلف الحصار» بأنّ النظام المصري ينتقل ببركة دعمهم من كذبة إلى أخرى بسفور تام، وإن كان ذلك يثير التذمّر، وربما السّخرية، لكنه مع الوقت يتمّ الاعتياد عليه. وهو ما أعجبهم في تجربة السيسي، فنقلوا ذات السيناريو وحاولوا تطبيقه بحذافيره سياسياً وإعلامياً، ما أدى بهم من فشل في نقل الفعل، إلى فشل أكبر في التطبيق.

تغريدة:

كلما زادت مدّة الحصار على قطر، شهد العالم عزاً وشموخاً وأخلاقاً، ستكون مضرباً للمثل لأجيال قادمة.

: @Saoud_Ali_

               

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X