fbpx
كتاب الراية
"والله من وراء القصد"

هل أنت موظف قطري كفء وطموح؟… إذاً مصيرك الموت قهراً!!

مشكلتنا سوء إدارة رأس المال البشري وليس التمويل أو الرواتب

المواطن حامل البكالوريوس والمؤهل تكنولوجيا يعتبر في وطنه دون المستوى

البعض يجتاز برامج القيادات ليجد نفسه محلك سر أو في وضع أسوأ

نعم للأسف هذا هو الحكم الوحيد الذي يناله القطريون من ذوي الكفاءة والمؤهلات العالية خصوصاً من يعمل منهم في الوظائف الحكومية في أغلب مؤسسات الدولة. وهو حكمٌ صارم لا يقبل الاستئناف ولا التخفيف فإما الموت قهراً في وظيفتك عندنا أو “انتحر” شوفلك “مقبرة حكومية” أخرى!!

 دعوني أولاً أؤكد لكم أني لست أول من تناول هذا الموضوع وأبشركم أنه -ومن خلال ما نشاهد ونسمع في مؤسستنا الحكومية- فإني لن أكون الأخيرة! فالموضوع طُرِح ويطرح وسيطرح.. وتتم إثارته يومياً في شتى وسائل الاعلام والتواصل. طيب، حضرات السادة المسؤولين الكرام في الجهات المعنية؛ ماذا تنتظرون؟ وإلى متى نتكلم عن معاناة الموظفين القطرين حديثي ومتوسطي الخبرة -في الجهات الحكومية على وجه الخصوص-؟!

 إن ظاهرة المشاكل الإدارية في الدوائر الوطنية والحكومية منتشرة في كافة الدول حتى المتقدم منها كأمريكا وفرنسا، ولكنها مشاكل محدودة وطبيعية، لكن إحنا مشكلتنا أسوء ومردوداتها أخطر، فمشكلتنا لا تتعلق بالتمويل أو قلة الرواتب أو عدم تكافئ الفرص على أساس الجنس، بل مشكلتنا آفة خطيرة استشرت وتفحلت في الآونة الأخيرة، في حين أنه من المفروض أن تنعدم تماماً خصوصاً مع مساعي وتوجيهات قيادتنا الشابة المهتمة بشكل حقيقي ومباشر!

 مشاكلتنا الأساسية في مؤسساتنا الحكومية -معظمها إذا مش كلها!- هي: سوء إدارة رأس المال البشري. ولا يوجد ما هو أسوء من ذلك، فالرواتب والمباني والامتيازات والدورات كلها مقدور عليها وسهل معالجتها. لكن مالا يمكن علاجه إن عطب وما لا يمكن تقويمه إن انحرف وما لا يمكن بث روح الحيوية والطموح فيه إن فقدها هو النفس البشرية التي صدمت بالواقع المأساوي لنظم وآليات الإدارة والتعامل مع الموظفين في مؤسساتنا – خصوصاً مع القطريين الأكفاء والطموحين، نعم ألح وأصر عليها!-.

 تحدثت عن الضحية، والآن دعوني أحدثكم عن خطيئتها ومن ثم الجلاد والحكم في هذه المسرحية التراجيدية!

 ذنبك أيها الضحية أنك قطري كفء! فقد اجتهدت وثقفت نفسك ودرستلك تخصص مميز أو حتى تخصص عادي ولكنك عززت سيرتك الذاتية بدورات في مجلات متنوعة وبعد تعلمت لك لغة ثالثة غير الإنجليزي؟! يعني أنت تبي تكتسح رئيس قسمك والمدير إلي فوقه إلي هم يمكن بس على ثانوية أو ممكن خذو بكالريوس في مجال لا يخص العمل ويعود إلى حقبة الثمانينات (يعني يومنك للحين مانولدت) فكيف تجي أنت أحسن منه؟ وهو يشتغل فالوزارة من أكثر من 15 سنة!! هذه خبرة تأهله أنه يصبح مدير أو رئيس ويقرر مصيرك، عاد أنتو كيفكم يالموظفين المساكين تحته، الرجال عنده خبرة 15 سنة ونقطة! هل هي خبرة في قراءة الجرائد أو شرب الشاي والقهوة أو يجي المكتب يخلص أشغاله الخاصة وأمور عزبته فالشحانية.. المهم إن الرجال كان يداوم 15 سنة!! ما هي انجازاته؟ (على صعيد العمل لا شيء، على الصعيد الشخصي حقق الكثير!) كم موظف شاب هيء كصف ثاني ليخلفه؟ (صفر) -أصلاً من قالكم أنه ناوي يترك الكرسي لغيره! اشلون؟ والامتيازات والبدلات والوجاهة بين الناس.. اشلون يتنازل عنها بهالسهولة؟؟- وهنا يظهر لكم أعزائي القراء “الجلاد” الذي يمارس على الموظف القطري الطموح العذاب المؤبد والأشغال الشاقة والتقييمات الهابطة والحرمان من الدورات المميزة والمكافآت،، وغيرها من وسائل الحروب النفسية التي يجرمها المجتمع المهني! وتكون المصيبة أعظم وتكون الحرب بلا هواده ضد هذا الموظف إذا كان المدير الذي فوق رئيس القسم مثله ويمكن أسوء!! يعني العقلية والبروفايل مماثل بس عاد هذا أخبر لأن ممكن يكون له 20 سنة يداوم فالوزاة! وهذا هو الخصم والحكم؟

