المنتدى

بلوك (9) نموذج لتعديات الاحتلال الإسرائيلي على البلاد العربية

بقلم – د. صلاح زين الدين:

من الخطأ الكبير وصف الجدل الذي يُثيره الكيان الإسرائيلي، بشأن مسألة بلوك (8) و(9) و(10) من»المنطقة الاقتصادية البحرية الخالصة» اللبنانية، بأنه نزاع بحري بين الدولة اللبنانية والكيان الإسرائيلي، لأنه في الواقع القائم اعتداء سافر وصارخ من الكيان الإسرائيلى على سيادة الدولة اللبنانية، أيا كان الرأي في أسبابه، وأيا كانت حجج أطرافه. ويُشكل في الحقيقة الكلية «جُزءاً من كُل». فالجزء، يتمثل في اعتداء المحتل الإسرائيلي، على المنطقة الاقتصادية البحرية الخالصة اللبنانية، وبخاصة «بلوك 9». وموقف لبنان في دفاعه عن حقوقه السيادية على هذه المنطقة، وغيرها عادل تماماً، وفقاً لمبادئ القانون الدولي بالمطلق. وموقف المحتل باطل جملة وتفصيلا، واقعاً وقانوناً. ويقال إن احتمالات (سيناريوهات) الحل هي: التراضي أو التقاضي أو التصادم. ولعل نصيب السناريو الأول هو الأرجح في رأيي المتواضع. وهو الأسلم كون نتيجته تبقى في يد لبنان، فله قبولها أو رفضها. أما التقاضي، فنتيجته غير مأمونة، ذلك أن المحكمة المختصة بنظر النزاع (سواء كانت هيئة تحكيم (خاصة أو عامة) أو هيئة محكمة العدل الدولية أو هيئة محكمة قانون البحار، تبني قناعتها الوجدانية على الإنصاف وليس على العدل، والإنصاف أقل درجة من العدل. وفي حال صدور قرار المحكمة يصبح عنوان الحقيقة، ولا مفر من قبوله، حتى لو كانت تلك نتيجته مجحفة بحق لبنان أو هاضمة لحقوقه المشروعة. وأما التصادم -إن وقع-فنتيجة محدودة على ما يبدو، والأغلب أن ذلك مستبعد، لأسباب كثيرة، أبرزها، وجود مساندة دولية معقولة للموقف اللبناني، وتمتعه بامتلاك قدر مناسب من قوة الردع الذاتية، كما هو معلن، والمعززة بجاهزية حزب الله للوقوف التام ضد سطو المحتل الإسرائيلي، وقد سبق أن تصدى لبنان بمفرده بكل بسالة لعدوان هذا المحتل، وانتصر عليه في غير موقع. وبعون الله سينتصر عليه في هذا الموقع. كما نجح لبنان في طرد المحتل من بره، سوف ينجح مجدداً من طرده من بحره. ذلك أن لبنان يلعب على المكشوف، وواثق بنفسه وقدرات شعبه وعدالة قضيته، وهو الدولة الوحيدة التي لا تقيم علاقات مع الكيان المحتل لا تحت الطاولة ولا فوق الطاولة. وهو البلد الوحيد الذي لا يزال يتكلم «العربية»، في حين غَيّرَ البعض «لكنته» إلى «العبرية». ومن هنا يمكن القول إن الوساطة الأمريكية، قد جاءت لنجدة «تل أبيب» من ورطتها مع «بيروت»، وبالتالي فإن الوساطة الأمريكية تأتي لنصرة المحتل الإسرائيلي في مواجهة الحق اللبناني الواضح وضوح الشمس في كبد السماء في رابعة النهار.

وأيا كان الأمر، فإن قصارى القول في هذه المسألة، أن الحل العادل لها، يتمثل في أن يرجع المحتل عن اعتدائه فحسب، وعندئذ لا حاجة لإعمال أي سيناريو من السيناريوهات المتقدم ذكرها.

و»الكل» يتمثل في أن الاحتلال -أي احتلال- يشكل جريمة، وإن وصف «إسرائيل» بدولة احتلال واغتصاب مسألة حقيقية لا ظلم فيها. ذلك أن إسرائيل دولة غير شرعية لا من حيث النشأة، ولا من حيث الوجود، ولا من حيث الحقوق، لأسباب لا مجال للخوض فيها في هذا المقام. فالاحتلال الإسرائيلي يشكل جريمة، وبالتالي تُصبح مقاومته مسألة مشروعة لا ريب في ذلك. لأنه مغتصب لفلسطين من البحر إلى النهر. ويهضم كثيراً من حقوق مصر في سيناء، ويصادر حق الأردن في المياه، ويحتل الجولان من سوريا، ويعتدي على بر وبحر وسماء لبنان، صباح مساء.

والواقع المؤلم أن المحتل الإسرائيلي قد دجن جُل النظام العربي الرسمي، وربما الإسلامي من بعده، بدليل أن أمريكا، قررت أن القدس (مدينة الله الخالصة) عاصمة لدولة الاحتلال الغاشم، بالرغم من رفض ومعارضة صريحة من العالم كله. ولكن الاحتلال -بفضل من الله تعالى- فشل في تدجين الشعوب العربية والإسلامية التي ترفض كل أصناف عدوانه. والحقيقة الواقعية المغيبة إلى حد كبير، هي أن الاحتلال يواجه مشكلة حقيقية في داخله مع فلسطين المحتلة من البحر إلى النهر، كما يواجه تحديات مع جميع جيرانه، ولو بدرجات متفاوتة.

والمأمول أن تصحو جميع الأنظمة الرسمية العربية، والأنظمة الرسمية الإسلامية، سواء المهرول منها أو المعتدل أو المقاوم، وأن يُسكنوا الخلافات البينية البغيضة، وأن يقوموا بمعالجتها بأنجع الطرق وبأقل التكاليف، وفي ذلك مصلحة مشروعة، لهم كلهم جميعاً، حتى تسلم البلاد، وترضى عنهم العباد.

والسؤال لحضرة النظام الرسمي العربي والإسلامي، هل رأيتم قيد «عهد التميمي»؟ هل سمعتم صرخة «المسجد الأقصى»؟ هل شعرتم بحزن «زهرة المدائن/ مدينة السلام»؟ أليس منكم من لديه شيء من شجاعة «عنترة بن شداد»؟ أليس منكم من لديه شيء من نخوة «المعتصم»؟ أليس منكم من لديه شيء من دم «صلاح الدين»؟

والجواب ما أقوله ليس حلماً يغشاني، بل ما أتمناه لأحد منكم يا سادتي الكرام، فإذا كان الأمر ليس كذلك، فإن الحزن والشفقة عليكم أمر واجب، لأنكم اخترتم أن تناموا نوم الجبناء، ويبقى العزاء للأوطان والمواطنين في أنه يوجد الكثير ممن لديهم أشياء من كل ذلك، في كل فلسطين، وفي كل لبنان، وفي كل مكان يوجد فيه إنسان يؤمن بقيم العدالة والإنصاف والإنسانية النبيلة التي توجد في عباده الصالحين.

والله من وراء القصد

كلية القانون – جامعة قطر

[email protected]

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X