ثقافة وأدب
د. حسين نصار يؤرِّخ لبدايات دخول العرب والعربية إليها

متى نشــأ الشعــر العــربي فـي مصــــر؟

العرب تفرّقوا في جميع أنحاء مصر فتحقق الاختلاط وازداد انتشار الإسلام

أبواب مصر فتحت أمام الهجرات العربية الفردية والجماعية منذ الفتح الإسلامي

أغزر القبائل العربية إنتاجاً للشعراء في مصر هي «خولان» اليمنية

اللغة القبطية اندثرت تماماً ورجال الكنيسة ألفوا كتبهم بالعربية

المصريون قبل الفتح كانوا يستخدمون اللغة القبطية .. واليونانية كانت لغة رسمية

الوليد بن عبدالملك أمر باتخاذ العربية لغة رسمية فصارت لغة المصريين

سلامة موسى دعا للاهتمام بالأدب الفرعوني

المصريون نظموا من الشعر ما يستحق التدوين والاهتمام

نصار يسأل: متى أنتجت مصر أدباً عربي اللغة؟

الخولي: ضرورة كتابة أدب نابع من البيئة المصرية

بقلم – جهاد فاضل:

لعل هذا الكتاب للباحث المصري الكبير الدكتور حسين نصّار عميد كلية الآداب بجامعة القاهرة هو آخر ما صدر له قبل رحيله، وقد رحل مؤخراً عن 90 عاماً، وأقامت له دار الكتب والوثائق القومية بمصر احتفالية خاصة بهذه المناسبة. وقد صدّره الباحث الكبير بكلمة تفيد أن كتابه لا يسعى لتدوين تاريخ الأدب العربي في عصره، فقد فعل ذلك أساتذة وأدباء آخرون، ولكنهم رآهم اختلفوا اختلافاً واسع النطاق في مبدأ هذا الأدب وصفاته، ورآهم اعتمدوا في أقوالهم على النظر العقلي، فسجّل كل منهم ما وصل إليه اجتهاده الفكريّ لأنهم لم يعثروا على نصوص يستندون إليها.

«ولا يدّعي هذا الكتاب أنه عثر على ما لم يجدوا، وإنما عثر على بعض نصوص لم تشبعه، غير أنها على قلتها كانت سنداً لآرائه، وعثر على معلومات متفرّقة في المصادر المتنوعة، فاستقى منها حقائق واقعية اتخذها عماداً لأقواله واستنتاجاته التي يؤمن بأنها تستند بذلك على دعائم وطيدة واقعية تكسبها قيمتها العلمية».

ويمهّد لكتابه بالبحث في «مصرية» الأدب، التي دعا إليها في النصف الأول من القرن الماضي أدباء ومفكّرون مصريون كثيرا يقف على رأسهم سلامة موسى الذي دعا في كتابه «اليوم والغد» الذي أصدره سنة ١٩٢٧ إلى الاهتمام بالأدب الفرعوني لأن ذلك عودة إلى الوطنية المصرية المقصورة على العصر الفرعوني.

أدب قومي

وفي الوقت نفسه دعا الدكتور محمد حسين هيكل إلى «أدب مصري»، ومما ورد في كتابه «فوضى الأدب والدعوة إلى أدب مصري».

«ليست طبيعة مصر، وليس نيلها وواديها وحدها ذات السحر والفتنة، بل إن تاريخها القديم والحديث ليحتوي من ذلك أكثر مما يحتوي أي تاريخ غيره، هذا التاريخ وذاك الوادي ونهره كلها جديرة بأن تكون مصدر الوحي لأدب قومي يصوّر مصر في ماضيها وحاضرها صورة صادقة قوية تنطبع في نفوس أبنائها، وفي نفوس الأجانب عنها ممن يقرأون هذا الأدب، فيعرفون مصر كما هي حقاً، ويومئذ تنتقل النفس المصرية خطوة واسعة في تمثل الجمال والخير والحق».

وقد صوّر طه حسين هذه الدعاوى في قوله: «كان هيكل، كما كان بعض زملائه، يحاولون أن ينشئوا في مصر أدباً مصرياً لا يخرج عن اللغة العربية السمحة ولا يتورّط في الابتذال العامي، ولا في هذا التكلف القديم.. وإنما كان المصريون في ذلك الطور يحاولون أن يستكشفوا أنفسهم، وأن يوجدوا أدباً يدل عليهم، وتضطرب فيه نفوسهم هي لا نفس النابغة ولا نفس مسلم، وتضطرب فيه نفوسهم هي لا نفس فكتور هيجو ولا نفس لا مارتين، ولا نفس هذا الشاعر أو الكاتب الأوروبي أو ذاك».

