ثقافة وأدب
كتاب يعرض تجارب الشعراء العرب قديماً وحديثاً

الشـعـر الحّــــر .. وحركــة التجديـد

الأصل في قوانين الشعر عند العرب هو أوزان الخليل المعروفة

خليل مطران جدد في شعره ولم يخرج على الأوزان المعروفة

أحمد زكي أبوشادي قاد تيار أبولو وأتاح لشعرائه التحرر

الموفور بحر جديد غير مستعمل ابتدعته نازك الملائكة

العقاد كان مجدداً لكنه لم يتمرد ولم يدع للخروج على التراث

ناجي تحرر في بعض قصائده من القافية الموحدة

شعراء المهجر كان لهم أثر كبير في تجديد الشعر العربي

الزهاوي من أنصار التجديد ودعا إلى التحلل من القافية

بقلم: جهاد فاضل

«جذور الشعر الحرّ» للباحث العراقي الكبير الدكتور أحمد مطلوب، كتاب في منتهى الأهمية للأدباء والنقاد والشعراء بعامة، كما هو في منتهى الأهمية للشعراء الشباب بخاصة نظراً لما يتضمنه من فصول جزيلة الفائدة من شأنها أن تقوّي وتدعم تجربتهم وخبرتهم وتوسع آفاق شعريتهم. فهو عرض وافٍ لتجارب الشعراء العرب من قدامى ومحدثين مع الشعر ومع التجديد الشعري من جوانبه كافة، ويتضمن فصولاً موسعة عن «الوزن» و«القافية» وما إلى ذلك، مما لا يجده المرء مجموعاً في كتاب واحد آخر. ويزيد في طرافة الكتاب أن مؤلفه ليس مجرد باحث قدير، وإنما هو أيضاً شاعر. ففي مقدمة الكتاب يخبرنا بأنه نشر في جريدة «النهضة» العراقية ثلاث قصائد من الشعر الحر، أو شعر التفعيلة، منها هذه التفعيلات من قصيدة تحمل عنوان الفقر:

الفقر ينفث سمّه

والبؤس يصرخ في الوجوه

والموت خلف الباب يوشك بالمنية أن يفوه.

ويضيف:«واليوم وقد عبرت بي السنوات، فإني آلم حين أرى تنكراً للشعر العربي قديمه وحديثه، وكان ديوان العرب ومحطّ فخرهم، وما أظنّ أن ما نحن عليه اليوم هو الغاية القصوى في الحياة، وإن جفّ نسغ الحياة فإنه سيرتوي ويورق ويزهر ويثمر أطيب الثمر، وما ذاك بعزيز».

أوزان الخليل

الأصل في قوانين الشعر عند العرب هو أوزان الخليل المعروفة، ولكن طرأت عليها اجتهادات كثيرة يشير إليها الدكتور أحمد مطلوب في كتابه، وقد ذكر الزمخشري أن بناء الشعر العربي على الوزن المخترع الخارج عن بحور الشعر العربي لا يقدح في كونه شعراً عند بعضهم.

فقد قيل إن لأبي العتاهية أوزاناً لا تدخل في العروض، وقد سئل مرة: هل تعرف العروض؟ فأجاب: أنا أكبر من العروض.

وذكر الدكتور إبراهيم أنيس أن محمود سامي البارودي جدد في الأوزان.

وقد حاكى شوقي البارودي في قصيدته التي مطلعها.

مال واحتجب

وادّعى الغضب

بحر جديد

وفي مقدمة ديوانها «يغيّر أمواجه البحر» ذكرت نازك الملائكة أنها عند نظم قصيدة «زنابق صوفية للرسول» وقصيدة «تمتمات في ساحة الإعدام» ابتدعت بحراً جديداً غير مستعمل أضافته إلى بحور الشعر الحر الصافية ووزنه: «مستفعلن فاعلن فعولن» وهو الذي يسمّيه العروضيون مخلّع البسيط ثم رأت أن تقسم هذا البحر إلى تفعيلتين في الشطر الواحد، وأضافت: وما كدت أهتدي إلى هذا حتى اعتراني فرح غامر لأن إضافة وزن جديد إلى أوزان الشعر الحر ستوسع هذا الشعر وتعطيه بعداً جديداً، وبادرت فوراً إلى نظم قصيدة «زنابق صوفية للرسول» وكانت فكرتها مختمرة في ذهني منذ حين:

البحر إغماء لحن حب، البحر زرقه

البحر طفل مسترسل الشعر

للضحى فوق مقلتيه انكسارة رقة وشهقه

البحر تلهو عرائس الماء في تراميه ألف جوقه

يلبسن غيما، ينشرن أجنحة من ضباب

عرائس، البحر ضيعتني

زورق شوق هيمان في فضة الضباب

نازك .. ومراش

ويرى أحمد مطلوب أن ما ابتدعته نازك الملائكة هو أقرب إلى النثر وربما كان البحر الذي سمته «الموفور» أقرب إلى مخلع البسيط.

«ويبدو أن ما ذكره الخليل لا يخرج على أبنية اللغة العربية، وإلا فكل كلام يمكن أن يوزن صرفياً أو توضع له تفعيلات ولا يكون هناك إيقاع.

ولكن على الرغم من ذلك، فإن باب الاستنباط مفتوح، ولا يحجر على أحد ذلك، والمهم أن يكون للشعر إيقاع جميل».

ولعل من أهم شعراء القرن التاسع عشر الذين حاولوا إحداث ثورة في الشعر العربي الحديث فرنسيس فتح الله مراش وهو من حلب وعن هذا الشاعر يقول مورييه: «استخدم مراش المعجم التقليدي للتعبير عن الجديد من الأفكار، وكان هذا علامة على بداية مرحلة جديدة في الشعر، ثابر المهجريون على مواصلة السير فيها، وتنقيتها، ويوضح لنا المقطع الأول هذه الخصائص وما حققه الشاعر من تفرّد في الموسيقى والإيقاع:

نفض الشرق على وجه المغيب

غبرة الديجور

وسعى الصبح إلى العود الرطيب

بكؤوس النور

ونجد في قصيدة جبران «أغنية الليل» التي صاغها عن الشعر المقطعي ترجيعاً للموسيقى نفسها وللأسلوب نفسه مع تشابه القصيدتين في الوزن والشكل:

سكن الليل وفي ثوب السكون

تختبي الأحلام

وسعى البدر وللبدر عيون

ترصد الأيام

حركة التجديد

عندما بزغ القرن العشرون ونشطت حركة التجديد والاتصال بالثقافات الواحدة، كان من أهم دعاة التجديد خليل مطران الذي قال عن شعره:

«قال بعض المتعنتين الجامدين من المتنطعين الناقدين إن هذا شعر عصري وهّموا بالابتسام.. فيا هؤلاء نعم هذا شعر عصري وفخره أنه عصري وله على سابق الشعر مزية زمانه على سالف الدهر.. هذا شعر ليس ناظمه بعبده، ولا تحمله ضرورات الوزن أو القافية على غير قصده، فيقال فيها المعنى الصحيح باللفظ الفصيح، ولا ينظر قائله إلى جمال البيت المفرد ولو أنكر جاره، وشاتم أخاه، ودابر المطلع، وقاطع المقطع، وخالف الختام، بل ينظر إلى جمال البيت في ذاته وفي موضوعه، وإلى جملة القصيدة في تركيبها وفي ترتيبها، وفي تناسق معانيها وتوافقها مع ندرة التصوير وغرابة الموضوع ومطابقة كل ذلك للحقيقة، وتحري دقة الوصف واستيفائه فيه على قدر، كذلك حاولت أن أصنع شعري».

هذا ما سعى إليه مطران في شعره العصري، ولكنه لم يخرج على أوزان الشعر العربي، والتزم في معظم قصائده بالقافية الموحدة، واستعمل البحور المجزوءة في قصيدته التي مطلعها:

حَسْناءُ لَكنْ نَفُورُ

بَادٍ عَليْهَا الفُتورُ

إِذَا رَنَتْ غَارَ مِنْها

فِي الْحَيِّ عِينٌ وَحُورُ

وَإِنْ تَمِسْ فإِلَيْهَا

مُنَى النُّفُوسِ تَطِيرُ

لاَ تكْسِرُ الْجَفْنَ إِلاَّ

وَقَلْبُ صَبٍّ كَسِيرُ

العقاد والتجديد

أما عباس محمود العقاد فقد كان مجدداً ولكنه لم يكن متمرداً على الشعر العربي كما تمرد غيره ودعا إلى الخروج على التراث. يقول في الكلمة التي ألقاها في مهرجان الشعر بالإسكندرية سنة ١٩٦٣:

«لا شعر بغير فن، ولا فن بغير قاعدة. والذين يقولون بغير ذلك يقولون عجباً يستغرب السامع أن يقال، ويستغرب الذي يسمع ويفقه ما يقال، كيف يصغي إليه السامع؟ وكيف يستجيب الفهم ؟ وكيف يتكرر بعد تكرر البيان فيه ؟.

وفي الثلاثينيات ظهرت جماعة أبولو وكان من أبرز روادها أحمد زكي أبو شادي، ومنذ زمن مبكر كان حر النزعة ميالاً إلى التجديد، من ذلك قصيدته «ألحان التاريخ» التي قالها عام ١٩١٠ :

من عبير التاريخ أصداء ألحان تمشت في روحه العبقري

كم غرام له تكرر في الأعوام تكرار آيةٍ من نبيّ

هو نور مشعشع حينما الزهر ضياء مجسّم من لحونِ

حينما أنت يا حياتي قربي كمعان شاءت خيالي الجريء

وكأنما الطبيعة احتضنتها فأضافت هناءة للهنيء.

ثمة نزعة للتمرد من القافية الواحدة عند الشاعر وقد قال عبدالعزيز الدسوقي عن أبوشادي: «إذا كان البارودي قد قاد حركة البعث في شعرنا العربي الحديث، وشكري والعقاد والمازني قد قادوا حركة التجديد في مطلع هذا القرن، فإن أحمد زكي أبو شادي هو الذي قاد تيار أبولو وأتاح لشعرائه التحرر والانطلاق والظهور في ميدان الحياة، وبذلك دخل تاريخنا الأدبي كرائد من الرواد».

إبراهيم ناجي

وتحرر إبراهيم ناجي في بعض قصائده من القافية الموحدة، ويتجلى ذلك في ديوانه الأول «وراء الغمام» الذي صدر سنة ١٩٣٤، كما في دواوينه الأخرى مثل قصيدة «العودة»:

هذه الكعبة كنا طائفيها

والمصلّين صباحا ومساء

وتمثل قصيدته «الأطلال» هذا المنحى الذي كثر في الشعر الحديث:

يا فؤادي لا تسل أين الهوى

كان صرحا من خيال فهوى

اذكريني

واشتهر أحمد رامي بقصائده المغناة مثل قصيدة «اذكريني»

وهي متعددة القوافي:

اذكريني كلما الفجر بدا

ناشرا في الأفق أعلام الضياء

يبعث الأطيار من أوكارها

فتحييه بترديد الغناء

قد سهرت الليل وحدي

بين آلامى ووجدي

وانجلى الصبح وهلاّ

وانطوى الليل وولىّ

فتذكرت الذي كان وراحا

حين أفنيناه أنسا ومراحا

وجرى دمعي من فرط حنيني

فارحمي قلبي وحبي واذكريني!

إيليا أبوماضي

ولشعراء المهجر أثر كبير في تجديد الشعر العربي منهم إيليا أبو ماضي الذي بدأ ديوانه «الجداول» بمجزوء الرمل في قصيدته:

يا رفيقي … أنا لولا أنت ما وقّعت لحنا

كنت في سرّي لما كنت وحدي أتغنّى

ألبس الروض حلاه أنّه يوما سيجنى

هذه أصداء روحي فلتكن روحك أذنا

المعلوف ونعيمة

ومن المهجريين المجددين فوزي المعلوف في ديوانه «على بساط الريح» الذي يبدأه بهذا البناء:

في عباب الفضاء فوق غيومه

بين نسره ونجمته

حيث بثّ الهوى بثغر نسيمه

كلّ عطره ورقته

كذلك ميخائيل نعيمة في ديوانه «همس الجفون» ومنه هذه القصيدة عن النهر المتجمد:

يا نهرُ هل نضبت مياهك فانقطعت عن الخرير

أم قد هرمتَ وخار عزُمك فانثنيت عن المسير

بالأمس كنت مرنّما بين الحدائق والزهور

تتلو على الدنيا وما فيها أحاديث الدهور

شعراء المهجر

وقد لوّن شعراء المهجر قصائدهم ونوّعوا أبنيتها وقوافيها، ويرى بعض الباحثين أن شعراء المهجر الشمالي تأثروا بالترجمة العربية للتوراة وبمعجم الشعر العربي الغنائي الموروث، وبالكتب التي أصدرتها الإرساليات البروتستانتية، فضلاً عن التراتيل الدينية.