 توجد ظواهر سلبية كثيرة غيرها في إدارة رأس المال البشري عندنا، وقد طرحها كثير من الزملاء الإعلاميين فالقطري بمؤهلات كشهادة البكالوريوس وإلمام ببرامج الحاسب الآلي ولغة انجليزية ممتازة، يعتبر في “وطنه” دون المستوى؟ للأسف هذا تقييم المدراء إلي ذكرناهم سابقاً، وقد يضعون أجنبي أو عربي بنفس المؤهلات أو أقل(لأن في بعض الجامعات العربية أصبحت في الآونة الأخيرة أسوء بكثير من جامعة قطر وأساساً جامعة قطر ليس بها سوء!) لكن يبقى الأجنبي والعربي أفضل عند أولئك المدراء مرضى النفوس لأنه لا يشكل لهم تهديداً فهو سيمتثل لأوامرهم ليأمن شرهم ويبقى في عمله وراتبه ماشي!! أما القطري الذي طور نفسه وسعى في معاهد أكاديمية مرموقة ومنوعة ليثري خبرته (وفي بعض الأحيان على حسابه الشخصي) أملاً في أن يحظى بالفرصة المثلى ليخدم وطنه وليحقق طموحه ويكافئ تعبه فمصيره أن يصدم عند التقدم لوظيفة تناسبه بأنه فوق المستوى وأنه لا يلائم احتياجات الوزارة؟! طيب وين نروح؟! شنسوي في نفسنا؟! نسمع توجيهات قيادتنا وتشجيعها للعلم والعمل فتدب فينا روح الحماس ونُقبِلّ وما أن نصل لكوكب قطاعنا الحكومي حتى يبغتنا اليأس ونموت قهر من الصدمة؟؟ بالله عليكم من هم الرؤساء والمدراء في الإدارة الوسطى والدنيى في معظم الجهات الحكومية وكيف وصلوا لهذا؟!

 الحديث طويل ومتشعب ولكن للأسف أنا محدودة بالمساحة المتاحة لي للكتابة، فباختصار وكما تعودت في معظم مقالاتي سأطرح بعض الحلول مع الإشارة إلى جهتين حكوميتين مفروض أن يكون لهم دور فعال ومباشر في حل الأزمة قبل أن يتدنى أكثر مستوى القطريين العملين في القطاع الحكومي نتيجة سوء الإدارة وتهرب الكفاءات منهم للهيئات والمؤسسات وتصبح وزاراتنا الحكومية مكاتب للعرب والأجانب فقط!!

 وزارة التنمية الإدارية؛ استبشرنا خيراً بقرار تشكيلها كما استبشرنا خيراً بقانون الموارد البشرية الجديد ولكن الواقع وما أنجز إلى الآن غير مرضي أبداً!

 لن أناقش أمور أخرى الآن ولكني سأطرح حلولاً بسيطة لتعين الرؤساء والمدراء في الجهات الحكومية. لماذا لا توضع آلية وشروط واضحة للتأهل لإدارة قسم أو وحدة أو إدارة في جهاتنا الحكومية؟ ما الصعوبة في وضع شروط منطقية لكل درجة، مثل ما يحدث عند التقدم لدراسة الماجستير أو الدكتوراه فلكل درجة شروط وحد أدنى من الخبرة. ثم لماذ لا نعمل إنتخابات أو بالأحرى تصويت لاختيار المدير أي كانت درجة الإدارة الشاغرة، وذلك من خلال طرح اعلان داخلي أو خارجي أو الاثنين، بالوظيفة الادارية الشاغرة ويتقدم من تنطبق عليه الشروط ويجد نفسه مؤهل للإدارة، ثم تعقد لجنة بعد غلق باب الترشيح لمقابلة واختبار المرشحين، هذه اللجنة مكونة من الوزير أو رئيس هذه الجهة -لأنها لن تتكر كثيراً خلال السنة وعموماً من الرائع مهنياً أن يتعرف الوزير على مدراء الإدارات الوسطى والدنيى لديه ويختبر أهليتهم وليكونوا مسؤولين أمامه- أو من ينوب عنه ومدير الموارد البشرية وطرف ثالث من وزارة التنمية الإدارية ليشرف على عملية الاختبار والتعيين مما يضمن النزاهة والشفافية. وبعد أن تتم هذه المقابلات تعلن أسماء المرشحين المقبولين من قبل اللجنة لهذا المنصب وتوضع صناديق للتصويت بحيث يصوت فقط الموظفين الذين في الإدارة التابعة لهذا المنصب الشاغر فهم أولى بتحديد مصيرهم. لا تظنوا أنها عملية معقدة أو ضرب من ضروب الخيال بل أنها منطقية وسيصل من خلالها الشخص المنسب للمكان المناسب بدل من المفاجآت حين الإعلان عن شخص غير كفء تماماً بأنه وبقدرة قادر وبدون تبرير أصبح مديراً!.