إقليمية الأدب

وفي سنة ١٩٤٣ أصدر أمين الخولي كتاباً عنوانه «في الأدب المصري» كان دعوة مدوية إلى العدول عن دراسة الأدب العربي على عصور سياسية، إلى تقسيمها على الأقطار التي ضمّتها الخلافة الإسلامية وأسهمت في إنتاج هذا الأدب أو ما سمّاه «إقليمية الأدب» التي تنادي بدراسة كل قطر على حدة.

وقد انطلق الخولي من هذا التصوّر إلى البيئة المصرية، فرأى أنها ظفرت بعوامل التميز المادي الكافي إذ قامت عليها حدود من الفواصل العنيفة ذات التميّز القوي، وهي البحار المائية في شمالها وشرقها تعاونها بحار الرمال في غربها والشرق، والفواصل الجوية والأرضية في جنوبها، وبهذا صحّ أن تكون لهذه البيئة الطبيعية أو المادية مؤثراتها التي تدفع نازلها إلى التفرّد والتبيين، ولما كان الأمر كذلك، وجب أن تترك أثرها فيمن فيها من الأحياء أشياءً أو أشخاصاً، وعلى الدرس أن ينطلق باحثاً عن هذا الأثر واثقاً أنه لن يخلفه.

دراسة مستقلة للأدب

ويُعّد أمين الخولي الداعية الأول إلى إنشاء دراسة فعلية مستقلة للأدب المصري، فقد تولّى كرسيه من ١٩ / ١٠ / ١٩٤٦ إلى سنة ١٩٥٣، وأصدر في سنة ١٩٤٣ كتابه «في الأدب المصري» الذي وجّه أقوى دعوة لهذه الدراسة وأبان المنهج الذي يجب أن يطبّق عليها، وحذّر من المخاطر التي يمكن يقع فيها.

كما يُعّد الدكتور محمد كامل حسين المؤسّس للدراسات العملية للأدب المصري، فقد وهب له حياته وأخلص جهوده، ثم تلمذ له أو لتلاميذه معظم من كتب فيه.

وبسبب قلة المصادر التي تترجم للشعراء المصريين، فإن الباحث مضطر إلى الاعتماد على ما وصل إليه من أخبار مؤرّخي الأدب، واستخراج منها ما يؤكد مصرية الشاعر الذي نريد الحديث عنه أو عدم مصريته، على الرغم من خطر هذا الاعتماد بل تسبّبه في الوقوع في الخطأ.

يتجلى لنا هذا في الشعراء الذين تنقلوا بين أكثر من قُطر، فأطالوا الإقامة فخلعت عليهم أوصاف غير صحيحة، فمثلاً يقول ابن خلكان عن إبراهيم بن منصور بن المسلم: «لم يكن من العراق وإنما سافر إلى بغداد واشتغل بها مدة فنُسب إليها»، ويقول عنه الصفوي: «كان في بغداد يُعرف بالمصري، فلما عاد إلى مصر سمّاه الناس العراقي لإقامته في بغداد»!.

الشعر المصري العربي

حول مصطلح «الأدب أو الشعر المصري العربي» يقول حسين نصار: «أنا أؤثر الراحة والسهولة، فأطلق هذا المصطلح على ما أبدعه المصريون من أدب، وإن تحرّيت الدقة قلت: ما أبدعه الجديرون بهذه التسمية من أدب، أبناء المهاجرين إلى مصر والمولودين فيها.

والمنهج السليم يقضي بدراسة كل ما أنتجه المصريون الحقيقيون، واستخلاص كل ما يتبيّن فيه من ظواهر أدبية «فإن وجدنا ظواهر يختص بها هذا الأدب المصري، ولا توجد في غيره من الآداب العربية الإقليمية دعوناها بالخصائص، وادعينا أنها تميّزه عن غيره، وإلا فهي ظواهر مشتركة مهما كان الزمن الذي أنتج هذا الأدب».

متى عَرِفَ المصريون العربية؟

ثمّة أسئلة يحاول الباحث أن يجيب عنها في دراسته أولاها، متى أنتجت مصر أدباً عربي اللغة؟، وتتوقف الإجابة عن هذا السؤال على سؤال آخر هو: متى عرف المصريون اللغة العربية؟، وتتوقف الإجابة عن هذا السؤال بدوره على سؤالين آخرين: هل المصريون عرب خُلّص؟ وإن لم يكونوا عرباً خُلّصاً فمتى اتصلوا بالعرب؟.

