كتاب الراية

كوميديا الحصار

لا يوجد شيء مباشر في السياسة والفن

الدراما والسياسة على النقيض في المبادئ والتطبيق

شخصيات الكوميديا ديلارتي لها صفات وأفكار محددة

«حلف الحصار» لهم أنماط ثابتة شكلاً ومضموناً

الاتهامات والمطالب الساذجة.. تكرار كوميدي

افتراء وتفاهات «حلف الحصار» لا تكفيها صحيفة كاملة

بناء قطر للإنسان أثمر نتائجه المبهرة خلال أيام الحصار

القطريون شكلوا كتائب طليعية ضد «المتنمرين» وأذنابهم

تكاتف الشعب بكل أطيافه نافس الجبال في الشموخ

 

سأحاول عبر السطور القادمة أن أعرض للقراء رؤيتي لما يجري حالياً عبر مقاربة بين كوميديا عصر النهضة «كوميديا ديلارتي» والواقع السياسي الحالي عبر عدة محطات: سأبدأ بمقارنة بين الدراما والسياسة، سأعرّف بعدها بفن الكوميديا ديلارتي تمهيداً لمقارنة شخصياته الهزلية بدول «حلف الحصار».

الدراما والسياسة

كل كيان إداري، سواء كان مؤسسة، وزارة، دولة أو اتحاداً لمجموعة من الدول، لا بد له من ثلاثة أمور أساسية: «أهداف يسعى لتحقيقها، استراتيجية بخطوات عملية للوصول، سياسة تتمثل في الطرق والأدوات». وهو الأمر الذي يتشابه إلى حد بعيد مع الدراما. لأن الفنون والآداب (مسرحية، رواية، فيلم، قصيدة، لوحة…) تسعى لتحقيق رسائل وأهداف بعينها، تكون ضمن استراتيجية محددة سلفاً، عبر (الكلمة، الصورة أو اللون)، التي تعتبر أدوات أو سياسات العمل الإبداعي. كما أن تكوين وثقافة وأهداف الشخصيات الدرامية تحدد مآلاتها بشكل منطقي، وهو ذات الواقع الذي يحكم عالم السياسة.

نوايا وأهداف

أضف إلى ما سبق أنه لا يوجد شيء مباشر في السياسة والفن، بل إن المباشرة تُعد عيباً يلحق بالسياسي أو الفنان. فالفن الساذج هو الذي يحاول نقل الحياة أو أجزاء منها إلى خشبة المسرح أو الشاشة كما هي، الفن لا يستنسخ الحياة بشكل فج ومباشر، بل يستعير عناصرها لخلق عالم موازٍ أقرب للمثالية وفق «العدالة الشعرية»، مما يحفز المتلقي للسعي لإصلاح واقعه، وليقترب من ذلك العالم الموازي. الفن لا يصرّح بأهدافه، ولا يقدم أفكاره سردية مباشرة كالعظة أو المحاضرة العلمية، إنما يجسد أفكاره، ويكني عنها عبر المواقف والأحداث. ومع الفارق في النوايا والأهداف، كذلك السياسي لا يتحدث بالحقائق الواضحة مباشرة، لكنه يغلف كلماته بالوعود، ويطلي وعوده بالاحتمالات، ويبني أمام احتمالاته الصعوبات.

مفارقة كاشفة

لعل فيلم: «بولورث» خير مثال على عدم منطقية المباشرة والصراحة في عالم السياسة. تدور الأحداث حول السياسي «بولورث» الخاسر في الانتخابات الذي يقرر الانتحار، لكن حتى لا تحرم ابنته من ميراثه إن هو انتحر، يتعاقد مع شخص ليؤجر من يغتاله. وخلال انتظاره الموت ولأنه لم يعد لديه ما يخسره يبدأ بالتصرف عكس كل السياسيين المنافسين، فلم يعد يكذب أو يلوّن كلماته لخداع الناخبين كما هو مألوف، لكنه بدأ يتحول ليصبح صريحاً مع ناخبيه صادقاً في التعاطي وقضاياهم الحقيقية الملحة. ذلك التحول غير المألوف في عالم السياسة يشكل المفارقة التي تعزز طرافة الأحداث، كما تكشف دهاليز السياسة والانتخابات كما لم يرها أحد من قبل. تلك المفارقة تزيد شعبيته بشكل كبير جداً، ويُصبح نجماً ويعود بقوّة إلى صدارة المنافسة الانتخابية.

طرفا نقيض

وكما أن هناك الكثير من المتشابهات بين الدراما والسياسة من حيث الشكل والتكوين، لكنهما على النقيض من حيث المبادئ والتطبيق. فالدراما تسعى للكشف وتسليط الضوء على القضايا الهامة، وتنوير عقول المتابعين وحثهم على التحرر والتفكير. بينما في المقابل السياسة تسعى للتغطية على القضايا الهامة وتشتيت الانتباه، وإخفاء المعلومات، والدعوة للطاعة والخضوع وعدم التفكير في كل شيء. وفي ذات السياق فإن الدراما تعتمد العدالة الشعرية التي تنصف الجميع، والدعوة لخلق واقع أقرب إلى المثالية. بينما السياسة سمتها السفور في المواقف والممارسات، بغية الوصول لغايات – ليس شرطاً- أن تنتمي للعدالة أو الأخلاق.