 مركز قطر للقيادات

 يا فرحة ما تمت!! كان معظمنا يظن ويأمل أن تكون هذه هي أداة التغيير التي ستغير الواقع المرير لأحوال الموظفين الطموحين في معظم جهاتنا الحكومية، ولكن للأسف فهموم بعضنا زادت بعد أن اجتهد واجتاز برنامج القيادات ليجد نفسه “محلك سِر!” بل أن وضعه أصبح مأساوي لأنه تعلم أكثر واختبر تجارب متقدمة للإدارة والعمل ومن ثم عاد من حيث انطلق، كعصفور انطلق فالفضاء الرحب ورأى الدنيا من العالي ورجع ليحبس في ذلك القفص الضيق الكئيب!!

 لقد بداء المركز-في نظري الشخصي- يفقد بريقه فقد بدأت أسمع بين الناس تساؤلات مثل ما الفائدة من الدراسة والتعب وشهادته غير معترف بها؟ وماذا سيحدث لنا بعد أن نتم البرنامج؟ أجد أنه على مجلس الإدارة الموقر إتخاذ إجراءات تضفي مزيداً من الأهلية لتقلد المناصب للخريجين والتعريف أكثر من خلال لقاءات مباشرة مع المسؤولين في الوزارت المختلفة حول برامج وأهداف المركز والتوصية بمنح الخريجين فرص عمل أفضل بعد اجتياز البرنامج وتسهيل فترة الدوام في البرنامج عليهم فالبعض يعاني مع رئيسه فالعمل للحصول على التفرغ لحضور دورات المركز ومازالت معظم جهاتنا الحكومية غير مدركة لعمق وجودة برامج المركز. لقد طرح الإعلامي حسن الساعي في أحد مقالاته موضوع الاحباط الذي يعتري بعض خريجي المركز نتيجة عدم تعديل وضعهم رغم كفائتهم وأنهم أقبلوا على البرنامج بتفائل وأملاً في الأفضل ولكن شيءً لم يتغير!. ويرد الكثيرون بأن أهداف المركز ليست توفير فرص عمل أفضل.. ليش لاء؟ لماذا لا يكون للمركز دور أكبر ومباشر في تعيين الشباب الكفء في الوظائف الادارية؟ فهذا ليس معيباً لأني ذكرت فيما سبق الواقع المأساوي لنظم الإدارة في مؤسساتنا فمن المفروض أن يكون لمركز مهني وطني مثل مركز قطر للقيادات دوراً فاعلاً في تحقيق مبداء تكافء الفرص والشفافية في تعيين المدراء على مبداء الكفاءة والتأهيل الأكاديمي والنفسي كما يحدث لمنتسبي برامج مركز قطر للقيادات، فهي برامج عالية الجودة وتعقد بالتعاون مع صفوة الجامعات العالمية فما الهدف إذاً من تبذير المال والوقت والجهد إذا كنا بعد كل هذا سنرجع إلى نقطة الصفر من جديد! وأنا لا أتكلم عن نفسي بصورة شخصية بل الكثيرون يرون أن المركز لابد له من دور أكبر من مجرد إعداد الشباب وتركهم يشقون طريقهم، خلنا نكون واقعيين إحنا مش في أمريكا أو أوروبا لما الواحد يحصل على خبرة إضافية فوراً يرتقي في عمله أو بسهولة ينتقل لوظيفة أفضل!! بعض من الخريجين بفضل الله تحسن وضعه لكن معظم الخريجين لم يحظى بأي أفضلية. وبالمناسبة مثل هذه المعاهد الوطنية موجودة في عدد من الدول ولخريجيها أفضلية عن غيرهم فهم اجتهدوا وضحوا بأمور للوصول لذلك.

 ختاماً أرجو من المسؤولين الكرام عدم تلقي هذا المقال على أنه مجرد انتقاد وتشاءم! بل إن هذه دعوة للنظر جدياً في الظواهر المطروحة ومعالجتها ولكم الشكر والتقدير.

 باحثة دكتوراه في العلاقات الدولية والسياسات العامة.     

 LinkedIn: Wadha S. AL-BADI, PhD Candidate

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق