fbpx
المحليات
العاصمة الدينية والروحية والعلمية

فـــاس.. درة المغـــرب الأقــصى

تشتهر بلاد المغرب الأقصى بغناها بالمدن العريقة ذات البعد التاريخي والحضاري الكبير، ومنها مدينة فاس العاصمة الدينية والروحية والعلمية للمغرب، ذات المساجد والجامعات والمدارس والأسواق والقصور والبروج القديمة التي تتميَّز بتاريخها العريق وعمارتها الفريدة وزخارفها الجميلة، وتشكل فاس جزءًا أساسيًّا من التراث المغربي والعربي والإسلامي؛ فهي مقصد للسياح العرب والأجانب، حيث تتوزع فاس على مدينتين واحدة قديمة، وأخرى حديثة، فتمزج بين الماضي العريق، والحداثة المعاصرة.

تقع مدينة فاس في أقصى شمال شرق المملكة المغربية، وهي ثالث أكبر مدن المغرب بعد الدار البيضاء والعاصمة الرباط، وهي واحدة من المدن الأربع العتيقة بالمغرب الأقصى التي تشمل مراكش، الرباط، مكناس، وفاس.

يعود تاريخ مدينة فاس إلى القرن الثاني الهجري، عندما قام إدريس بن عبد الله الأول مؤسِّس دولة الأدارسة عام (172هـ = 789م) ببناء مدينة على الضفة اليمنى لنهر فاس، في بقعةٍ كان يرحل إليها قبائل زناتة (زواغة وبني يازغة)، ووفد إليها عشرات العائلات العربية من القرويين ليُقيموا أول الأحياء في المدينة، الذي عرف باسم «عدوة القرويين»، كما وفد إليها الأندلسيون الذين أُرغموا على الهجرة من الأندلس ليُكوِّنوا حي «عدوة الأندلسيين»، وكان هناك حيٌّ خاصٌّ لليهود وهو حيُّ الملاح.

تحظى فاس بموقعٍ استراتيجيٍّ مهمٍّ باعتبارها ملتقى للطرق التجارية بين الشرق والغرب، خاصَّةً تلك التي كانت تربط سجلماسة بشمال المغرب، كما شكَّل ساكنو المدينة خليطًا من أمازيغ الأطلس المتوسط والقيروانيين والأندلسيين واليهود الذين أسهموا في تطوُّرها العمراني والاقتصادي والثقافي.

جامع وجامعة القرويين

وفي مقدمة هذه المعالم جامع القرويين الذي بني عام (245هـ = 859م) على يد أم البنين فاطمة الفهرية القيروانية، التي يُقال إنَّها وهبت كلَّ ما ورثته لبناء الجامع، قبل أن يعمل أهل المدينة وحكام المغرب – على مدى التاريخ – على توسيع المسجد وترميمه والقيام بشؤونه؛ حيث كان أهل المدينة وحكامها يقومون بتوسعة المسجد وترميمه والقيام بشؤونه، وأضاف الأمراء الزناتيون بمساعدة من أمويي الأندلس حوالي 3 آلاف متر مربع إلى المسجد، وقام بعدهم المرابطون بإجراء توسعة أخرى، وتُعدُّ صومعة المسجد المربعة الواسعة أقدم منارة مربعة في بلاد المغرب العربي، وهي لا تزال في المسجد قائمةً إلى الآن من يوم توسعة الأمراء الزناتيين عمَّال عبد الرحمن الناصر على المدينة.

مدارس فاس

وحول القرويين زخرت المدينة العتيقة، خصوصًا في عهد المرينيين (القرن 8هـ = 14م)، بعددٍ من المدارس التقليدية التي تعكس اليوم العبقرية العمرانية لحرفيي المدينة، ومن أهمها المدرسة المصباحية (أبو الحسن المريني)، والمدرسة البوعنانية (أبو عنان)، وقبلهما مدرسة الصفارين التي يعود تأسيسها إلى عهد أبو يوسف المريني عام (679هـ = 1280م)، وكانت هذه المدارس بمثابة مؤسَّسات تأهيليَّة تسمح للطالب بالانتقال إلى دراسات عليا بجامعة القرويين.

مسجد الأندلسيين

بني هذا المسجد سنة (244-245هـ =859 -860م) من طرف مريم أخت فاطمة الفهرية، لكن تصميمه الحالي يعود في مجمله إلى فترة حكم الناصر لدين الله الموحدي، وقد عرف إضافة نافورة ماء وخزانة في العهد المريني، خلال الفترة العلوية قام السلطان المولى إسماعيل بعدَّة إصلاحات، ويتميَّز ببوابته المصنوعة من خشب الأرز المنحوت عام (370هـ = 980م).

أسوار فاس البالي

تعود الأسوار المحيطة بفاس البالي (القديمة) إلى فترة حكم الناصر الموحدي (595–610هـ = 1199 -1213م)، لكن الأبواب التي تخترقها تحمل أغلبها أسماء تعود إلى فترة حكم الأدارسة والزناتيين (باب الفتوح، باب الكنيسة، باب الحمرة، باب الجديد).

المسجد الكبير بفاس الجديدة

شيد سنة (675هـ = 1276م) في عهد أبي يوسف يعقوب، وقد شهد عدَّة إصلاحات على عهد أبو فارس المريني سنة (797هـ = 1395م)، أمَّا خزانة المسجد فقد أحدثت من طرف السلطان العلوي المولى راشد سنة (1079هـ = 1668م).

المدرسة البوعنانية

تعد هذه المدرسة التي أسسها السلطان أبي عنان فارس المريني ما بين (751- 756هـ = 1350–1355م)، من أشهر مدارس فاس والمغرب فبالإضافة إلى دورها كمؤسَّسة لتعليم وإقامة الطلبة، كانت تُقام فيها صلاة الجمعة، وهي تتوفَّر على صومعة جميلة البناء والزخرفة إضافة إلى ساعة مائيَّة (مكانة) تقنية تشغيلها مجهولة، وهي أفخم وآخر مدرسة أسَّسها المرينيون.

البرج الشمالي

بني هذا الحصن الذي يتواجد شمال فاس البالي سنة (990هـ=1582م) من طرف السعديين، بناه أحمد منصور الذهبي ليُشكِّل مع برج الجنوب قلعتين تحميان المدينة، وتحوِّل حاليًّا إلى متحف للأسلحة القديمة، ويستمد تصميمه من القلاع البرتغالية التي تعود إلى القرن (10هـ=16م). وهو يحتضن حاليًّا متحف الأسلحة.

مدرسة العطارين

بناها السلطان أبو سعيد المريني في القرن (الثامن الهجري=الرابع عشر الميلادي) لإسكان طلاب جامعة القرويين، وسُمِّيت كذلك نسبةً إلى العطارين الذين تشتهر المدينة بكثرة عددهم.

زنقة العطارين وسوق الحناء

ويتضمن متاجر صغيرة على الجانبين يستعملها خزفيون وعطارون، تتوفَّر فيها الحناء على أنواعها والكحل الأسود والرمادي؛ أي ما تتزيَّن به النساء المغربيَّات منذ قرون، كما يتوفر فيها الخزف الفاسي المعروف بزخرفته وألوانه الزاهية خصوصًا الأزرق وبجودته، الذي أصبح اليوم مجرد أداة للزينة والديكور المنزلي.

سوق الصباغين

يتلوّن بلاطه بألوان متعددة نتيجة قيام الصباغين بغسل الجلود في أحواض صغيرة، تنسكب مياهها الملونة بالأصبغة المختلفة على البلاط فتحوله إلى ما يشبه اللوحة التشكيلية التي تنعكس عليها أشعة الشمس نهارًا فتولَّد منظرًا جميلًا.

فندق وسقاية النجارين

يعود هذان المعلمان اللذان يطلان على ساحة النجارين إلى القرن (12هـ = 18م). وتشهد هندستهما وزخارفهما على الأسلوب الجديد الذي ميَّز الهندسة المعمارية الفاسية مع بداية الفترة العلوية، وفي سنة 1997م احتضن فندق النجارين متحف فنون الخشب.

ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان فقال: «مدينة مشهورة كبيرة على برّ المغرب من بلاد البربر، وهي حاضرة البحر وأجلّ مدنه قبل أن تختط مراكش، وفاس مختطَّة بين ثنيَّتين عظيمتين، وقد تصاعدت العمارة في جنبيها على الجبل حتى بلغت مستواها من رأسه وقد تفجَّرت كلها عيونًا تسيل إلى قرارة واديها إلى نهر متوسط مستنبط على الأرض منبجس من عيون في غربيها على ثلثي فرسخ منها بجزيرة دوي، ثم ينساب يمينًا وشمالًا في مروج خضر، فإذا انتهى النهر إلى المدينة طلب قرارتها فيفترق منه ثمانية أنهار تشقُّ المدينة عليها نحو ستمائة رحى في داخل المدينة كلها دائرة لا تبطل ليلًا ولا نهارًا، تدخل من تلك الأنهار في كلِّ دار ساقية ماء كبار وصغار، وليس بالمغرب مدينة يتخللها الماء غيرها إلَّا غرناطة بالأندلس، وبفاس يصبغ الأرجوان والأكسية القرمزيَّة، وقلعتها في أرفع موضع فيها يشقُّها نهر يُسمَّى الماء المفروش إذا تجاوز القلعة أدار رحى هناك، وفيها ثلاثة جوامع يخطب يوم الجمعة في جميعها».

العلامات
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
X