كتاب الراية

العبث في زمن الحصار

اللامعقول تعبير عن التمرُّد ضد الحرب

سيزيف أكثر البشر لؤماً وخبثاً ومكراً على وجه الأرض

المُستميتون من أجل المناصب مغلوبون ومهزومون

  • العبث تناول تفاصيل الحياة اليومية الغارقة في اللا معنى
  • لم تعُد النتائج في عصرنا تعتمد على المقدّمات
  • التافهون تحوّلوا لمستشارين وماسحو الأحذية صاروا وزراء
  • إنجازات قطر خلال الحصار اختصرت أعواماً طويلةً

العبثُ أو اللا معقول تيارٌ أدبيٌّ فنيٌّ بدأت إرهاصاتُه الأولى في عشرينيّات القرن الماضي، وتبلور فعليّاً كتيار مُعترفٍ به بداية الخمسينيّات. وهو تعبيرٌ صارخٌ عن التمرُّد الاجتماعيّ ضدّ الحرب العالميّة الدامية ونتائجها غير الإنسانيّة، بما شملته من أهوالٍ وويلاتٍ، وما خلّفته من قتلَى وجرحَى ودمارٍ شاملٍ. وللتعرُّف أكثرَ على ذلك التّيار الّذي تحوّل لمدرسةٍ ذاتِ منهجٍ خاصٍّ، لا بدّ من العودة إلى جذوره ومرجعيّته الأساسيّة، تمهيداً لإسقاط مضمونه ومُقاربته مع الواقع المُعاصر.

خداع:

عاش «سيزيف» جَشِعَاً مُخَادِعاً، ولم يتورّع عن خرق القوانين، وضرب الأعراف السّائدة عرض الحائط. وصورته التي تردّدت في الأدب الإغريقيّ كانت تتلّخص في أنه أكثر البشر لؤماً وخبثاً ومكراً على وجه الأرض قاطبة. وعندما ضاق «زيوس» ذَرعاً بمخازي وقبح «سيزيف» طلب إرساله للجحيم مُقَيّداً بالسّلاسل، لكنّه تمكّن من خداع «هاديس». وتواصل خداعُه للبشر ولـ «الآلهة» حتّى قرّر كبيرُهم «زيوس» عقاب «سيزيف» بدحرجة صخرة ضخمة أعلى تلّ منحدر، وقبل بلوغ القمّة تفلت الصّخرة دائماً، ويلزمه العودة لدحرجة الصّخرة من جديد دون أمل في الخلاص. من أجل ذلك صارت الأنشطة والأفعال والسّياسات عديمة الهدف توصف بـ «السيزيفية»، وهو ما جعل من سيزيف وقصّته موضوعاً أثيراً لكثير من الكُتّاب القدامى.

لذلك فسّرت النّظريّة الشّمسيّة شخصيّةَ سيزيف بأنّه قرص الشّمس الذي يطلُع كل صباح من الشّرق، ويمضي بعدها مُتلاشياً تجاه الغرب. ورأى فيه الفيلسوف الأبيقوريّ «لوكريتوس» تجسيداً للسّاسة الّذين يطمَحُون ويستَميتُون من أجل المقاعد والمناصب السّياسية، لكنهم مغلوبون ومهزومون في سعيهم دائماً. كما اقترح «فيلكر» أن سيزيف يرمز إلى صراع الإنسان العبثيّ في سبيل المعرفة. وقال «ألبير كامو» في مقاله الشّهير «أسطورة سيزيف» 1942 إن سيزيف يمثّل سخف وهراء ولا منطقيّة ولا عقلانيّة الحياة الإنسانيّة.. ليس هناك عقابٌ أفظعُ من عمل مُتعب لا أملَ فيه ولا طائلَ منه.

مسرح العبث:

سُمّيت الحركة الثّائرة على كلّ تقاليد «أرسطو» الدراميّة بالعبث أو اللا معقول، وسُميت كذلك بالكوميديا المُظلمة ومسرح اللا تواصُل. وتُعتبر مسرحيّة «في انتظار غودو» للكاتب «صمويل بيكيت» البداية الحقيقيّة لمدرسة العبث في الأدب والفنّ، لما تضمّنته من غموض في الفكرة، وخلوّها من العقدة التقليديّة، ومن التّصاعد الدراميّ، ولم يكن لها حلٌّ أو نهايةٌ منطقيّةٌ. وإلى اليوم يتساءَل الدّارسون والباحثون عن «غودو» من يكون؟ ومتى سيصل؟ وماذا يمكنه أن يفعل إن هو وصل؟ وسرعان ما تبنّى النّهج ذاتَه «يوجين يونسكو» و»آرثر أداموف» و »جان جينيه» و»هارولد بنتر» و»سمبسون» و»إدوارد البي» و»توم ستوبارد».

سمات مُشتركة:

لعلّ أحداث الحرب العالميّة ومآسيها فرضت على الفنّ والأدب حينها الكثير من التّساؤلات حول الأفعال الإنسانيّة وجدواها. وتساؤلات أخرى حول التّناقض الكبير بين ما يتمّ قولُه والتصريحُ به، وبين الأفعال التي يُقْدِم عليها البشرُ. والسّؤالُ الأهمُّ: ما الجدوى من الحياة بحدّ ذاتِها؟ وتتشابه الأعمال العبثيّة من حيثُ طرحُها لتلك التساؤلاتِ بطرق وأشكال مُختلفة. ولا تخلو تلك الأعمال من السُّخرية المريرة، والتهكم الاستفزازيّ، والنّظرة المُتشائمة للحياة. اعتمد كُتّاب العبث في مادّتهم على تناول تفاصيل الحياة اليوميّة الغارقة في اللا معنى، ويشبه ذلك الدّوَران في حلقة مُفرغة.

مسرح العبث يُمكن أن يُسَمّى مسرحاً ضدّ المسرح؛ لأنه يَضْرِبُ عرض الحائط بكل قواعد المسرح وثوابته، فهو بلا حَبكة، وأفكاره غير مُتسلسلة، والحوار فيه غير مُحكم، وبعيد تماماً عن المنطق. ولم تعد اللغة وسيلة اتّصال منطقيّة، بل أصبحت أداةً نمطيّة لا معنى لها، وتحوّلت اللغة إلى أداة لا يمكن الاعتماد عليها، ولم تعُد النّتائج تعتمد على المقدّمات. يكفي أن نعلم أن أحد أبطال تلك المسرحيّات أخرس. وأن مسرحيّة: «المغنية الصلعاء» لمؤلفها «يونسكو» ليس فيها مغنية أو صلعاء.

ومن المؤكّد أن كلّ ما عبَّرت عنه المدرسة العبثيّة من سمات مُشتركة، كانت تسعى للتّعبير عن الواقع الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ خلال الحربَين العالميتَين. ومما لا شكّ فيه أن الواقع يتكرّر حالياً بشكل يصل حدّ التّطابق وإن اختلفت الوسائل والأساليب.

عبثٌ معاصرٌ:

لا يختلف الواقعُ الحالي على المُستوى الدوليّ عن الواقع المُحيّر الذي سيطر على العالم أثناء الحربَين العالميّتَين، والصورة تجلّت وباتت أكثرَ وضوحاً منذ 5/‏6/‏2017، حيثُ تمادى العبث واستشرى. ومهما كانت المآلات فإن استمرار الأزمة بحدّ ذاتِه عبثٌ على المُستويَين السياسيّ والاقتصاديّ، بما يمسّ حاضر ومُستقبل الشّعوب «الخليجيّة»، ومصير ومُستقبل المنطقة «الشّرق الأوسط»؛ لأنّ التّافهين تحوّلوا لمُستشارين، وماسحي أحذية السّادة انقلبوا وزراء. والأكثر عبثاً اختباءُ وزير خلف «وزير دولة» ليتلقّى نيابةً عنه اللومَ والتقريعَ والإهانات. ووليّ عهد «نظام» ساقط يمارس «التنمّر» في المنطقة طولاً وعرضاً خلف واجهة رئيس مسموم يحتضر، أو أنه فارق الحياة بالفعل منذ زمن، لكنه يصرّ على إبقائه حجاباً بينه وبين الإدانة، ليعيث فساداً من وراء ستار. إذا لم يكن ذلك عبثاً ولا معقولاً، فماذا يمكن أن نسمّيه؟ وإلا من يستطيع تفسير حبس من يمتهنون الصّحافة؟ واعتقال الدعاة؟ وتجاهل القدس وبيعها؟ وتنمّر العرب على بعضهم البعض؟ وبناءً على ما سبق، مَنْ يستطيع إيجاد تبرير منطقي لما يجري، وأنه ليس عبثاً وغَرَقاً في اللا معنى؟

اختصار الزمن:

الإنجازات التي حقّقتها قطر خلال الحصار اختصرت أعواماً طويلة. في المُقابل يتابع ولاة الأمر وأذنابهم في دول الحصار بحقد وغباء، وينظّرون للإنجازات اليومية بعقولهم العبثية فلا يُصدّقون إمكانية ما يجري. ويصيبهم المرار والقهر فيواجهون تلك الإنجازات بسفورهم المعتاد. مثل هاشتاق سلبي يغطي على آخر إيجابيّ، حملة إعلاميّة مبنيّة على باطل، أغنية جديدة. ولم تسلم من عبثيّة خصامهم حتى الدوابّ، وبعد ذلك يدّعون أنهم على الحقّ، والحقّ منهم براء.

كهف أفلاطون:

تعتبر ما تسمى بنظرية كهف أفلاطون عبارة عن مثالٍ ضَرَبَهُ أفلاطون في الباب السابع من كتاب الجمهورية ليدلل على وجود عالم المثل. تخيل أفلاطون مجموعة من السجناء المحبوسين منذ نعومة أظفارهم في كهف تحت الأرض، وهم في وضع الجلوس بحيثُ تكون ظهورهم متجهة إلى مدخل الكهف، كما أنهم مُكبّلون من أعناقهم وأرجلهم لدرجة تمنعهم من القيام أو الالتفات إلى الخلف. ويوجد خلف السّجناء مسرحٌ عالٍ وتفصل بين المسرح والكهف نارٌ خافتةٌ هي مصدر الإنارةِ الوحيد في ذلك الكهف المُظلم. ويمرّ على المسرح أناسٌ يَحْمِلونَ تماثيلَ ونماذجَ لأشياءَ أخرى، فيرى القابعون في الكهف ذلك على شكل ظلال تنعكس على جدار الكهف أمامهم.

وعندما يتقدّم أحد الحرّاس ويجبر أحدهم أن يُدير عنقه إلى الخلف ليرى النّار ويرى الأشياء المحمولة في الخلف، فيشعر بالضيق ويشعر بأن الظّلال على جدار الكهف هي الحقيقة، وأن ما أجبر على رؤيته لا يُعدّ إلا ظلالاً لتلك الصّور. وعندما يُجبَر ذلك السجينُ على النهوض والخروج فإنه سيدرك الفارق بين الحقيقة والظّلال التي كان يراها سابقاً، وإذا عاد للكهف مرّة أخرى فإنه سيتّهم بالجنون إذا حاول تفسير ما يراه زملاء الكهف على أنه وهمٌ يختلفُ عن الحقيقة التي رآها بعينيه، بل إنه لو حاول إجبارهم على النهوض وحَمَلَهُم على الخروج لرؤية الحقيقة بأنفسهم، فسوف يثورون عليه وربما يقومون بقتله. وهي تماماً الحال التي يعيشها كلّ من يتعمّد تجاهل الحقّ، والتّطبيل للباطل، والإصرار على تكرار الافتراءات والمضي في الفجور إلى أبعد مدى، إن كلّ من يؤيد الطّغيان رغم سفوره اختار العيش في كهف أفلاطون، وأعطى ظهره للواقع واكتفى بتصديق الخيالات التي يراها على جدار الكهف أو المعلومات التي يحصل عليها من إعلام الطّغاة الخونة.

البحث عن تاريخ:

كلنا نبحث عن وجود حقيقيّ ودورٍ مؤثّرٍ، جميعنا بلا استثناء، لكن أن يكون البحثُ عن ذلك الوجود في العصر الحديث عبرَ التزييف وقلب الحقائق فهي بدعة صهيونيّة خبيثة، وسارت على خُطاها أنظمة تدعي انتماءها للعروبة والإسلام. التّزييف كان يحدث منذ الأزل، عندما بدأ الإنسان يوثّق سيرتَهُ وأحداث يومِه وبطولاتِه على جدران الكهوف. والآثار الفرعونيّة تدلل على أن كلّ فرعون كان يغطي سيرة من سبقه على جدران المعابد ويخطّ فوقها سيرته هو، لدرجة أن المعبد الواحد كانت حوائطه تعجّ بسيرٍ متعددةٍ، الواحدة فوق الأخرى.

وكثيرة هي النماذج على الاحتيال والتزوير لأهداف وأغراض مُتعدّدة. وربما يكون أبرزها الكذب والتزوير في حقّ الخليفة هارون الرشيد وتشويه عصره عن طريق ربط سيرته بالشاعر المنحلّ أبو نُوَاس، رُغم أنّهما لم يلتقيا لا في الزمان ولا المكان. وكذلك الأمر مع الملك فاروق الذي كان يحكم مملكة تفوّقت على ممالك وجمهوريّات ذلك العصر في كل المجالات تقريباً.

ولكي يبرّر العسكر استيلاءهم على ثروات البلاد ونفي ملكها، كان لا بدّ لهم من التزييف فادّعوا أن انقلابهم فرصة للتحرّر من الطّغيان، وليقبلَ الشّعب خيانتهم صوّروا المَلِكَ على أنه فاسِقٌ تجتمع به كل المساوئ والمخازي. وليس ببعيد عن ذلك أوّل رئيس شرعيّ مدنيّ منتخب في تاريخ مصرَ، وسواء تحفظت عليه أم لا، فذلك لا ينفي حقيقة ما حدث من تزييف وتشويه وشيطنة لشخصه، ولكل من ناصره أو قال كلمة إنصاف بحقّه. وحديثاً صارت بعض الدول التي تفتقر إلى التّاريخ تكرّر الكذبة تلو الأخرى حول تاريخ تدّعيه، لدرجة فاقت حدود المنطق وتجاوزت العبث بحدّ ذاته.

خاتمة:

المصائب المُتسارعة التي تلحق بالأمة ورُغم قسوتها، إلا أنها تحمل العديد من المزايا، وأهمُّها سقوطُ الأقنعة، وانجلاءُ الغمامة التي تحجب العقول، لدى الخاصّة والعامّة. هي مرحلة تشبه قوماً نشؤوا على تبجيل الأصنام وفي لحظة وعي جمعيّ قاموا بتهشيمها جميعاً. إنها السنوات الكاشفة التي اختصرت أعواماً من الأوهام.

تغريدة:

مهما ازداد حجمُ التّعرية، فإنه سيبقى ضئيلاً جدّاً إذا ما قُورِن بالحقيقة الكاملة. تماماً مثل الجزء الذي يظهر من جبل الجليد، فما خَفي من الجبل يبقى أدْهى وأعظمَ.

 

t: @Saoud_Ali_

email: [email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X