الشيء اليقيني عنده أن المصريين لم يكونوا في تاريخهم القديم عرباً خلّصاً.

والرأي الراجح أنهم خليط من الشعوب ذات الأصول المتباعدة، يبرز من بينها العنصر الحامي الإفريقي، يليه عنصر ساميّ، ولما كان التفكير العلمي استقرّ أو كاد على أن مهد الساميين الأصلي هو شبه الجزيرة العربية، كان لنا الحق أن نقول إن العنصر السامي الذي نزل في مصر واختلط بأهلها إنما جاء أصلاً من شبه الجزيرة العربية، سواء أتى إليها مباشرة أو خرج من شبه الجزيرة إلى بلاد الشام والحبشة، وبعد إقامة فيهما قصرت أو طالت، انتقل إلى مصر بأجمعه أو انتقلت منه مجموعات فقط، وهذا هو الرأي الراجح اعتماداً على الهجرات السامية (العربية) التي ساقت العلماء إلى أن يعدّوا المنطقة الواقعة شمالي صحراء النفود أو في بادية الشام «المستودع» الذي أمدّ مصر بالموجات العربية منذ أقدم العصور، ويعدّوا شبه جزيرة سيناء قنطرة أو معبراً بين البلاد العربية ومصر.

الهجرات العربية لمصر

وقد قدّرت المصادر التاريخية جيش عمرو بن العاص الذي دخل مصر بأربعة آلاف رجل، ثم أمدّه عمر بن الخطاب بالزبير بن العوام في 12 ألفاً.

ومنذ الفتح الإسلامي فُتحت أبواب مصر أمام الهجرات العربية الفردية والجماعية، وتذكر كتب التاريخ أن جيش عبدالله بن سعد بن أبي سرح في النوبة (في عهد عمر بن الخطاب) كان يتألف من عشرين ألفاً، وأن عرب الفسطاط صاروا في عهد معاوية أربعين ألفاً، وحامية الإسكندرية صارت في عهده 27 ألفاً.

وغلب على الهجرات الأولى العنصر اليمني مثل، بلى وجذام ولخم وحميد وخولان، ولكن بعض الخلفاء الأمويين ثم العباسيين والولاة العدنانيين انتبهوا إلى ذلك، وأرادوا أن يوائموا بين العنصرين العربيين فرغّبوا عرب الشمال المعروفين بالعدنانيين والقيسيين وشجّعوهم على الهجرة إلى مصر، بل كان من الحكام من عمد إلى تشجيع قبيلة معيّنة أو بيت وفرد مثل القرشيين أو بني هاشم.

الاختلاط الأكبر

ولكن الاختلاط الأكبر كان في عهد المعتصم العباسي (٢١٨ / ٢٢٧) الذي حرم العرب من المرتبات التي كانت الدولة تدفعها لهم باعتبارهم جنوداً لها، بعد أن اتخذت جيشها من الفرس والترك، فاضطر العرب إلى الاشتغال بالزراعة والتجارة والصناعة، والتفرّق في جميع أنحاء مصر، فتحقق الاختلاط الحق بين العناصر المتعدّدة، وازداد انتشار الإسلام ازدياداً واضحاً.

وكان المصريون قبل الفتح العربي يستخدمون اللغة القبطية، بينما كانت اللغة الرسمية هي اللغة اليونانية، واستمر الأمر كذلك إلى سنة ٧٨ هجرية، إذ أمر الوليد بن عبدالملك باتخاذ العربية لغة رسمية في مصر، ومنذ ذلك الحين أخذ شأن العربية في القوة والاتساع إلى أن صارت لغة الشعب المصري، وضعفت اللغة القبطية ضعفاً شديداً جداً إلى أن زالت، واضطر رجال الكنيسة إلى ترجمة كتبهم المقدّسة، وتأليف كتبهم الدينية باللغة العربية.

المعركة بين العربية والقبطية

وقد صوّر الدكتور محمد كامل حسين المعركة بين العربية والقبطية في قوله: فاضطر المصريون إلى أن يعرفوا لغة العرب تقرّباً إليهم وتحقيقاً لمصالحهم، فنرى القسيس بنيامين قد أجاد اللغة العربية حتى أنه شرح الإنجيل بالعربية للأصبغ بن عبدالعزيز بن مروان. وبعد القرن العاشر كان رجال الدين المسيحي يقرأون صلواتهم باللغة القبطية بينما كانت كتبهم الدينية باللغة العربية.

وقد عرف كثير من العرب اللغة القبطية وتخاطبوا بها، فقد قيل أن البطريق يوسف عندما حوكم سنة ٨٥٠م خاطب رعيّته باللغة القبطية بحضور عدد كبير من العرب وفهم العرب كل ما قاله وحدّثوا به القاضي.

وأهم من ذلك أن بعض المصريين، من ذوي الأصول القبطية، أخذوا يؤلفون باللغة العربية شأنهم في ذلك شأن إخوانهم من ذوي الأصول العربية، ويمكن أن يشار في هذا الشأن إلى أبي رجاء يزيد بن أبي حبيب النوبي أول من ألّف في علوم الدين بمصر، وأبي الحارث الليث بن سعد الذي وصفه الشافعي بأنه أفقه من الإمام مالك، وأبي محمد عبدالله بن وهب بن مسلم صاحب كتاب الجامع في الحديث، وعثمان بن سعيد بن عدي المعروف بورش، صاحب القراءة المشهورة والمعمول بها إلى الآن.

شعر يستحق التدوين

وقد التفت بعض الأدباء المصريين وغير المصريين إلى أن المصريين نظموا من الشعر ما يستحق التدوين والاهتمام، فتصدّى بعضهم لذلك. دوّن بعض المؤرّخين لبعض المصريين الأبيات والمقطوعات في تضاعيف كتبهم.

تكشف القوائم التي صنّفها الدكتور حسين نصار للشعراء أن أغزر القبائل العربية إنتاجاً للشعراء في تلك الحقبة كانت خولان من القبائل اليمنية، وهذا بنظره أمر طبيعي لكثرة من شارك منهم في الفتح والوفود إلى مصر.

شعراء عرب نزلوا بمصر

يكتفي الباحث المصري الكبير بقوائم تضم أسماء من يسميهم «بالشعراء المصريين» في تلك الرحلة المبكّرة من نشوء الشعر العربي في مصر، ولا يقدّم سيرة مفصّلة لكل منهم لا ذاتية ولا شعرية لقلة المصادر بالطبع، ولا يضم كتابه ولو بيتاً واحداً لأحد منهم، والواقع أن أكثر هؤلاء الشعراء هم من اليمنيين، كما ذكر، ومن قبائل أخرى قادمة من أنحاء الجزيرة العربية، فهم شعراء عرب نزلوا، أو آباؤهم أو أجدادهم، مصر، ولا شك أن هناك شعراء مصريين آخرين كتبوا الشعر العربي لاحقاً، ومن مجموع هؤلاء الشعراء المقيمين فوق أرض مصر، نشأ شعر عربي يمكن إضافته إلى شعر الأمصار العربية الأخرى.

ولكن الاطلاع على قوائم هؤلاء الشعراء لا يدلّ على أن مصر، سواء بشعرائها الخلّص أو بالشعراء العرب الوافدين إليها من شبه الجزيرة العربية، أعطت شعراء ذوي قامة شعرية عالية من نوع شعراء الحجاز أو نجد أو العراق أو الشام. فهذه القوائم لا تضمّ سوى أسماء لشعراء لم يسمع بهم القارئ من قبل، وقد لا يكون تراثهم قد حُفظ وإنما بقيت هناك أسماء قيل إنها كانت لشعراء لا أكثر ولا أقل.

شعراء من الدرجة الأولى

ولكن مع استقرار القبائل العربية في مصر، واستقرار اللغة العربية فيها، صار لمصر شعراء لا بأس بهم وبنتاجهم مثل القاضي الفاضل وابن النبيه والبهاء زهير. ولكن يتعين علينا أن ننتظر عصوراً لاحقة حتى يصبح لمصر شعراء من الدرجة الأول مثل محمود سامي البارودي وحافظ إبراهيم، وأحمد شوقي الذي انتخبه الشعراء العرب في عام ١٩٢٧ أميراً عليهم.

على أننا نشيد بالجهد الكبير الذي بذله المغفور له حسين نصّار في التأريخ لبدايات دخول العرب ودخول اللغة العربية إلى مصر وكذلك في التاريخ للنزعات الإقليمية والانعزالية التي عرفتها مصر في النصف الأول من القرن العشرين، وهي نزعات عرفتها أقطار عربية أخرى في نفس الوقت مثل لبنان، ولكن الذهب يذهب جفاءً ولا يبقى إلا ما ينفع الناس.

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X