ويرى بعضهم أن جبران خليل جبران متأثر بالأدب الأمريكي، ولكن ميخائيل نعيمة ينكر ذلك، فقد قال: «فمن قائل إن السر في الأدب الأمريكي الذي تأثر به عمال الرابطة، وهو قول فارغ، ومن قائل إنه من جو الحرية الأمريكية وهو قول فارغ. ومن قائل إنه من تهتك عمال الرابطة من حيث اللغة العربية وأصولها وهو قول فارغ وأعقم من القولين الأولين، أما الحقيقة فلا يعلمها إلا الذي جمع عمال «الرابطة القلمية» في فسحة محدودة من ديار غربتهم ولمحة معلومة من زمان هجرتهم، ووضع في صدر كل منهم جذوة تختلف عن أختها حرارة وبهاء ولكنها من موقد واحد وإياها.

الزهاوي المجدد

وكان جميل صدقي الزهاوي من أنصار التجديد، فقد دعا إلى التحلل من القافية والخروج على شكل القصيدة المعروف. قال «ولا أرى مانعاً من تغيير القافية بعد كل بضعة أبيات من القصيدة عند الانتقال من فصل إلى آخر، كما فعلت في عدة قصائد لا دفعاً لملل السامع من سماع القافية الواحدة في كل بيت، كما يدعي بعضهم، فتلك علة من يعجز عن إجادتها وإلا لما ملّ الناظر وجوه الناس لوجود أنف بارز في وسط الوجه، بل إراحة للشاعر من كدّ الذهن لوجدانها، فإن الإتيان بها متمكنة ليس في قدرة كل شاعر:

ومنذ دواوينه الأولى، بدأ الزهاوي ينوّع قوافي قصائده إلى جانب القوافي الموحدة وقد جاءت قصيدته «حسرات» على هذا البناء:

كلفتُ بليلى وهي ذات جمالِ

فلازمتها عمرا لغير وصالِ

وزايلتها لا حامدا لزيالي

نأت بي ليلى عن نوى لا أريدها

فما لي إلى ليلى سوى اللفتات

بعد موتي

وينشر الدكتور أحمد مطلوب نص قصيدة من الشعر الحر تعتبرها نازك الملائكة أقدم نص من الشعر الحر أو شعر التفعيلة، نُشر في جريدة «العراق» سنة ١٩٢١ بتوقيع «ب. ن» وعنوانها «بعد موتي» وتحت شعار «من النظم الطليق» وفيها يقول الشاعر:

أتركوه لجناحيه حفيفّ مطربٌ

لغرامي

وهو دائي ودوائي

وهو إكسير شفائي

قالت نازك: «الظاهر أن هذا أقدم نص من الشعر الحر، والسؤال المهم الآن هو، هل نستطيع أن نحكم بأن حركة الشعر الحر بدأت في العراق سنة 1921، أو أنها بدأت في مصر سنة 1932 ؟ الواقع أننا لا نستطيع، والذي يبدو لي أن هناك أربعة شروط ينبغي أن تتوافر لكي نعتبر قصيدة ما أو قصائد هي بداية هذه الحركة». تورد نازك هذه الشروط، ولكن البحث لا يتوقف، وشهرزاد لا تتوقف بدورها عن الكلام المباح.

ويبقى كتاب الدكتور أحمد مطلوب مرجعاً من أوفى المراجع حول جذور الشعر الحّر، ومن أوفى المراجع التي ينبغي أن تكون رفيقاً لا غنى عنه لمن يريد أن يطلع على جذور الشعر، وبخاصة لمن يريد أن يكون شاعراً عارفاً بما كان قبله من تجارب ومحاولات شعرية.

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X