الكوميديا ديلارتي

عندما تم تحريم المسرح في أوروبا في القرن التاسع الميلادي من قبل «بابا روما». بدأت محاكم التفتيش الكنسية بمطاردة وإعدام كل من تسوّل له نفسه ارتكاب خطيئة التمثيل. مما أدى بعدد كبير من الممثلين والفنانين إلى إعلان توبتهم جراء ذلك. وهرب آخرون إلى الضواحي والقرى البعيدة. وبعد فترة من حياة التخفي والهروب بدأ الممثلون يبحثون عن طريقة لممارسة فنونهم بعيداً عن سلطة القانون حينها، فتبلور فن شعبي في إيطاليا يسمى «كوميديا دي لارتي» وهو مصطلح له العديد من الترجمات، وربما أقربها دقة «الكوميديا الفنية المرتجلة»، وهي تعتمد في تكوينها على «النمطية الثابتة والارتجال المتغير»، بمعنى أن شخصيات الكوميديا محددة سلفاً مهما تعددت الأفكار والمعالجات الدرامية. وكل مسرحيات هذا الفن تدور في فلك مجموعة محددة من الشخصيات ذات الصفات والأفكار المحددة والمباشرة والمبالغ فيها حد الكاريكاتير، لكن بناء الموضوعات يبقى مفتوحاً لحرفية وارتجال الممثلين.

نمط وشخصيات

الكوميديا ديلارتي أبعد ما تكون عن مسرح الهواة، فهي تعتمد على ممثلين محترفين لأنها تتطلب مستوى عالياً من الأداء التمثيلي، وهي تستخدم كل عناصر العمل المسرحي. ومادة المسرحيات تدور في فلك قصة حب تجد معارضة قوية وعقبات اجتماعية، ويتدخل الخدم للمساعدة، ويتم خلالها انتقاد بعض الأوضاع الاجتماعية، وتنتهي دائماً نهاية سعيدة. ويذكر التاريخ تميّز الكثير من الممثلين في أداء شخصيات الكوميديا ديلارتي لأنهم تخصّصوا في أداء شخصيات بعينها على مدى سنوات وأجادوها بعبقرية.

ومن أهم شخصيات مسرح الكوميديا ديلارتي:

بانتالوني: الرجل المسن المتصابي، أو التاجر الثري البخيل، الذي يسهل خداعه.

دوتور: الطبيب الذي يكون عادة سكّيراً أو جشعاً.

كابيتانو: القائد الأسباني المغرور الذي يتغنّى ببطولاته، لكنه عند أبسط موقف يكشف مدى جبنه وكذبه.

إيناموراتي: العاشقان، وهما الشخصيتان الطبيعيتان الوحيدتان بين باقي شخصيات الكوميديا النمطية.

زانّي: مجموعة الخدم الحمقى.

هارليكوين: هو أشهر الخدم وأكثرهم شراً وتأثيراً.

مقارنة متخيلة

من يلاحظ تصرفات «حلف الحصار» سيلاحظ أنهم يسيرون وفق أنماط ثابتة من حيث الشكل والمضمون. كما أن التكرار -كمصدر للكوميديا- تجسّد في الاتهامات الساذجة أو المطالب الأكثر سذاجة. يضاف إلى ذلك كمية النكات التي صدرت عن رموز «حلف الحصار» وداعميهم مثل: («الإرهاب»، «حرارة البقر»، «المعدة القطرية»، «التعامل مع الجن»، «الشيزوفرينيا»،…) القائمة تطول لدرجة لو تم رصد مجموع الاتهامات والتفاهات التي صدرت في الأيام الماضية، أجزم أن صفحات جريدة كاملة لن تكفيها.

لن أخوض في إعادة تركيب شخصيات الكوميديا ديلارتي على أطراف حلف الحصار ومن معهم، كما يعتقد القارئ كنتيجة طبيعية للمقال، بل أدعو القارئ العزيز لإعمال خياله ليرى بنفسه كيف يمكن توفيق شخصيات كوميديا ديلارتي الهزلية النمطية مع شخصيات كوميديا الحصار؟ وربما يستطيع المتأمل لمجريات الأحداث رصد سمات كل طرف من منتسبي وداعمي «حلف الحصار» ويخرج لنا بأنماط كوميدية جديدة، لم تكن تخطر على بال.

شكراً للحصار

لو كان الحصار رجلاً لوجب شكره، لأننا اكتشفنا مدى حبنا لقطر، أو أن الأزمة جدّدت عشقنا المتأصل لبلادنا وأميرنا ورموزنا. وللحصار فضل كبير في لُحمة وتكاتف الشعب بكل أطيافه ومستوياته، استفزهم الحصار فوقفوا صفاً واحداً، ينافِسُون الجبال في الشموخ.

كما تفاجأ الجميع بمواقف إنسانية صادقة فاقت التصور من الإخوة المقيمين من مختلف الجنسيات والأديان. شكراً للحصار لأنه زاد من قوة وشعبية قطر، ولأنه كشف مدى كذب وزيف وهشاشة «حلف الحصار»، حيث يرى الجميع سقوطهم المتواصل، ويشهد العالم في كل يوم صعود نجم قطر.

خاتمة

يتشدق من يمثلون ويدعمون «حلف الحصار» بأنهم «صبروا على قطر على مدى عشرين عاماً» وهو الوقت الذي بدأت فيه قطر فعلياً تحويل استراتيجيتها واهتمامها نحو بناء الإنسان بشكل أساسي. وأثمر ذلك الجهد نتائجه المبهرة خلال أيام الحصار، حيث اكتشف القطريون عامة أن قطر لديها أساتذة في مجالات السياسة والثقافة والإعلام والاقتصاد، شكلوا كتائب طليعية وصدّوا هجمات «المتنمرين» وأذنابهم، بجرأة وبطولة لم يعهدها من يحاصرون قطر.

تغريدة:

مهما زاد الحصار، وتكشفت الأسرار، ستبقى #قطر أبية، شامخة، شوكة في حلق الفجار.

@Saoud_Ali_

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X