المنتدى

السودان في حالة مخاض

بقلم – د. خالد التيجاني النور:

يواجه السودان هذه الأيام فترة حرجة في تاريخه الحديث المليء بالتقلبات في خضم تحديات كبيرة في أوضاعه السياسية والاقتصادية الداخلية، وكذلك في علاقاته الخارجية المتحركة وسط مطبّات كثيرة في ظل تعقيدات تحيط بمواقفه الرمادية في الصراعات التي تحيط بجواره ومحيطه الإقليمي، وتنذر مجمل تفاعلات هذه العوامل المتداخلة بدخول البلاد في حالة مخاض عسيرة من شأن مردودها أن تضع مصير السودان ومستقبله مفتوحاً على الاحتمالات الكافة المتأرجحة من سيناريو الانتقال السلس لأوضاع جديدة، وإلى سيناريو الدخول في مغامرات تغيير قسرية قد تقوده إلى خانة الاضطراب واللا استقرار.

وعلى هذه الخلفية تشهد دوائر السلطة الحاكمة في السودان تطورات مهمة حول مستقبل قيادتها، وكذلك حول مصير «الحركة الإسلامية» القاعدة التي ظلت تستند عليها وتشكّل حاضنة «التمكين» التي اتكأ عليها النظام طوال العقود الثلاثة الماضية، وهي تطورات لافتة تأتي على خلفية صراع متصاعد ظل يدور في الكواليس لحين من الدهر، قبل أن يجد له طريقاً إلى العلن، لم يكن آخر مظاهرها ما دار في اجتماعات مجلس شورى الحزب الحاكم الذي انعقد الشهر الماضي حين تجاوزت عن تأييد توصية لدعم إعادة ترشيح الرئيس البشير في انتخابات 2020، ومروراً بالتغييرات اللافتة في قيادة جهاز الأمن والمخابرات بكل حمولتها التي تستبطن إعادة موضعة وإعادة ترتيب الأوراق، استباقاً لمفاصلة أخرى وشيكة.

في ظل هذه الأوضاع تجرى مشاورات لإعادة تشكيل الحكومة التي لم يتجاوز عمرها 8 أشهر، فيما أخذت الأوساط السياسية السودانية، في الحكم قبل المعارضة، بالخطوة المفاجئة التي اتخذها الرئيس عمر البشير بإعادة تعيين الفريق أول صلاح محمد صالح، الشهير بـ»قوش»، مديراً عاماً لجهاز الأمن الوطني والمخابرات، المنصب الذي كان غادره قبل 9 سنوات على نحو مفاجئ أيضاً، وأعفي بعدها أيضاً بعامين من منصب مستشار الأمن القومي على خلفية اتهامه بالضلوع في محاولة انقلابية ضد الرئيس عمر البشير إلى جانب عدد من الضباط المعروفين بانتمائهم للحرة الإسلامية السودانية، وتعرّض قوش لمعاملة قاسية واعتقال دام 8 أشهر، أطلق سراحه بعدها دون محاكمة لينضم إلى عالم رجال المال والأعمال، كما انتخب أيضاً نائباً في البرلمان.

أثارت عودة الفريق قوش، وهو مهندس مدني تخرّج في جامعة الخرطوم العام 1982، وانضم إلى جهاز المخابرات عقب الانقلاب الذي دبّرته الحركة الإسلامية في العام 1989، أثارت ردود أفعال واسعة في أوساط «الإسلاميين» في حزب المؤتمر الوطني الحاكم، وفي أوساط المعارضة على حد سواء، لا سيما أن قرار إعادة تعيينه جاء مفاجئاً تماماً حتى لأقرب رجال الحكم في دوائر صناعة القرار، وهو ما يشير إلى أن الرئيس البشير اتخذ قرار الاستعانة من جديد برجل المخابرات القوي، على الرغم من الخلفية الصراعية التي أطاحت به، في ظل حسابات معقّدة جعلته يتجاوز المحاذير والمرارات السابقة، ليواجه تحديات بالغة الخطورة جعلت العودة إلى تنصيب «قوش» في قيادة جهاز الأمن الوطني الذي يلعب دوراً محورياً ويمسك بعصب الحياة في المجالات المختلفة في السودان سياسياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً، أمراً لا مفر منه، وهو ما دعا لإطلاق تكهنّات واسعة في محاولة لتفسير الدوافع التي حدت بالرئيس البشير إلى مد يده من جديد إلى الرجل الذي كان متهماً قبل بضع سنين بتدبير محاولة انقلابية.

بالطبع لم يُفصح الرئيس البشير عن أجندته بهذا القرار الذي أحدث صدمة كبيرة في أوساط الرأي العام، لا شك أنها كانت مقصودة لذاتها، غير أن قرائن الأحوال تشير إلى ثمّة 3 أسباب قد تكون وراء هذه الخطوة، أولها تطور الخلافات والصراعات الداخلية في النواة الصلبة لقيادة النظام المستندة على قاعدة «الحركة الإسلامية»، والثاني متعلق بجهود مُحاصرة ذيول شبح الانهيار الاقتصادي الذي يواجه البلاد بعد تعثر موازنة البلاد الجديدة في شهرها الأول مع تدهور سريع وغير مسبوق لسعر صرف العملة الوطنية، والثالث يتعلق بوضع السودان وعلاقاتها الخارجية في ظل تدهور علاقاته مع مصر، والتوتر الذي طرأ على علاقاته مع محور تحالف عاصفة الحزم في اليمن، فضلاً عن الجمود الذي ران على صعيد العلاقات مع الولايات المتحدة التي توقفت عند حدود رفع العقوبات الاقتصادية على السودان منذ أكتوبر الماضي، وإن بقيت آثارها لا تزال ماثلة حتى اليوم ما أفرغها من معناها.

ومن بين هذه التحديات يبرز الصراع الداخلي وسط قيادة «الإسلاميين» كأحد أبرز الأسباب التي دعت البشير للاستعانة بخبرات «قوش» لمُحاصرة التهديد الذي يمثله فريق منهم يعارض إعادة ترشيح البشير في الانتخابات المزمعة في العام 2020 على خلفية انقضاء أجل عهدته سواء وفق لوائح الحزب الداخلية أو دستور البلاد الذي لا تسمح للترشح أكثر من مرتين استنفدهما البشير، وكان «قوش» لعب دوراً مهماً إبان قيادة لجهاز المخابرات في مُحاصرة وتحجيم دور «المؤتمر الشعبي» الذي انشق عن الحزب الحاكم بقيادة الدكتور حسن الترابي، وتشير التكهنات إلى أن عودة «قوش» هي إحدى دواعي التوازنات التي برع البشير في لعبها بين مراكز القوى داخل النظام بغرض «تحييد» دور الدكتور نافع علي نافع نائب رئيس الحزب الحاكم السابق الذي يقود التيار المناوئ للبشير حالياً، وتوتر العلاقة والخصومة بين قوش ونافع معروفة منذ وقت بعيد.

وعلى صعيد الأوضاع الاقتصادية المتردية التي اضطرت البشير للإمساك بملفاتها مباشرة بات في حاجة ملحة لدافعية وجرأة رئيس المخابرات الجديد وخبرته في إطار خطته المعلنة لمحاربة من وصفهم بـ «القطط السمان»، وهو ما يتطلب سنداً قوياً من الجهاز الأكثر حضوراً في مفاصل السلطة الحاكمة، في مواجهة مراكز قوى تسيطر على مفاصل الاقتصاد من رجالات النظام.

كاتب وصحفي سوداني

[email protected]

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X