fbpx
المحليات
د. يوسف القرضاوي يخص الراية الرمضانية بأحدث مؤلفاته

الشكر والصبر .. منازل وأسرار في القرآن والسنة النبوية

خصّ فضيلة الشيخ د. يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين،  الراية  الرمضانية بنشر أحدث مؤلفاته بعنوان «الشكر والصبر».

يتناول الكتاب منزلتين في سلوك الإنسان المؤمن الذي يبتغي مرضاة الله، وهما «الشكر والصبر»، وقد نوَّه بهما القرآن، ونوَّهتْ بهما السُنّة، ونوّه بهما الصحابة ومن اتبعهم بإحسان من خيرة أبناء الأمة المحمّدية وعلمائها وأبطالها ورجالها ونسائها، ممن أثنى الله عليهم في كتابه، وأثنى عليهم رسوله في حديثه، وأثنى عليهم صفوة الأمة في مختلف أجيالها.

هذان العنصران هما: الشكر والصبر، أو الصبر والشكر.

ويقول القرضاوي في مقدّمة كتابه: «هناك ملحظ يلحظه كل من قرأ القرآن بتأمُّل، حيث يجد الصبر مقدَّماً على الشكر.. فقد ذكر القرآن الكريم 4 مرات في سوره المكية اقتران الصبر بالشكر، وقدّم الصبر على الشكر في قوله تعالى: «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ»، فقدّم «صبّار» على «شكور» وكلاهما من صيغة المُبالغة. ولعل في هذا دلالة على تقديم الصبر على الشكر. وقال تعالى في سورة إبراهيم: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ»، إبراهيم:5.

وقال عز وجل في سورة لقمان: «أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ»، لقمان:30.

 

خصَّه الله بدعوة عالمية خالدة شاملة
النبي خاتم النبيين وأولي العزم

خُتم أولو العزم – بل ختم النبيون جميعًا – بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم الذي خصَّه الله بدعوة عالميّة خالدة شاملة، فبُعث للناس أجمعين، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله ولو كره المشركون، ووفق سنن الله كان لا بد أن يُحارَب ويُحارِب، وكانت معاركه مع خصومه على كل مستوى، على الصعيد الأدبي، وعلى الصعيد الاقتصادي، وعلى الصعيد العسكري.
لقد أوذي وأصحابه حتى استشهد منهم مَن استشهد تحت العذاب، وحوصروا حتى أكلوا أوراقَ الشجر، وأخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حقٍّ إلا أن يقولوا: ربنا الله، وقاتلوا وقُتلوا، حتى لم يبقَ بيتٌ إلا قدم شهداء.
ونزل القرآن المكيُّ يواسيهم: «الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ»(العنكبوت: 1 – 3).
كما نزل القرآن المدني يواسيهم، وقد رمتهم العرب عن قوسٍ واحدة، وأمسوا ينامون في السلاح خشية مباغتة الأعداء بالهجوم عليهم.
قال تعالى: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ»(البقرة: 214).
أمة النبي وصبرها على طريق الدعوة:
وبعد محمدٍ صلى الله عليه وسلم تعرض كل مَن تمسك بالحق ودافع عنه إلى الأذى، بل إلى القتل.. حتى إن ثلاثة من الخلفاء الراشدين المهديِّين ماتوا مقتولين شهداء عند ربهم: عمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم أجمعين!
والحسين السبط رضي الله عنه مات شهيدًا مقتولًا مظلومًا.
وكل صاحب رسالة بعد ذلك من العلماء والربانيين والأئمة الصادقين، أوذي من أجل رسالته ما أوذي، فلم يهن لهم عزم، ولم تلن لهم قناة، ولم تخمد لهم جذوة، ولم يمت لهم أمل، بل كانوا كما قال الله في أمثالهم: «فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ»(آل عمران: 146).
دخل شيخ الإسلام ابن تيمية السجن من أجل تشبثه بأفكاره وما يؤمن به، ودخل كذلك تلميذه الإمام ابن القيم، وقضى ابن تيمية نحبه في السجن.
ولم يحن شيء من ذلك رأسه، أو يفتَّ في عضده، أو يشعرْه بالأسى على ما أصابه، بل قابل ذلك كله برضا القلب، وسكينة النفس، وقال كلمته الشهيرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحتُ فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خَلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
وكذلك كان موقف كل المصلحين والمجددين لهذا الدين، خاضوا لُجج المحن، لُجَّة وراء لجة، ومحنة في إثر محنة. ومنهم مَن قدَّم عنقه فداء لدعوته، وهو يستحضر قول الصحابي الجليل:
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا على أي جنب كان في الله مصرعي!
وقدمت الدعوة الإسلامية الحديثة، أو الحركة الإسلامية المعاصرة، قوافل من الشهداء، منهم من أعدم شنقًا، مثل: عبد القادر عودة، وسيد قطب، ومحمد فرغلي، ويوسف طلعت، وإبراهيم الطيب، وعبد العزيز البدري.. ومنهم من اغتيل على يد خصومه، مثل: حسن البنا الذي اغتالته الحكومة بيد رجالها في عهد الملك، وقد حوكموا بعد الثورة.. ومنهم مَن قُتلوا على يد سجانيهم، كما في حادث ليمان طرة الذي قُتل فيه بضعة وعشرون سجينًا على يد حرّاسهم.
ومنهم مَن قُتل تحت سياط التعذيب، مثل: شهداء زنازين العذاب في السجن الحربي.
ومنهم مَن قُتل في معارك غير متكافئة مع خصومهم، فسقط الآلاف شهداء. وهكذا يظلّ الصراع محتدمًا بين الحق والباطل في صور شتى، وبأساليب شتى تتغير الوجوه، وتتغير الأسلحة، وتتغير أرض المعركة، ولكنها أبدًا مستمرَّة لا تتوقف، وإن كانت تهدأ أحيانًا، ولكنه الهدوء الذي يسبق العاصفة، كما يقولون.
وما دام في الأرض خير وشر، وما دام في الناس أخيار وأشرار، وما دام لكل إنسان ملك يُلهمه، وشيطان يوسوس له، وما دام للناس شهوات تغريهم بالغيّ، وعقول تهديهم إلى الرشد، فسيظل التدافع قائمًا، والمعركة مشتعلة، والحرب سجالًا، حتى تكون العاقبة للحق ودعاته، وللتقوى وأهلها.
«كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ»(الرعد: 17)، «وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا»(الإسراء: 81).

 

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X